الرهان على "العاقل" نصر الله

الرهان على "العاقل" نصر الله

12 نوفمبر 2023
+ الخط -

هي حرب الجنون على العقل. حربٌ أعلنها القلب وحده، منذ بدء التخطيط لها، حتى قيامها، ولا مكان فيها لإعادة الحسابات، أو استراحات المحارب، فهي رصاصة خرجت من الفوّهة ولن تعود إليها. ذلك ربما أبسط توصيف لعملية طوفان الأقصى التي خلخلت كيان المحتلّ، وزلزلت معه أركان العالم وموازين قواه، وأشعلت الشوارع العربية، فلماذا بدأ الناس يبحثون عن حساباتٍ أخرى، تأتي على هيئة تدخّلات مباغتة من عرب الخارج لمؤازرة المقاومة؟

كنّا قد قلنا وقال الملثّم أبو عبيدة (كرّم الله سلاحه)، منذ البداية، إنها حربُ الفلسطينيين وحدهم، عندما سأل خالقه "ألّا يسمح لأحدٍ من حكّام العرب بنوال شرف قتال العدوّ دفاعًا عن الأقصى، إلى جانب المقاومين"، فلماذا، إذن، كل هذه الخيبة التي تُساور الجموع من خطاب أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، الأسبوع الماضي؟ صحيحٌ أن الرجل ليس حاكمًا عربيًّا، بعد، لكن من الواضح أن الجماهير كانت تعقد على خطابه آمالًا غفيرة، وبلغ بها الرّجاء حدّ أن ترى سبّابته تضغط زرّ إطلاق صواريخه المعهودة، ويعلن، صراحة، انخراط حزب الله الكامل في المعركة الكبرى، غير أن سماحته صدمهم بسقف مشاركته التي لم تتعدّ حاجز "التضامن"، ومشاغلة العدوّ على الجبهة الجنوبية وحسب.

تُرى، هل كان السبب رهان الجماهير على قلب سماحة السيد، لا على عقله، باعتباره عاطفيّ الدوافع، وصاحب تجارب عسكرية سابقة لم يكن فيها للعقل مكان، ولا سيما في حرب 2006 مع إسرائيل، عندما "ضغط الزرّ" وانطلقت الصواريخ إلى المدمّرة "ساعر"... هل حسبها سماحته جيدًا آنذاك؟ على الأغلب، أنه لم يفعل، فقد كان في ذهنه أن يضع حدًّا للغطرسة الصهيونية التي تبيح لها استباحة المياه الإقليمية اللبنانية كيفما تشاء.

راهنت الجماهير على هذا، وانتظرت الخطاب، لكنها سرعان ما بلعت غصّتها، وانقلبت عن الشاشات، وراح بعضُهم يشتم ويسخر. ومنهم من اتّهمه بالعمالة لإيران، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بالغثّ من التحليل والتنظير، والقبيح من الاتهام والتحقير، أما المحبّون فاكتفوا بالتبرير. وبين هذا وذاك، كان واضحًا أن الغضب من خطاب نصر الله كان بحجم الشوق الذي سبقه، لأن معركة طوفان الأقصى نفسها أوجدت في نفوس متابعيها ذلك الاحتدام في المشاعر التي لم تعُد تقبل أنصاف الحلول، فهي "معركة القلب" كما أسلفنا، والقلبُ لا يقبل القسمة على موقفين، فإمّا أن تكون حليفًا كاملًا أو لا تكون، وأما الحياد، فخيانة كاملة تضعك في قائمة "لا سمح الله" كما يرى بعضهم.

والحال أن ما يعزّز هذا الرأي، أن الصهاينة أنفسهم يطرحون هذه المعركة بوصفها معركة وجودية، وكثيرًا ما ترد عبارة "إمّا نحن وإما هم"، أو "إما النصر وإما الموت"، بل إن عدوى جنون "طوفان الأقصى" انتقلت إليهم، ولم تعد تعنيهم بكثير حياة رهائنهم ولا حياة جنودهم الذين يتساقطون في المعارك البرية كالذباب، على الرغم من أنهم كانوا يطلقون سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين لديهم قبل ذلك، لقاء جندي أو جثة.

كان المتشوّقون للخطاب، وأنا منهم، يراهنون على ظهور "المجنون حسن"، لأن طوفان الأقصى لا تقبل غير المجانين والمغامرين، فذلك شرط دخولها الأول والأخير، وبغيرها لن يكون هناك انتصار... ومن يعرف "أرباب العقل" لدينا يدرك أنهم ارتأوا، في نهاية المطاف، أن "ظروف الأمر الواقع" تقتضي منهم التخلّي عن قلوبهم وسلاحهم، والانخراط في حسابات "أوسلو"، وبأن "الحكماء" الذين دفعوهم إلى ذلك، من زعماء العرب، إنما كانوا يريدونهم رأس حربة تمهد لهم طرق التطبيع وبناء التحالفات مع "عدوّ" الأمس.

غير أن "العاقل حسن" هو من ظهر على الشاشات السبت الماضي، وكان واضحًا أنه مكبّل بحساباتٍ شتّى، ليس بينها "الجنون" إلا بحدود ضيقة لا يفهمها المجانين من أمثالنا في هذا الوقت الذي نستيقظ فيه على مجزرة، وننام على صدر شهيد.

عمومًا، هو ليس خطأ حسن نصر الله، بل خطأنا وحدنا، الذين نسينا لوهلة أن "طوفان الأقصى" هي حرب الفلسطينيين وحدهم.

EA8A09C8-5AE7-4E62-849E-5EBF1732C5FF
باسل طلوزي

كاتب وصحافي فلسطيني. يقول: أكتب في "العربي الجديد" مقالاً ساخراً في زاوية (أبيض وأسود). أحاول فيه تسليط الضوء على العلاقة المأزومة بين السلطة العربية الاستبدادية عموما والشعب، من خلال شخصيتين رئيسيتين، هما (الزعيم) والمواطن البسيط (فرج). وفي كل مقال، ثمة ومضة من تفاصيل هذه العلاقة، ومحاولة الخروج بعبرة.