الصندوق الأسود للصراع الفكري الخليجي

05 يناير 2021
الصورة

(عبد الرضا باقر)

+ الخط -

هناك سؤال مهم للغاية في رحلة الكاتب الكويتي، عبد الله النفيسي، الثرية، لتجربته الشخصية والفكرية والسياسية، التي عرضها في برنامج الصندوق الأسود (يوتيوب، موقع صحيفة القبس الكويتية الإلكتروني): هل النموذج الكويتي نموذج منعزل أم أنه في الحقيقة مرتبط بكل دول الخليج العربي، في ظل تشابه جذور الشعوب، وطبيعة الحكم (الرعوي) الأبوي الذي يحتاج إلى تشريح واسع للحكم عليه، ليس من خلال تعظيم نموذجه الفج، في تقديس أسر الحكم، ولكن في فهم طبيعة هذا التشكل للجغرافيا السياسية وديمغرافيتها.
تقف هذه القضية اليوم عند مفصل مهم، في مراجعة تاريخ الديمقراطية العربي، كيف نحدّد الضابط، لهدف المشروع المطلق للدولة الحلم، أو الدولة الممكنة في منظور الواقعية السياسية، وهل طرح هذا السؤال أصلاً ممكن، في ظل كون هذه الدول تقوم على كياناتٍ عشائرية، لا قاعدة دولة ومجتمع شريك، أم أن هذا السؤال بذاته قد انتهى عملياً، وبالتالي اعتراف المعارضة القومية في الخليج، بعد حرب 1967، كان من خلال منظور واقعي، ففي نهاية الأمر، هذه الدول هي كيانات لتشكلها السياسي، ببعدها العشائري، مئات السنين، ولم تسقط في مشروع (الجهاد) الديني القديم والحديث، ولا في مشروع موسكو الأحمر، عبر أيديولوجية اليسار القومي، خصوصا أن نموذج غزو العراق الكويت، كان محل إجماع رفض من تيارات الخليج الفكرية، بما فيها التشكيلات القومية.

اعتراف المعارضة القومية في الخليج بأنظمتها، بعد حرب 1967، كان من خلال منظور واقعي

وفي رحلة النفيسي ومذكرات أحمد الخطيب، الخصمين الشرسين، بين الفكرة الإسلامية واليسار القومي، ستجد المساحة واحدة، في قضية الاعتراف العملي بالتعاطي مع هذه الدول التي تشكلت تحت أمارة جديدة، وهو كذلك في التجربة الثرية الواسعة، للقوميين واليساريين في الدولة السعودية، ومتكرّرة في عُمان والبحرين وقطر والإمارات. وقد انسحب هذا الجدل على الصراع مع التيار الإسلامي الصاعد، في السبعينات، بغطاء من السُلطة. لسنا هنا نطرحه مدخلا إدانة للصعود الإسلامي، وإنما لأجل طبيعة التفكير الوطني الذي تشكّل في الخمسين سنة الأخيرة. والسؤال هنا هو هل بالفعل هناك مساحة أساسية، في القناعة الشخصية داخل هذه التيارات، تعتقد أن كل ما يمكن تحقيقه هو البناء على الفكرة (الرعوية للأنظمة)، لكن عبر تأطيرها في مؤسساتٍ تشريعيةٍ ديمقراطيةٍ فاعلة ملزمة، ومنظومات حقوقية مدنية، وليس تأسيس إطار قُطري ديمقراطي بديل.

في رحلة النفيسي ومذكرات أحمد الخطيب، الخصمين الشرسين، بين الفكرة الإسلامية واليسار القومي، ستجد المساحة واحدة، في قضية الاعتراف العملي بالتعاطي مع هذه الدول

