الشيخ سليمان الهذالين والحفر في الصخر

الشيخ سليمان الهذالين والحفر في الصخر

23 يناير 2022

الشيخ سليمان الهذالين يتحدّى جنود الاحتلال الإسرائيلي (حساب "الأرشيف الفلسطيني" في تويتر)

+ الخط -

ودّعت فلسطين، قبل أيام، الشيخ سليمان الهذالين من قرية أم الخير في منطقة "مسافر يطا"، وهي من أكثر من مائة قرية وبلدة فلسطينية تخوض صراع بقاء مع المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية في ما تسمى "مناطق ج" حسب تقسيمات اتفاق أوسلو سيئ الصيت.

تلتصق المستوطنات الإسرائيلية حرفياً بقرية أم الخير، وتحاصرها، بعد أن استولت على معظم أراضيها، وتمثل مناطق "ج"، التي لا تقل مساحتها عن 62% من أراضي الضفة الغربية، الحيز المتواصل الوحيد فيها، وتخصّص بكاملها للتوسع الاستيطاني، بينما تمثل مناطق "أ" و"ب"، التي لا تتعدى مساحتها 38% من الضفة الغربية، جزراً متناثرة، وما يشبه "الغيتوهات" أو الكانتونات مقطّعة الأوصال في بحر من السيطرة الإسرائيلية.

وتدور في مناطق "ج" حرب وجود حقيقية بين المستعمرين المستوطنين وجيش الاحتلال وأدواته، من جهة، والفلسطينيين، السكان الأصليين، المتمسكين بأرضهم وبحقهم في الحياة والبقاء عليها، من جهة أخرى. وهذه الحرب تكثيف للصراع الدائر على أرض فلسطين التاريخية منذ نهاية القرن التاسع عشر، عندما انطلقت الحركة الصهيونية محاولةً، بكل الوسائل، انتزاع الأرض وتهجير الفلسطينيين منها بالقوة، كما جرى في أكثر عمليات التطهير العرقي بشاعة في عام 1948.

تدور في مناطق "ج" حرب وجود حقيقية بين المستعمرين المستوطنين وجيش الاحتلال من جهة، والفلسطينيين المتمسكين بأرضهم وبحقهم في الحياة والبقاء عليها، من جهة أخرى

وعلى نقيض أوهام المؤمنين بنهج "أوسلو" والمراهنين على حل وسط مع الحركة الصهيونية، فإن هذه الحركة تطبق في الضفة الغربية عمليات الضم والتهويد والتطهير العرقي نفسها التي مارستها من قبل في أراضي 1948، قبل إنشاء الكيان الإسرائيلي عليها وفي أثنائه وبعده. ويستخدم الاحتلال الإسرائيلي في هذا الصراع المحتدم الجيش المدجج بالسلاح، والقوانين العسكرية الجائرة، والمستعمرين الذين يمارسون سلوكاً فاشياً من دون ضوابط، والإمكانات الاقتصادية الكبيرة للدولة العبرية، أما الفلسطينيون فيستخدمون سلاحي الصمود البشري على الأرض والمقاومة الشعبية الجريئة والمبادرة.

الشيخ سليمان الهذالين، الذي كان عمره 75 عاماً عندما استشهد، صار واحداً من رموز المقاومة الشعبية والصمود المتفاني في وجه المستعمرين وجيش الاحتلال الذي يحميهم. لم يقتصر نشاطه على حماية قريته أم الخير، بل امتد إلى كل مناطق المواجهات مع المستوطنين. وكنا نراه معنا في مقدّمة صفوف المواجهة مع جيش الاحتلال في الخان الأحمر، والخليل، وبيت لحم، وبيت جالا، وغيرها من المواقع، وتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بصوره وهو يقف بعناد وإصرار أمام جنود الاحتلال وعرباتهم حاملاً العلم الفلسطيني.

