الذرائعية عند إسلاميين .. "العدالة والتنمية" المغربي نموذجاً

18 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ليست القضية في إعلان المغرب "استئناف" العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل مقابل الاعتراف الأميركي بسيادته على إقليم الصحراء في جنوب البلاد، فالعلاقات المغربية – الإسرائيلية، العلنية والسرية، معلومة وموثقة منذ ستينيات القرن الماضي، وهي شملت التعاون الاستخباراتي والأمني، بل وحتى التواطؤ في تهجير يهود مغاربة إلى فلسطين المحتلة. أيضاً، ليس سرّاً أن المغرب لمح لواشنطن منذ شهر أغسطس/ آب الماضي بموافقته على الانخراط في "اتفاقات أبراهام" مقابل اعتراف إدارة دونالد ترامب بسيادة الرباط على الإقليم الصحراوي الذي تتنازعه مع جبهة بوليساريو منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي. ومن ثمَّ، كل من يزعم "المفاجأة" و"الصدمة" من إعلان الملك محمد السادس، في العاشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بأن بلاده تعتزم "استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الدبلوماسية (مع إسرائيل) في أقرب الآجال"، يمارس خداعاً للذات. لقد كانت هذه "عملية مقايضة"، على الرغم من نفي رئيس الوزراء المغربي، سعد الدين العثماني، ذلك، والدليل هنا أنه هو نفسه أقرّ بأن "الضرورة اقتضت تزامن الخطوتين". 

ما سبق معروف ومعلوم، ولا يحتاج إلى محاولات إثبات وتفصيل. القضية الحقيقية هنا تتمثل في محاولة قيادة حزبٍ من خلفية إسلامية، يقود الحكومة المغربية منذ عام 2011، والحديث هنا عن حزب العدالة والتنمية، تبرير هذا القرار وتجميله، بل وتحمل تبعاته، على الرغم من أن القاصي والداني يعلمان أنه لم يُستشر في الأمر، ولم يُعَر رأيه اهتماماً. وكلنا يذكر كيف تخلص القصر من العثماني عندما كان وزيراً للخارجية عام 2013، بسبب امتعاض محور الدول المؤيدة للثورة المضادة، وتحديداً السعودية والإمارات ومصر بعد الانقلاب العسكري. حينها برّر رئيس الوزراء، آنئذ، عبد الإله بنكيران، والذي كان أيضاً الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، القرار بقوله: "المصلحة العليا للوطن تقتضي ذلك". ولم تمض أربع سنوات حتى كانت "المصلحة العليا للوطن" تقتضي تخلّص القصر من بنكيران نفسه لصالح العثماني الذي وجد نفسه مكبلاً في تحالفاتٍ تدور في فلك "المخزن"، وفاقداً السيطرة تماماً على السياسة الخارجية للبلاد التي يديرها القصر مباشرة.

ليس سرّاً أن المغرب لمح لواشنطن منذ شهر أغسطس الماضي بموافقته على الانخراط في "اتفاقات أبراهام" مقابل اعتراف إدارة بسيادة الرباط على الإقليم الصحراوي

حتى لا يشطح بعضهم في خياله بعيداً، فإن صاحب هذه السطور دائماً ما آمن ونافح عن مغربية الصحراء ووحدة المغرب الترابية على أساس حقوق المواطنة المتساوية وكرامة الإنسان والديمقراطية والحرية، وحتى على أساس شكلٍ من أشكال الحكم الذاتي، إذا كان هذا ما تريده الغالبية من الشعب في الإقليم الصحراوي. لقد أنهيت دراستي الجامعية لمرحلة البكالوريوس في المغرب منتصف تسعينيات القرن الماضي، وعدت إليه زائراً في عام 2013 بدعوة من الحكومة المغربية ضمن وفدٍ من مؤسسات مجتمع مدني أميركية، وتشرّفت بزيارة مدينة الداخلة في الإقليم الصحراوي، وشاركت هناك في لقاءات مع مسؤولين مغاربة ونشطاء صحراويين. إذن، ليس الاعتراض على الاعتراف بالسيادة المغربية على الإقليم، بقدر ما أنه منصبٌّ على غرز مبضع جديد في المقاربة الأمنية الجَمَعِيَّةِ العربية، وتمزيقنا فوق ممزّقنا، وجعل قضايانا ومصالحنا متعارضة متناقضة متضاربة. 

هذا ما فعلته كل من الإمارات والبحرين والسودان. وهذا ما فعلته من قبل كل من مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية والأردن. كلٌّ غنّى منفرداً على ليلاه ومصالحه الضيقة على حساب التهديد الاستراتيجي الذي تشكله إسرائيل لنا جَمَعِياًّ، بحيث انتهينا جميعاً نتصارع على فتات، يناقض بعضُه بعضاً، على حساب حقوقنا الكلية! ولمن لم يفهم بعد، فإن "اتفاقات إبراهام" تستهدف إعادة تشكيل وعي المنطقة وتحالفاتها ومصادر التهديد فيها. إنها مسعى خطير ومسموم لتعويم هويتنا كعرب، وتاريخنا وفضاء وجودنا الجغرافي، وتمييع ذلك كله في أفق إدماج إسرائيل في أحشائنا رغماً عنا، وتطبيع وجودها واحتلالها، وليس التطبيع معها فحسب. ولعل التعبير الأبلغ عن ذلك تمثل في إحالة ترامب إلى شعوب المنطقة على أنها "شعوب الشرق الأوسط"، أي أنه لا العروبة تجمعنا ولا الدين يوحّدنا! 

