الشرق الأوسط: معارك الردود الآمنة

الشرق الأوسط: معارك الردود الآمنة

18 ابريل 2024
+ الخط -

لا أحبذ في العادة استخدام مصطلح "الشرق الأوسط" الاستشراقي غامض الدلالة، وأفضل استخدام المشرق العربي أو العالم العربي. ولكن لا مفرّ، في بعض الأحيان، من استخدام هذا المصطلح حينما نتطرّق إلى أطراف غير عربية، كما في حالة الحديث عن التجاذبات الإيرانية الإسرائيلية.

تابع الملايين في المنطقة، ليلة السبت الماضي، الأخبار عن هجوم إيراني بعشرات الصواريخ والطائرات بدون طيّار، التي توجهت لضرب أهداف مختارة داخل الكيان الصهيوني. كان الجميع يأمل في أن تسدّد إيران ضربة ناجحة في عمق كيان الاحتلال. ولكل طرف أسبابه التي تدفعه إلى هذا الأمل، فمناصرو إيران وأصدقاؤها كانوا يرون أن تحرّكاً كهذا سيجعل البلد يستعيد هيبته، خصوصاً بعد أن أصبح محلّ تندّر بعد مرور أسبوعين على استهداف مبانيه الدبلوماسية في دمشق وقتل قادة عسكريين منه، دون أن ينتج ذلك أي رد فعل.

في المقابل، كان خصوم إيران، ومن يرونها تهديداً إقليمياً، يأملون في أن تحصل هذه الضربة، التي كان يمكن أن تدخلها في مواجهة دولية مباشرة، لإشغالها في صراع معقّد قادر على عرقلة محاولاتها التمدّد والسيطرة على المنطقة.

وكان هناك متحمّسون كثيرون، متأثّرون بالعدوان وبالجرائم الإسرائيلية، التي تمرّ من دون عقاب في قطاع غزّة ومستمرّة تحت نظر العالم. وكان أولئك يروْن أن مثل هذه الضربة، وبغض النظر عمن وراءها، يمكن أن تحقق نوعاً من الثأر، الذي قد يمثل ردّاً متواضعاً على مقتل عشرات آلاف من المدنيين وتهديد حياة أكثر من مليون شخص بالجوع أو بفقدان العلاج.

لم يكن الأمر كما توقّع الجميع، فالعملية جرى تنسيقٌ مسبق لها مع مجموعة من الأطراف الدولية والإقليمية، ما أفقدها عنصر المفاجأة، وجعلها تتم بلا خسائر تقريباً. إيران حاولت بهذا التحرك المدروس حفظ ماء وجهها وإسكات من يقولون إنها تخشى المواجهة. كان التحرّك المدروس يتمثل في "ردّ آمن" لا يثير غضباً واسعاً ولا يجرّ الدولة، التي لا تنقصُها التعقيدات الاقتصادية ولا السياسية، لمواجهةٍ هي ليست على استعداد لها.

لا تقتصر مسألة الردود الآمنة على طهران، فتل أبيب نفسها تستخدم هذه الاستراتيجية منذ عقود

ردود الفعل على العملية انقسمت وفق منطلقات المتابعين، فكان الإحباط من نصيب من كانوا يتمنّون مواجهة أكثر جدّية. كان أولئك يظنّون أن خيارات طهران تنحصر في خياري الرد وعدمه، وكانوا يرون، وفقاً لذلك، أنه، وبسبب حرج كبيرٍ أنتجه هجوم دمشق، لا مفرّ من رد إيراني. ما فات هؤلاء أن إيران ابتكرت، منذ وقت طويل، طريقاً ثالثاً، وهو ما سميناه الرد بأمان. هجمات السبت، التي كانت دعائية بشكل كاف لإحداث جلبة واسعة وحالة من التأهب الأمني الإقليمي، أوضح مثال لذلك الردّ الآمن. مثل هذا التحرّك آمن، لأن أقصى ما يمكن أن ينتجه إدانات غربية ودعوة إلى مزيد من العقوبات الاقتصادية، وهما أمران ليسا رادعين بما يكفي لدولة تعايشت معهما عقوداً.

