الفضاء السيبراني ... كل شيء ممكن

الفضاء السيبراني ... كل شيء ممكن

09 ابريل 2023

(Getty)

+ الخط -

قد لا يختلف اثنان من المختصّين على أن ظهور الفضاء السيبراني أدى إلى تغيير جذري في الطريقة التي تُظهر بها الدول قوتها، وقد أزاح وحيّد هذا الفضاء عناصر كثيرة من القوة التقليدية عن مواقعها التي تربّعت عليها فترات طويلة، وأفصح عن مجالٍ جديدٍ لبلورة شكلٍ جديدٍ للقوة المؤثرة والفاعلة، فإذا كان التغيّر في فجر التاريخ بطيئاً، فإنه حالياً يتّسم بتزايد سرعته بسبب ثورة المعلومات والاتصالات الهائلة التي تدخّلت لتغيّر من مفهوم الزمن، وتحوّله إلى حالة ديناميكية، إذ بتنا نعيش في عصرٍ يتحوّل فيه الخيال العلمي إلى واقع، ويبدو فيه كل شيءٍ ممكناً. حتى قبل عدة أعوام، كان من المستحيل، بالنسبة لنا، أن نتخيّل صاروخاً فضائياً يهبط بأمان على منصّةٍ بعد أن ينقل حمولته ويُعاد استخدامه؛ أو أن يتم استخدام طائراتٍ بدون طيّار لتوصيل الطرود للعملاء؛ أو أنظمة النقل البرّي السريعة مثل Hyperloop التي تحوّل جذريًا نموذج سرعة الأرض وقادرة على سرعات تزيد عن ألف كيلومتر في الساعة. كل ثانية وكل دقيقة وكل ساعة وكل يوم، ثمّة أخبار عن اكتشافات واختراقات جديدة لديها القدرة على تعطيل قطاعات متعدّدة من حياتنا وسبل عيشنا، بدءاً من السيارات ذاتية القيادة إلى الروبوتات والآليات المستقلة القائمة على الذكاء الاصطناعي والأجهزة الذكية الرخيصة التي يُمكنها أداء مجموعة من الأشياء البسيطة أيضاً، روبوتاتٍ يمكنها إجراء عمليات جراحية معقّدة ... إلخ.

تنبع معظم الاختراعات الحديثة من إنجاز رئيسي واحد، وهو الرقمنة، أو القدرة على تحويل الكلمات والصور والإشارات والأصوات ومقاطع الفيديو إلى سلسلة من النبضات الكهربائية أو الضوئية التي يمكن معالجتها ونقلها وإعادة إنشائها وإرسالها وتخزينها وتحويلها مرة أخرى إلى الكلمة الأصلية، الصورة، الفيديو، مع عدم وجود الحدّ الأدنى من الخسارة أو التشويه .. يجري هذا كله ضمن بيئة الفضاء السيبراني الذي يمثل جانباً مهما جداً من حياتنا البشرية واقتصادنا وتجارتنا وتعليمنا، وحتى حروبنا.

ليس من المبالغة القول إن الفضاء السيبراني يعدّ أحد أهم وأعظم اكتشافات البشرية، فهناك أكثر من 5.16 مليارات شخص متصلون بالإنترنت بمعدل انتشار يبلغ 65%. وهناك ما يقرب من 2.5 كوينتيليون (واحد على يمينه 18 صفراً) بايت من البيانات كل يوم، ويرتفع هذا الرقم أيضاً بمعدّل ينذر بالخطر.

تعمل دول وشركات كبرى عديدة على تعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني الدفاعي للحفاظ على سرّية البيانات والأنظمة الحيوية وأمانها

تتحدّث الأرقام الصادرة من مؤسّسات متخصّصة عن زيادة مضطردة بحجم سوق الأمن السيبراني الدفاعي، بحيث يتجاوز اليوم 15 مليار دولار عالمياً. ومن المتوقّع أن يستمر النمو المتسارع لهذا السوق في السنوات المقبلة، حيث تعمل دول وشركات كبرى عديدة على تعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني الدفاعي للحفاظ على سرّية البيانات والأنظمة الحيوية وأمانها. ومن المتوقع أن تصل هذه القيمة إلى 28.53 مليار دولار بحلول عام 2026، مسجّلة معدل نمو سنوي يبلغ 10.51% تقريباً خلال هذه المدة.