وتبدو اليوم كل أطروحات هذه التيارات متقاربة، مع هذه الزاوية، حتى تلك الشخصيات التي لا تزال تحت المطاردة، والمنع من الظهور الإعلامي، وهو ما يطرح سؤالاً مهماً، على ماذا إذن يقوم هذا الصراع الفكري الذي تلاعبت به أنظمة الخليج العربي، فيما كليات الطموح لا تختلف اليوم، بعد هذه التجربة المُرّة للتيارات، وواقع التراجع الضخم، للحقوق المدنية والسياسية في الخليج العربي، وسقوط فكرة الاتحاد الخليجي الوهمية، وكل ما هنالك اليوم الخشية من العودة إلى الاتفاقيات الأمنية المجرّمة التي تواطأت عليها دول المجلس قبل الأزمة الخليجية. وهنا نموذج مهم في الصراع الذي جرى، بين الفكرتين من خلال موقف عبد الله النفيسي واليسار القومي الكويتي، مع التأكيد بأن كلا الموقفين، وخصوصا في طريقة توظيف فكرهما، ليس بالضرورة يُمثّل كل الإسلاميين، ولا كل القوميين العرب.
يبرز لنا هنا الصراع الشرس بين النفيسي، بخلفيته الإسلامية، وتأييده مشاريع لحكومات الخليج (الموقف من إيران بعد 2003)، والنموذج هنا ثورة ظفار الذي واجه فيها رفاق وطنه اليساريين القوميين، كأحمد الخطيب وأحمد الربعي، وتبادلا الاتهامات، بين إذاعة الثوار من عدن، ذات العمق الماركسي الدموي الشرس، وبين إذاعة ظفار من صلالة المتنقلة، التابعة للبلاط السلطاني في عُمان. وعلى الرغم من كل ذلك الإرث الصعب الذي انعكس في لقاءات النفيسي، إلا أن روح الصداقة الجميلة بينه وبين الراحل الربعي بقيت حاضرة، على الرغم من ذلك الإرث، كما أن نقده دور الخطيب في دعم ماركسيي ظفار، وفي الصراع التياري العربي، لم يمنعه من التنويه بشخصية الخطيب، ودوره الإيجابي في رحلة العمل الوطني الكويتي.
وقضية ظفار التي وردت في ذكريات النفيسي لا يختلف عليها أحدٌ اليوم في ضرورة وحدة عُمان، ويكفي أنه موقف للقوميين العرب اليوم أنفسهم، في إقليم الخليج العربي، من أن وحدة السلطنة الوطنية التي تعزّزت بعد ذلك داخل نسيجها الاجتماعي العُماني، الذي قاده السلطان قابوس في عهد ما بعد الحرب، انخرط في نشر قيمه كل أبناء الأقاليم العُمانية، بما فيها إقليم ظفار. ولكن إعادة موقف التيارات الفكرية الكويتية، وخصوصا الصراع بين النفيسي والقوميين العرب، بالخلفية الماركسية، يحتاج إلى تقويم فكري عميق، عند العقل الإستراتيجي الذي يحتاج أن يفهمه الشباب العربي الخليجي، قبل التقدّم إلى مساحات الصراع والمشاركة فيها، فهو درس كبير، فما قدمه النفيسي ليس كافياً لتقديره، من خلال موقفه تأييد مشاركة إيران الشاه والإنكليز لمسقط، ومن طرف الماركسيين والقوميين العرب، في دعم الأحلام الشيوعية تحت غطاء بكين وموسكو لفصل ظفار، وإن كان دفع النفيسي هذا الملف إيرانياً يمثل حالة صدمة ووعي تاريخي، يستوجب إعادة تقييم موقعه الفكري للخليج العربي.

قضية ظفار التي وردت في ذكريات النفيسي لا يختلف عليها أحدٌ اليوم في ضرورة وحدة عُمان

المهم كشاهد لتلك المسيرة، لدى الجيل الجديد من الشباب الخليجي، هو كيف يستبق الشباب تأثيرات أرضية الصراع عليهم، وأن هذه الصراعات تُضخّم، وتشتبك عبرهم خارج الحدود الوطنية، ليس في دعم قضايا عربية متفق عليها كفلسطين، ومبادئ الربيع العربي. وإنما في اشتباكات تفصيلية خطيرة، ربما كانت قيادتهم اليوم، تأمل أنها لم تتورّط فيها بذلك القدر، في حين لا شراكتهم أعطت مردوداً مثمراً لصالح تلك القضية العربية التي كان من الأجدر عدم التدخل فيها، بغض النظر عن رؤيتهم، اختلفت أو اتفقت، لكن التورط في دعم الصراع فيها، قبل أن يخسر وطنهم، قوة اتحادهم الوطني الحقوقي لصالح القُطر أو الكل الخليجي.