على الرغم من ظهور حجم "الهجوم" الحقيقي وإعلان إيران عبر وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان أن عملية الرد انتهت، إلا أن صور رموز النظام الإيراني ظلت محل احتفاء في صفحات التواصل الاجتماعي عند من كان يرى في العملية التي حملت اسم "الوعد الصادق" ردّاً حاسماً وقوياً وخطوة شجاعة. كتب كثيرون من هؤلاء عن العملية بتمجيد. وعلى طريقة الإعلام الدعائي، مضى بعضهم إلى نشر صور ملفقة وأخرى منتزعة من سياقاتٍ أخرى لما سمّوها حرائق ودماراً أصاب الداخل الإسرائيلي.

وجهة النظر الثالثة، التي شملت كثيرين متأثرين بالمأساة الفلسطينية، كانت أن هذا التحرّك، وإن احتوى بعض الدعاية، إيجابي في ظل الصمت العربي والتواطؤ العالمي العاجز عن ردع الاحتلال أو عن معاقبته على جرائمه بأي شكل.

لا تقتصر مسألة الردود الآمنة على طهران، فتل أبيب نفسها تستخدم هذه الاستراتيجية منذ عقود، وإذا كانت الأولى تنفي مسؤوليتها عن العمليّات التي تقوم بها المجموعات العسكرية الموالية لها، فإن الثانية ترفض الاعتراف بأي عمل عسكري موجّه إلى إيران، سواء كان اغتيال شخصيات، أو تنفيذ هجمات، أو حتى التدخّل السيبراني.

تنتقل الكرة اليوم إلى الملعب الإسرائيلي، ليصبح تساؤل الساعة عن كيفية الردّ على الردّ الإيراني

تنتقل الكرة اليوم إلى الملعب الإسرائيلي، ليصبح تساؤل الساعة عن كيفية الردّ على الردّ الإيراني. ويظهر البحث عن الردود الآمنة في التنسيق والتشاورات، خصوصاً مع الجانب الأميركي، فالمطلوب هندسة رد موجع، لا يؤدّي، في الوقت ذاته، إلى غضب جارف لا يمكن التحكّم به. لا يمكننا بهذا أن نتوقع ضربة إسرائيلية في قلب المنشآت النووية، على الرغم من أن هذا هو التهديد الذي لا يملّ المسؤولون الإسرائيليون من التلويح به، على الأقل منذ توقيع الاتفاق النووي في 2015.

وزير خارجية الكيان، الذي كانت بلاده محاصرة أخلاقياً وشبه معزولة، حاول من خلال برقيات أرسلها إلى عدة دول يتعامل معها تحقيق ما سماه "هجوماً دبلوماسياً"، باستغلال العملية الإيرانية وتوجيه الأنظار عما يحدث في فلسطين، في محاولة لإلباس الجاني المتهم بالإبادة الجماعية ثوب الضحية.

من الطريف التفكير في كيفية انتقالنا، خلال أيام معدودة، من التساؤل حول مكان الردّ الإيراني وزمانه إلى بحث طريقة الردّ الإسرائيلي. الدول، التي كانت تحاول ثني إيران عن التهور أو عن القيام بأي هجوم لا تحمد عقباه انتقلت اليوم لتطلب الطلب ذاته من الغريم الإسرائيلي. الولايات المتحدة وبريطانيا، التي نجح ضغطها على إيران في خروج الردّ بهذا الشكل الباهت الآمن، تأمل في أن تنجح في فعل مثله، وأن تكبح الرغبة الإسرائيلية في الانتقام. ... والمؤكّد أن لا أحد من الفاعلين يرغب في تعميق فوضى المنطقة.

مدى الفاتح
مدى الفاتح
كاتب وباحث سوداني في باريس، دبلوماسي سابق