اللا فلسفة المؤسِسة فلسفةَ سياسات العرب

31 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

كان صديقٌ معتق بلحظته اليسارية يكرر باستمرار قصيدةَ شاعر شعبي عراقي عن صمود "الأبطال" في المخيال الشعبي لليسار في منطقةٍ صخبتْ طويلاً بالشيوعية، المراهِقة منها أو المدركة. عريان السيد خلف، وهو الشاعر، ضمّن قصيدته بيتاً يقول، مع بعض التغيير لتكون مقروءة بحروف العربية الثمانية والعشرين، "هَلْبَتْ مات جيفارا، وهلبت هوشي مِنَّه انقطعت أخباره".

"هلبت"، وهي بيت القصيد، تعني "ليت" في ترجمتها حرفياً، إلا أنها هنا لا تعني التمنّي، بل الاستحالة في مقصد قائلها، فجيفارا لم يمت، وأخبار هوشي منه متواصلة. اليوم ذهب الاثنان إلى غياهب النسيان، انقطعت أخبار هوشي منه، ولم يعد لجيفارا حضورٌ يذكر إلا رسما على قمصان شبان وشابات، أو معلقة صوره على جدرانهم كأيقونة لا تدل على الفكرة، بقدر دلالتها على تأثير المقاتل الوسيم في وجدان من لا يعرفون الكثير عنه، وعن حسناته وجرائمه. أخذت الموجةُ بالضمور منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وحلّت مكانها أخرى يصنع شروطها مَن سجلوا وجودهم الديني والسياسي في المواجهة العالمية.

للمجتمعات تصورات عن الحياة والدولة والسياسة، تلك التصورات هي فلسفتها

وظلت القصائد حاملةً الفكرة المشفّرة. بينما لا فلسفات تؤسّس لرؤية المجتمعات، وتنتج رؤاها الخاصة، فللمجتمعات تصورات عن الحياة والدولة والسياسة، تلك التصورات هي فلسفتها. وأظنها مقولة صحيحة التي كتبها برتراند رَسل "لكي نفهم عصراً أو أمة من الأمم علينا فهم فلسفتها". تلك الفلسفة أو الرؤية تستدعي مرجعياتٍ أو خلفيات، وفهم الأمم ما حولها وتفسيرها ما يحصل لها أو في عوالم بعيدة عنها يعتمد على أدوات ومحرّكات. والأمم، فضلا عن التجمعات البشرية الأصغر، تتشارك في جوانب مِن الفهم والتفسيرات، وتختلف عن بعضها في أخرى. الاختلاف الجوهري تخلقه المرجعيات المختلفة. ويأحذنا هذا الاختلاف إلى سؤال كيفية فهم فلسفة كل أمة وكل عصر انطلاقاً من مقولة رَسل تلك. وبتعبير آخر، هل يجب أنْ تكون مرجعياتُ فلسفةِ الشعوب فلسفيةً؟

نظم قمعية وُظِّفتْ لطموحات بضع أشخاص جعلوا الحياة مستحيلة ودموية في الجمهوريات الناطقة شعوبها بالعربية

غالب الظن أنّ هذا السؤال، وما يترتب عليه، هو جوهر الفرق بين المجتمعات الأقرب إلى البدائية من الحداثة والأخرى الحديثة أو الأقرب إلى الحداثة، بالمعنى اللغوي لمفردة حداثة وليس الثقافي .. وبعيداً عن تعريفات الفلسفة والاختلافات حولها، الفوارق بين الشعوب، في هذا الصدد، تكمن في قدرتها على إعادة إنتاج نخبها رؤىً جديدةً منفتحةً على إمكانية تغيّرها وولادة أخرى مكانها. الديمقراطيات الغربية والاشتراكيات المتنوعة وُلدت مِن رحم جدل فلسفي دام أكثر من قرنين، وحين وُلدتْ مرتْ بتجارب وإخفاقاتٍ تزامنت مع نقد فلسفي واسع وعميق. هناك باستمرار هامش فكري حوْل النظم السياسية وتحولاتها يقف خلفه متنٌ فلسفي متواصل. يكفي القول إنّ التصورات عن الحرية والليبرالية والعقد الاجتماعي والحكم المدني والملكية المستبدة أو الدستورية .. حركتْ عجلاتِها أسماءٌ مثل هوبز ولوك وروسو وستيوارت ميل .. كما لعب ماركس دوره المحوري في تحريك عجلة الاشتراكيات.

