اللعبة في العراق لم تنتهِ بعد

اللعبة في العراق لم تنتهِ بعد

27 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

يقود أي حدثٍ يتعلق بالانتخابات العراقية، حتى لو كان عابرا أو صغيرا، إلى العودة الى جذور اللعبة التي بدأت مع الغزو الأميركي للبلاد وامتدّت. وليس ثمّة أي مؤشّر على أنها سوف تنتهي في القريب، وكل الطروحات المتفائلة التي جاء بها ناشطون سياسيون أو محللون لا تعدو أن تكون مجرّد شطحات خائبة. وتكمن جذور اللعبة هذه في عاصمتين بينهما ما صنع الحدّاد، واشنطن وطهران. وبالطبع، تريدان إبقاء العراق عالقا على امتداد الطريق بينهما، ولكلّ منهما رؤيتها ومصالحها ومطامعها، كما لكل منهما طابورها الخامس الذي يعينها ويمحضها الولاء، ويسعى إلى أن يحقّق لها ما تبغيه.
وإذا كانت "السياسة" مثل رغيف خبزٍ مغموسٍ باللعنة، كما وصفها أحد المفكرين، فان المواطن العراقي مضطر لازدراده ولو ببطء. هكذا هو واقع الحال، وقد وضح أن الذين أعطوا أصواتهم في الانتخابات أخيرا، والذين شاءوا مقاطعتها على حد سواء، تلقوا الجواب: "تريد أرنبا خذ أرنبا، تريد غزالا خذ أرنبا". أكّدت ذلك ثيمة الاجتماعات واللقاءات التي انعقدت بحضور قادة "العملية السياسية"، بمن فيهم "المخلصون الكذبة" الذين ظهروا والبراءة المصطنعة في عيونهم، لكنهم كانوا في قرارة سرّهم يعضّون على النواجذ، كي يبقى الحال على ما هو عليه، وربما يصبح أكثر سوءا. ووضح أيضا أن "المرجعية الشيعية" التي وجّهت بعدم انتخاب من خضع للتجربة تراجعت، وهذا ما ظهر في تسلّق "مجرَّبين" عديدين إلى مقاعد البرلمان المقبل، وعلى حدّ ما نقله عارفون بما وراء الأكمة، فإن أسماء "مجرّبة" طُرحت، ليكون واحدٌ منها رئيسا للحكومة المقبلة، وهذا يعني أن لا جديد تحت الشمس في الزمن الحاضر على الأقل، والوقائع تفضح النوايا.

اتهم "وكلاء إيران" "مفوّضية الانتخابات" بتزويرها، بالتنسيق مع قوى خارجية، ونظّموا حركة احتجاجاتٍ وعصيانٍ

وكما توافقت واشنطن وطهران على دعم "العملية السياسية" وإسنادها طيلة السنوات الماضية، وكلٌّ له حساباته، فقد توافقتا أيضا على مباركة الانتخابات الأخيرة، والتهنئة بهذا "المنجز الديمقراطي". وذكّر الأميركيون أصدقاءهم العراقيين بالشراكة الاستراتيجية التي جمعت بينهم، والتي قنّنتها "اتفاقية الإطار الاستراتيجي"، فيما أكّد الإيرانيون أن العلاقة مع جيرانهم العراقيين "قلّ نظيرها في العالم"، كما حصلت "العملية السياسية" على جرعة دعمٍ جديدةٍ من مجلس الأمن.
وعلى النقيض مما أعطته هذه البيانات، بدا للجميع أن "وكلاء" إيران من قادة المليشيات ذهبوا صوب توجّه معاكس، عندما اتهموا "مفوّضية الانتخابات" بتزويرها، بالتنسيق مع قوى خارجية، ونظّموا حركة احتجاجاتٍ وعصيانٍ في بغداد ومحافظات أخرى، معبّرين بذلك عن نزقٍ سياسيٍّ يكمن وراءه شعور بالخطر، والخوف من فقدان سلطتهم، سرعان ما تُرجم في جملة مطالب مرتبكة ومحدودة الأفق، تراوحت بين تنحّي مصطفي الكاظمي عن رئاسة الحكومة ومحاكمته، (وإحلال فائق زيدان رئيس الجهاز القضائي محله، على أن يجري انتخابات خلال ستة أشهر، بأمل إيصال أكبر عدد من مرشّحي المليشيات الى البرلمان) والاكتفاء بمحاكمة أعضاء مفوضية الانتخابات، المتهمين بالتزوير وإعادة الأصوات "المحجوبة" الداعمة لبعضهم. وأصاب الخبل بعضهم حد التهديد بقصف دولة الامارات بالصواريخ، لتدخلها في الانتخابات (!)، وقد وقفوا على أبواب "المنطقة الخضراء" لفرض تنفيذ "السيناريو" الذي رسموه، والذي هناك من اعتبره بدايةً لإسقاط الدولة، ووضع القرار السياسي بيد المليشيات، وهذا ما تعوّل عليه طهران كثيرا، على الرغم من موقفها المعلن في بيان التهنئة والتبريك الذي انكشف كونه نوعا من ممارسة "التقية" والتظاهر بعكس ما تريده. وعلى أية حال، فقد قوبلت تلك الطروحات من المواطنين العاديين بنوع من الإهمال والتجاهل، وربما التنديد أيضا، وهذا ما عكسه موقف زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي وصفها بأنها "تجرّ البلاد إلى الفوضى وتهدّد السلم الأهلي"!

زعمت قيادة هيئة الحشد الشعبي أنه لا يتدخل في الأمور السياسية، ومهمته "حماية النظام الديمقراطي" فقط

وفي خضم موجة ردود الأفعال المتشنّجة، بدت قيادة "الحشد الشعبي" على شيء من المكر عندما تنصلت من "السيناريوهات" المطروحة، إذ زعمت، بلسان رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، أن الحشد لا يتدخل في الأمور السياسية، ومهمته "حماية النظام الديمقراطي" فقط!
وهكذا تستمر اللعبة صعودا وهبوطا، ويستمرّ اللاعبون في إدارتها، وقد اكتسبوا الخبرة في تطويع من لم يطوّع بعد، ومن ورائهم قوى خارجية تهدف إلى حماية مصالحها، عن طريق إعادة إنتاج "العملية السياسية" الماثلة، والعمل على تدوير الزوايا بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر، مع تجنّب خوض الصراعات بطريقة المواجهة المباشرة، وإن كان ما ينتج سيكلف العراق والعراقيين خسائر أكبر وأكثر حدّة، ويمدّ في عمر التجربة الهجينة القائمة أربع سنوات أخرى، وربما أكثر.