الدولة المنهكة في تونس

23 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لتونس طقوس عبور خاصة، حتى تمر من سنة إلى أخرى. تحتفل المجتمعات بعيد الميلاد، وتزدان الشوارع بأضواء متلألئة، ويتبادل الناس هدايا وتحايا وقبلاً.. يحدث هذا في تونس من حين إلى آخر. ولكن ذاكرة الناس، أو على الأقل الذاكرة السياسية تحديدا، تظل تحتفظ بذكرى "عبورات" صعبة ومؤلمة، إذ تتسم نهاية السنة وبداية أخرى جديدة بكثير من الاحتجاج والصدام وبعض الدموع.
ثمة ما يشبه متلازمة نهاية السنة تظل كابوسا يؤرّق النخب التونسية. أما الحكومات فإن فرائصها تظل ترتعد ما إن يحل شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل سنة، وتظل الأنفاس محبوسةً، حتى قدوم الربيع تقريبا.. أربعة أشهر تقريبا تمر ثقيلةً كأنها الدهر، طقوس العبور لا تخلو من حزن وكدر، وألم كثير. أحداث جانفي (يناير/ كانون الثاني 1978) النقابية التي راح ضحيتها مئات المحتجين، جانفي 1981 التي أزهقت فيها أرواح الأبرياء على أيدي مجموعاتٍ متسلّلة من الترابين، الجزائري والليبي، وهي تغير على مدينة قفصة.. أحداث الخبز سنة 1984، ثم وأخيرا ثورة ديسمبر/ كانون الأول - جانفي منذ ما يقارب عشر سنوات خلت.
تسبق حكومة هشام المشيشي هذا النفق المخيف، وتقدّم لكل من احتج حلولا، علّها تنجو بنفسها، فكل الحلول التي أقدمت عليها في الأسابيع الأخيرة لحل معضلات الاحتجاج تذهب في هذا الاتجاه. وهي بذلك تطفئ حرائق، ولكنها، في الوقت نفسه، تحوّل جمرتها الخبيثة إلى جسد الدولة المعتل وتدسّه في قلبها، ففي حالة الكامور (محافظة تطاوين في أقصى الجنوب التونسي) مثلا، تم إذلال الدولة، وجرّها إلى تفاوضٍ مهين، ما لبث أن أشعل نار الجهوية/ المناطقية والمطلبية... دفعت الدولة مالاً من ضرعٍ ينزف. بعدها أضرب القضاة في تونس نحو أسبوع، وهذا حقهم حينما يتعلق بمرفق عمومي، يقدّم خدماته الجيدة للمواطنين، حتى يحفظ كرامتهم (على خلفية وفاة قاضية لإصابتها بكوفيد 19)، فكان الحل الذي قدّمته الدولة قرار بناء مستشفى خاص بهم... تشتري الحكومة، مرة أخرى، سلمها من مال الشعب (دافعي الضرائب وليس ضرائب القضاة وحدهم). وبهذا تغذي النزعة القطاعوية الضيقة (Corporatisme).
في حالة الكامور، تحفر الدولة أخدودا في الجهوية المقيتة، وتستسلم للتفاوض مع أجسام غريبة (ليست جمعيات ولا نواب جهة ولا منظمات .. إلخ). وفي الحالة الثانية، تعمق الفوارق بين مواطنين يفترض أنهم متساوون في الحقوق والواجبات. ومن حق الجميع التمتع بخدماتٍ صحيةٍ بما يليق بمواطنيتهم ... وتقدّم امتيازاتٍ لفئة معينة على حساب حقوق الآخرين في الخدمة نفسها ... تقسيم المقسم وتفتيت المفتت هذا، ومشروع الحكومة الحالية من أجل إطالة البقاء في السلطة.

ضعف الدولة في تونس قادها إلى التفاوض مع أجسام غريبة، تمارس شكلا من البلطجة والخروج عن القانون

لتونس تراث دولوي مركزي هام. إذ ما إن استقلت البلاد حتى ألّف الناس دولتهم. استسلموا لها، ووجدوا فيها صدىً لانتمائهم المشترك. كانت حالة الانسجام الإثني والمذهبي عاملا مهما، على الرغم من أن بعضهم يرى في ذلك طمسا لم يحفظ للأقليات، ولو كانت طفيفة، مكانة في الاجتماع الوطني التونسي، غير أنها سرعان ما ستصطدم بانتماءاتٍ سياسيةٍ تنزع إلى معارضتها: عروبيون ويساريون وإسلاميون يرونها دولة منغلقة ومستبدّة ومتغوّلة. مع ذلك لا أحد نازعها المشروعية.. يذكر زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، في شيءٍ من المراجعة، أن نزعات الصدام مع الدولة كانت بعضا من وهم سياسي، هو أقرب إلى المراهقة، وأن نضج حركته، بعد محنٍ عديدة، جعلتهم يصالحون الدولة، ولا يرون عنها بديلا. تغيرت الحكومات وتبدلت النظم السياسية، وظلت الدولة إطارا جامعا، حتى حلت الثورة، ولا أحد نازع الدولة مشروعيتها وشرعيتها سوى مجموعات إرهابية جانحة. كانت أخطاؤها القاتلة فرصة ثمينة لالتفافٍ حول الدولة إطارا وطنيا جامعا، فعلى الرغم من قسوة الدولة وظلمها وتحيّزها، لا أحد تقريبا طالب بالخروج عنها... الثقة فيها اهتزت، غير أن إصلاحها ظل أملا قائما. ومع ذلك، بدأ فشل الحكومات المتلاحقة يلقي بأزمة حادّة لا تهدّد الحكومات فحسب، بل الدولة ذاتها. 
بعد عقد على اندلاع الثورة، يبدو أن الاحتجاجات التي لا تنتهي قد أنهكت الدولة، تجد الدولة نفسها، من خلال الحكومات، نفسها عاجزة عن تلبية مطالب مواطنيها، ولكنها، في الوقت نفسه، تحرص على رضاهم، حتى ولو كان ذلك على حساب هيبتها وسلطتها الأدبية والرمزية. ضعف الدولة هذا قادها إلى التفاوض مع أجسام غريبة، تمارس شكلا من البلطجة والخروج عن القانون، ولكن الدولة تعجز عن وضع حدّ لهذا، خشية اندلاع ثورة ثانية، ستكون هذه المرة مدمّرة. وقد أدّى هذا العجز المستفحل إلى ما يشبه الشلل. في ظل هذه التنازلات المذلّة وامحاء الأسطر الحمر الدالة على قوتها، تنمو خشية حقيقية من أن مجتمعا تحتيا ما هو بصدد "التعملق" حتى يُسقط الدولة. المؤشرات الأولى عن ذلك فقدانها وظيفتها الأولى: بسط سلطة القانون وسيادته على الجميع.