وفي المجمل، تتجاوز قيمة سوق الأمن السيبراني 200 مليار دولار، حيث سيزيد هذا الرقم بشكل كبير في السنوات المقبلة، نظرًا إلى نسبة الزيادة في الهجمات والجرائم السيبرانية وتعقيد الحلول التي تتطلبها حماية الأنظمة والبيانات الحيوية في الشركات والمؤسّسات والحكومات. وهذا يتأتى بسبب الزيادة الحاصلة في عدد الهجمات السيبرانية التي يشهدها العالم، ففي عام 2022 جرى سرقة ما لا يقلّ عن ثلاثة مليارات دولار من العملات المشفّرة، الأمر الذي دفع الدول الكبرى إلى مزيد من الاستثمار في الأمن السيبراني، وإجراء كثير من عمليات البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي من أجل الحصول على تطبيقات جديدة منخفضة التكاليف، ومتعدّدة الاستخدامات عبر السياقات المدنية والعسكرية. كما يشهد العالم نمواً كبيراً في عدد الجرائم السيبرانية، يعدّ من التحديّات التي تواجهها الدول والمنظمات في مجال الأمن السيبراني، والتي يقدّر ارتفاعها عالمياً بأكثر من ستة تريليونات دولار لعام 2021 وفقاً لشركة "سايبرسيك" للأمن السيبراني. ومتوقّع أن يصل حجم الخسائر الناجمة عن هذه الجرائم إلى حوالي 40 مليار دولار بحلول 2025.

تتجاوز قيمة سوق الأمن السيبراني 200 مليار دولار، وستزيد بشكل كبير في السنوات المقبلة

 

يتوقّع التقرير السنوي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس 2023 (91% من قادة الأعمال والمختصين في القطاع السيبراني) وقوع حدثٍ أمنيٍّ إلكتروني كارثي واسع النطاق خلال العامين المقبلين، بسبب عدم استقرار الوضع الجيوسياسي الناتج عن الحرب الروسية - الأوكرانية، والخلافات التجارية بين أميركا والصين، وهو توقّع مبنيٌّ على الأحداث والاختراقات والكوارث الأمنية في الماضي القريب. ومن جانب آخر، سرعة تطوّر الهجمات والجرائم الإلكترونية التي لم تعد محصورة في نطاق "الهاكرز" لتتحوّل إلى جريمة منظّمة، لا تستهدف الأشخاص العاديين، لكن أهدافها أكبر بكثير، فاقتصاد الجريمة السيبرانية يعدّ اليوم من أكبر الاقتصادات نموا في العالم، وتتوقع أرقام أن تزيد تكاليف أضرار الجرائم الإلكترونية العالمية بنسبة تزيد عن 15% سنوياً على مدار السنوات القليلة المقبلة، لتصل إلى نحو 10.5 تريليونات دولار سنوياً بحلول عام 2025، بعد أن وصلت إلى ثلاثة تريليونات دولار قبل ثماني سنوات.

إنه فضاء سيبراني أعطى مفهوماً جديداً للزمان والمكان، يتمدّد ويتطوّر بشكل سريع ومعقد وربما يتجاوز في بنيته وعناصره الحدود التي تمتد عليها شبكة الإنترنت. ويبقى السؤال المعلّق: أين الأثر العربي من هذا الفيض الرقمي الذي تتدفّق في قنواته وعروقه ونبضاته الكهرومغناطيسية سباقات محمومة لممارسة النفوذ وتحقيق التفوّق والسيطرة؟

3467CF47-90FA-451A-87BD-72D9E261E143
خالد وليد محمود

كاتب وباحث، نشرت دراسات ومقالات عديدة. وله الكتب "شبكات التّواصل الاجتماعي وديناميكية التّغيير في العالم العربيّ" و"آفاق الأمن الإسرائيلي: الواقع والمستقبل" و"مراكز البحوث في الوطن العربي" و"قلاع اللغة العربية ورياح الثورة الاعلامية". ماجستير في العلاقات الدولية من الجامعة الأردنيّة.