الغائب في شهادة يعقوب

الغائب في شهادة يعقوب

19 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

أذكر ذلك اليوم قبل نحو عشرين عاماً، حين سمعت، للمرّة الأولى، عن شيخ جديد اسمه محمد حسين يعقوب. استمعت مبهوراً لشريطه "لماذا لا تصلّي". كان جديد يعقوب ليس المحتوى، بل أسلوبه المسرحي، وتعبيراته الكوميدية. وللمفارقة، كان من منحني الشريط عضواً في "الإخوان المسلمين"، على الرغم من أن تلك السنوات كانت تشهد حرباً صامتة بين "الإخوان" والسلفيين على السيطرة على المساجد، لكن ظاهرة "تسلّف الإخوان"، كما وصفها الراحل حسام تمام، كانت تسري في هدوء. .. بعد فترة قصيرة من متابعة يعقوب وأقرانه، نفرتُ لأسبابٍ سياسيةٍ بالأساس، فلم أكن لأتسق مع من يرون الديمقراطية كفراً.

يجمع اتجاه السلفية الوهابية، أو السلفية العلمية كما يطلق عليها في مصر، بين متناقضين، فبينما تحفل أفكارهم بالتكفير والتبديع، إلا أن موقفهم السياسي هو طاعة ولي الأمر، شرعية الحاكم المتغلب، "وإنْ أخذ ظهرك وأخذ مالك". لذلك سمح نظام حسني مبارك عقوداً بانتشار ذلك التيار بشكل كاسح. في الانتخابات البرلمانية عام 2005، كان "الإخوان المسلمون" يوزّعون بكثافة كُتيباً، يحمل اسم "لماذا الإسلام هو الحل؟"، يضم فصلاً مطولاً لنقاش مسألة تحريم الانتخابات التي كانت في مقدمة الطعنات التي يواجهونها لدى جمهورهم المحافظ.

بعد ثورة يناير، استخدم المجلس العسكري مراراً الأداة نفسها، وشهدنا لجوء المجلس إلى الشيوخ، لمخاطبة أهالي قرىً شهدت اعتداءات طائفية على مساجد، بدلاً من تفعيل القانون. وبالتوازي، انقسم التيار السلفي العام بشأن مسألة الموقف من الانتخابات. شارك حسين يعقوب مع أقرانه في تأسيس "مجلس شورى العلماء"، والذي دعا الجمهور إلى انتخاب الأقرب لتبني الشريعة الإسلامية. أبدع يعقوب في اختراعه مصطلح "غزوة الصناديق"، بعد استفتاء التعديلات الدستورية في مارس/ آذار 2011، الذي حوّله إلى استفتاءٍ على الإسلام والكفر. ردّد تكبيرات العيد مع آلاف من روّاد مسجده، ودعا العلمانيين إلى الهجرة إلى كندا.

لاحقاً في 2012، في عام رئاسة الراحل محمد مرسي، كانت ذروة التناقض الدرامي، حيث ظهر يعقوب على شاشة التلفاز، ليقول إن مشروع الدستور مليء بالكفر والإلحاد، وإنه لا يرتضي ولا مادّة واحدة فيه، ولكنه على الرغم من ذلك يدعو إلى التصويت له بنعم، مع الاحتفاظ بالإنكار القلبي!

لذلك ليست مصادفة تكرار بدء أعضاء التنظيمات الإرهابية الطريق من بوابة السلفية الوهابية، حيث عقائد "الولاء والبراء" و"نواقض الإسلام" وغيرها، ثم حين يتّسع تناقض الأفكار مع التطبيق، يتم الانتقال إلى السلفية الجهادية. من هنا جاءت شهادة حسين يعقوب أخيراً في قضية "داعش إمبابة"، حيث كان هذا طلب دفاع المتهمين الذين قالوا إنهم على أفكار يعقوب ومحمد حسّان.

وفي العموم يحفل تاريخ القضاء المصري بأمثال هذه الشهادات التي تخرج من نطاق الأفعال إلى نطاق الأفكار. قبل عقود، شهدنا كارثة شهادة محمد الغزالي في محاكمة قتلة فرج فودة. وكذلك شهدت محاكمة قتلة الرئيس أنور السادات النمط نفسه، حيث حاول الدفاع توجيهها نحو انتزاع سند شرعي لاستحقاق السادات الخروج عليه. ولعل تلك السوابق كانت في ذهن القاضي، لذلك انتهز فرصة طلب الدفاع، ليحقّق أقصى زخم إعلامي، في زمنٍ يسبغ فيه الإعلام المصري ألقاباً، من قبيل "أسد القضاة" و"قاضي الإعدامات".

كان أبرز ما جاء في الشهادة ادعاء يعقوب الجهل ليتهرّب من إجابة أسئلةٍ بعينها، مثل إجابته بـ"لا أعلم"، حين سأله القاضي عن حكم الطائفة الممتنعة، أو عن حكم هدم المساجد والكنائس والأديرة. هذه مواضع تقاطع مع السلفية الجهادية، على الرغم من اختلاف تياره باعتبار تلك الأفعال منوطةً بالحاكم، لا آحاد المسلمين.

لا يكذب يعقوب حين يدّعي أنه ليس مفتياً، فعلى الرغم من أن حديثه حافل بالتحليل والتحريم، إلا أن خطابه الدائم أن هذه ليست فتاواه. وفي مقطع مصوّر، كان يقول إن الرجل هو سيد المرأة، وهي مخلوقةٌ لخدمته، ولو سمح لها بالإنفاق في المنزل فهو ينتقص من رجولته، ويكرّر بعد كل عبارة "هذا ليس كلامي بل كلام الله".

ما شهدته مواقع التواصل المصرية كان في الواقع لا يتعلق بأقوال يعقوب أو بشخصه، بل بتياره بالكامل. خسرت ثورة يناير مكاسبها السياسية، لكن آثار ثورتها الاجتماعية بقيت في تيار واسع راجع أفكاره السياسية والدينية والاجتماعية. ويظهر ذلك مراراً عند كل فرصة متاحة للنقاش العام الذي أصبح محلّه الواقع الافتراضي، ولعله يوماً ينتقل إلى الواقع الملموس.