والفلسفة بهذا المعنى ليست شمولية، ولا يمكن أن تكون. لأن الأخيرة تعني بالضرورة لا فلسفة، بل ثباتا سياسيا واجتماعيا يقتل عملية الخلق الفكرية، فماركس مثلا حين استورده الروس، وأعادوا إنتاجه خارج بيئته المشابهة له، من دون العمل على إنتاج البيئة المناسبة لاستمرار نقده فلسفياً، انتهى إلى مصير وخيم. فهل صُنعت، في البلدان العربية، مرجعياتٌ فلسفية فائقة لدولتها الحديثة؟ لا أظن أن هناك ضرورة للف والدوران حول الجواب أنها عجزت عن تشكيل المرجعيات خلال قرن، سواء في عهودها الأولى مما يمكن أن تسمى الدولة الليبرالية، أو لاحقاً مع القومية ومعارضتها اليسارية. خلال مائة عام، لم يولد جدل فلسفي يؤسس لرؤى تنتج دولة حديثة، بل مجموعة من ردود الأفعال المعتمدة على مقولات جاهزة أو مستوردة أو تاريخية، لم تؤسس للدولة بقدر ما أسّست لاحتمالات الدولة، وهي في الغالب نظم قمعية وُظِّفتْ لطموحات بضع أشخاص جعلوا الحياة مستحيلة ودموية في الجمهوريات الناطقة شعوبها بالعربية.

انهارت التجارب، وظهرت الدولة العسكرية أو البوليسية، تقابلها معارضة دينية شديدة الكراهية للحياة المدنية

أزمة فقدان الجدل الفلسفي معضلة يصعب تجاوزها. البديل دائما حالة شعرية، أناشيد مستمرّة عقوداً، رقصات جماعية بأعلام تحمل الألوان الأربعة، إعلام تحشيدي، توظيف كل شيء في حالة طوارئ. والنهاية أنّ التجارب انهارت، وظهرت الدولة العسكرية أو البوليسية، تقابلها معارضة دينية شديدة الكراهية للحياة المدنية. ووسط هذا كله، تنتقد النخبُ المشتغلة في الثقافة والميديا ظهورَ الإسلام السياسي، قوتَه وإرهاب بعض جماعاته، قمعَه الحريات وقدرته على تخدير عقول البشر. هي تنتقد، غير أنها لم توجّه نقدا حقيقيا لعجزها نفسها، أكثر من قرن، عن إيجاد أجواء فكرية خارج شروط الصراع الأيديولوجي المستورد، فصعود "فلسفات" الإسلامات السياسية خلال نصف القرن الأخير جاء نتيجة الخواء الفلسفي. والخواء هنا لا يعني أنْ لا أفكار، بل يعني عجزاً على إنتاج البنى الفكرية القادرة على البقاء، ومنازلة الواقع منازلة مرنة لتغييره. الخلفيات الحضارية الوحيدة الموجودة للبيئات الناطقة باللغة العربية هي تلك القديمة العائدة إلى قرون خلت، قبل انهيار العصور الذهبية في مشرق الخلافة ومغربها. وتلك بدورها تشوّهت في عصور الانحطاط، ووصلت إلى الورثة في حال يرثى له.

لقد استبدلت النخب المشتغلة بالثقافة ضرورةَ الإيغال في الفكرة لإنتاج مرجعيات تؤسس إنتلجنسيا جديدة، أو مجموعة من الإنتلجنسيات الجديدة، استبدلتها بالعيش في صراع شعر الحداثة وأدبه. كمراهق في قرية عربية نائية يعلق صور فتيات شقراوات ويفاضل بينهن، من دون أن يشعر بروحهن، أو يمر بتجارب معرفةِ حقائقهن. هي علِقت في صراع مدعوم برغبات اليسار والقومية حول التفعيلة وقصيدة النثر وإعلام التجييش .. قتلت حتى تأثير الأسماء التي ظهرت مع بداية الدولة الحديثة، الأسماء المتعلمة في البعثات الدراسية الشهيرة في النصف الأول من القرن العشرين، والتي جاءت بمعرفةٍ كان يمكن أن تساعد في تطور معرفي. وحتى الأسماء البارزة خلال الربع الأخير من القرن العشرين، أمثال محمد أركون ومحمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وحسين مروّة ومن لحق بها وما يزال، ظلت مجموعة مشغولة بالتراث ونقده، خوفاً منه ومن سطوته، بينما لم تؤسّس للمستقبل، لم تخلق أسباب ولادة منظومات جديدة تزامنا مع نقدها المنظومة القديمة أو المنظومات.