في الأسبوع الماضي، جاءت سيارات الشرطة الإسرائيلية إلى أم الخير، ومعها ناقلة ضخمة تستخدم لتحميل السيارات التي تصادرها شرطة الاحتلال من سكان المنطقة. وكما في مرّات سابقة، سارع الشيخ سليمان للوقوف بجسده أمام تلك الناقلة لمنعها من سرقة سيارات الفلسطينيين، ولم تكن تلك الناقلة الضخمة تتحرّك، بل كانت ساكنة بالكامل، قبل أن يقرّر سائقها المستوطن الإسرائيلي، وبترتيب وتآمر مسبق حسب ما يعتقد أهل القرية، بتشغيل حافلته والانطلاق بها بكل قوّتها نحو الشيخ سليمان، ليدهسه بكامل ثقل حافلته، ثم ليجرّ جسده المتهتك عشرة أمتار على الأقل، ويتركه محطم الجسد والعظام على قارعة الطريق. أما سيارة شرطة الاحتلال الإسرائيلية، فراقبت المشهد بالكامل من دون أن تتدخل، ومن دون أن تعترض سائق الحافلة، أو تعتقله بعد أن أنهى جريمته، ومن دون أن تقدم أي إسعاف للشيخ الجريح، ومن دون أن تستدعي سيارة إسعاف لنقله، بل غادرت المكان ببرودة قاتلة.

يؤمن معظم الفلسطينيين بمقولة مضمونها أنّ الاحتلال لا يفهم إلّا لغة القوة، وأنّ ما أخذ بالقوة لا يسترد إلّا بالقوة

سارع أهالي القرية إلى نقل الشيخ سليمان إلى المستشفى وهو مهشّم الوجه، وعظام جسده محطّمة، مع كسور عديدة في جمجمته، وفي غيبوبة كاملة لم يصحُ منها حتى لحظة استشهاده. .. وهكذا رحل الشيخ سليمان، وشيّعه آلاف الفلسطينيين البسطاء، والمقاومين للاحتلال، من دون بهرجة، ومن دون مواكب رسمية، ولكن بحشد شعبي مؤثر على امتداد أراضي أم الخير التي أحبّها، وصمد فيها، ودافع عنها وعن الوجود الفلسطيني عليها حتى الرمق الأخير.

يؤمن معظم الفلسطينيين بمقولة مضمونها أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. ويظن بعض المراقبين أن القوة هي قوة السلاح فقط، ويعجزون عن إدراك مغزى (وحجم) القوة الهائلة التي تمثلها المقاومة الشعبية الفلسطينية، والتي كان الشيخ سليمان أحد رموزها. وهي قوة أجبرت نتنياهو وحكومته وجيشه على الرضوخ وإزالة البوابات الإلكترونية من أمام المسجد الأقصى، وهي قوة استطاعت، في أربع مناسبات، أن تقهر أسطول الاحتلال المدجّج بالسلاح، وأن تكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، وهي قوة حمت، حتى الآن، حي الشيخ جرّاح والخان الأحمر وبيتا وعشرات غيرها من هجمة التهجير والتطهير العرقي، وصنعت وحدة الفلسطينيين في معركة القدس في مايو/ أيار الماضي. وهي قوة صمود ومقاومة أفشلت المشروع الصهيوني، ووضعته أمام أزمته التاريخية الكبرى، بعجزه عن ترحيل الشعب الفلسطيني الذي أصبح عدد أفراده على أرض فلسطين التاريخية أكثر بقليل من عدد اليهود الإسرائيليين. وهي قوة جعلت إسرائيل عاجزة عن هضم ما ضمّته من أراض بقوة السلاح، سواء في البلدة القديمة في الخليل، أو في النقب، أو مدينة اللد أو أم الخير ومثيلاتها. وإضافة إلى ذلك كله، إنها قوة تعيد توحيد كل الفلسطينيين في الداخل، أي أراضي 1948، والأراضي المحتلة عام 1967، والمقيمين في الخارج حول هدف جامع مشترك، يتجاوز ما أحدثه اتفاق أوسلو من انقسامات.

الشيخ سليمان، الإنسان المتواضع والبسيط، وملايين مثله حفروا ويحفرون في الصخر، ويصنعون بذلك تلك القوة التي ستحرّر يوماً أرضهم وشعبهم من نير الاحتلال والعنصرية والأبارتهايد.