الذريعة التي يسوقها بعضهم عن تقدّم الفكر والممارسة السياسيين عند الإسلاميين المغاربيين في المغرب وتونس تحديداً، مقارنة بإخوانهم من "الشرقيين"، اجتزاء للواقع ولوك لأنصاف الحقائق

ثالثة الأثافي أن يسارع إسلاميون كثيرون إلى تَمَثُّلِ ما عابوه دوماً على أنظمة حكم استبدادية، وهم في ذلك يسيرون على خطى من سبقوهم من قوى ثورية ويسارية وقومية عربية، وكأنهم يتسابقون على إثبات ما لاحظه يوماً المفكر المغربي، عبد الإله بلقزيز، من أن "السياسة درجة احتراق الإيديولوجيا". ومن ثمَّ لا تملك إلا أن تُصاب بالدهشة، وأنت تتابع نشطاء إسلاميين مغاربة يكررون المعزوفة المشروخة نفسهاالتي يرددها أيتام بعض الأنظمة العربية إن الفلسطينيين هم أول من "باعوا" قضيتهم و"خانوها"، وطبعوا مع عدوهم الصهيوني! يتحدّث هؤلاء متناسين أن الشعب الفلسطيني، كَجُلِّ الشعوب العربية، لا قيمة لرأيه عند قيادته المُتَنَفِّذَةِ، والتي تمثل امتداداً للنظام الرسمي العربي القمعي الاستبدادي. لا يقف الأمر عند ذلك الحد، بل تجد هؤلاء يشهرون في وجهك بطاقة الضرورة فقهياً، متناسين أن الضرورات التي تبيح المحظورات، ضمن سياقاتٍ ضيقةٍ واشتراطاتٍ صارمة، لا تبيح التلذّذ بالفواحش والمنكرات واعتبارها قاعدة لا استثناء. أما الذريعة التي يسوقها بعضهم عن تقدّم الفكر والممارسة السياسيين عند الإسلاميين المغاربيين، في المغرب وتونس تحديداً، مقارنة بإخوانهم من "الشرقيين"، فهي اجتزاء للواقع ولوك لأنصاف الحقائق. يكفي أن يُشار هنا إلى بَرْمَجَةِ العدالة والتنمية حزبا مخزنيا آخر ينضاف إلى الباقة متعدّدة الألوان والمشارب، من دون الانتقاص، طبعاً، من أهمية التجربة ودروسها. 

يسارع إسلاميون كثيرون إلى تَمَثُّلِ ما عابوه على أنظمة حكم استبدادية، فيسيرون على خطى قوى ثورية ويسارية وقومية

لا أريد أن أعمّم هنا، فالغالبية العظمى من الشعب المغربي، وقواه الحية، من نقابية ويسارية وقومية ووطنية وإسلامية، بما فيها قواعد "العدالة والتنمية" نفسه وكثيرون من قياداته، تقارب فلسطين والوقوف معها على أنها قضية إجماع وطني مبدئية. لقد بدأتُ نشاطي لفلسطين خلال سنوات دراستي الجامعية في مدينة وجدة في أقصى شرق المغرب على حدود الجزائر، وأعرف بالضبط ما يعنيه تقديم نفسك فلسطينيا عند المغاربة. ما حرّكني حينها توقيع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو في واشنطن، في سبتمبر/ أيلول 1993، والذي تبنّيت موقفاً معارضاً له، ولا زلت. لقد طفت مدنا وبلدات وجامعات مغربية كثيرة متحدّثاً عن فلسطين وقضيتها ونضال شعبها وصموده. خبرت بنفسي ذلك الإجماع الوطني والسياسي والإيديولوجي على نصرتها. في سنوات نشاطي الجامعية، كانت الصدامات الدموية بين الطلبة الإسلاميين واليساريين على أشدّها في جامعاتٍ مغربيةٍ كثيرة، لكن فلسطين لم تكن مسألة خلافية بينهم. هذه هي تجربتي، وكثيرون ممن التقيتهم وعرفتهم في سياق التعريف بفلسطين هم جزء من البرلمان الحالي والحكومة الحالية.

تبقى مسألة أخيرة، لستُ من أنصار ممارسة السياسة بمنطق الإيديولوجيا، هذا موضوع آخر يحتاج إلى تفصيل منفصل، لكن هذا لا يعني التحرّر والتحلّل من كل ضابط وثابت ومبدأ وبوصلة. بمعنى أن السياسة ليست مجالاً منفلتاً لا تضبطه معايير ومبادئ كبرى. وإسقاطاً على مبالغة قيادة "العدالة والتنمية" المغربي في تجميل ما لم يستشاروا فيه ولم يكن لهم فيه رأي وتسويقه، فإن الذرائعية أو البراغماتية هنا قد تنقلب إلى ضدّها، لتخصم مما تبقى لهم من رصيد شعبي ومصداقية سياسية. ليست المشكلة في تعزيز المغرب سيادته على صحرائه، وإنما ما هو الثمن، ليس فقط على حساب الفلسطينيين، بل وعلى المغرب نفسه، وعلينا جميعاً نحن العرب.