الدستور الجزائري في الميزان .. 2016 و2020

28 سبتمبر 2020
الصورة

دفع الحراك الشّعبي في الجزائر إلى الضّرورة السّياسية للتغيير، ومن أهمّ أدواته تغيير النظام الدستوري للبلاد، على اعتبار أنّ الدساتير العربية هي إحدى أدوات الأنظمة التسلطية السّابقة، وذلك بالذّهاب إلى إعادة صياغة مفهومٍ جديدٍ للسّلطة، وطريقةِ الوصول إلى الحكم، وضمان مزيد من الحقوق، والفصل الحقيقي بين السّلطات، وتوزيع الصّلاحيات والاختصاصات بينها، واستقلالية القضاء، وسيادة القانون على الجميع، والتداول السّلمي على السّلطة، وتوفير مزيد من معايير الحكم الرّاشد، مثل: الديمقراطية والعدالة والشّفافية والرّقابة والمحاسبة، ومعالجة إشكالية تخلّف الدولة عن المجتمع، والتي تسبّبت في عطب الشّرعية السّياسية للسّلطة، وضُعف مشروعية أدائها في ممارسة الحكم. فهل وقع تطوّرٌ في النّص الدستوري لسنة 2020؟ أم هو تطوّرٌ في الشّكل وتراجعٌ خطيرٌ في المضمون؟ لا يخلو دستورٌ بشريٌّ من إيجابيات وسلبيات، والعبرة ليست في الجانبين، الشّكلي والكمّي، لهذه الإيجابيات أو السّلبيات، بل في المضمون الجوهري والبُعد النّوعي لمفاصله الأساسية، ومدى تمتّعه بمعايير الديمقراطية والشّفافية والتوافق، ومدى إمكانية تحقيقه التغيير الشّامل والديمقراطية الحقيقية والتنمية الفعلية والمكانة الدولية والنّهضة الحضارية. ومن أهمّ الملاحظات الخطيرة، من حيث الشّكل، لهذا المشروع هي هذه العقلية الفوقية والرّوح الأبوية والنّزعة الاستعلائية والرّؤية الأحادية في طريقة إعداده وإخراجه وتمريره، وفرضه أمرا واقعا بتوجّهٍ استبدادي وإقصائيٍّ للرّأي الآخر، ومحاولة التضليل والتسويق للإيجابيات دون السّلبيات.

حتى دستور بوتفليقة لسنة 2016 كانت له إيجابيات، ومنها، مثلاً، أنّ الشّعب هو مصدرُ كلّ سلطة، وأنّ السّيادة الوطنية مِلكٌ للشّعب وحده

والموضوعية تقتضي التذكير بالإيجابيات، فحتى دستور الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لسنة 2016 كانت له إيجابيات، ومنها، مثلاً، أنّ الشّعب هو مصدرُ كلّ سلطة، وأنّ السّيادة الوطنية مِلكٌ للشّعب وحده، وأنّه صاحب السّلطة التأسيسية، وأنّه يمنع التعسّف في استعمال السّلطة وتحيّز الإدارة، وأنّ جميع المواطنين سواسية أمام القانون، وأنّ الحرّيات الأساسية وحقوق الإنسان مضمونة، وأنّ حرّية التعبير والاجتماع وإنشاء الجمعيات وتأسيس الأحزاب والتظاهر السّلمي مضمونة، وأنّ حرّية الصحافة والسّمعي البصري والشبكات الإعلامية مضمونة، وهي لا تُقيّد بأيِّ شكلٍ الرّقابة القبلية، وأنّه ينصّ على الحقّ الدستوري في الملكية الخاصّة، وفي العمل والرّعاية الصّحية والسّكن والبيئة السّليمة والحقّ النقابي والإضراب، وأنّ الدولة تقوم على أساس التنظيم الديمقراطي، وعلى الفصل بين السّلطات وعلى استقلالية القضاء، وتحديد العهدات الرئاسية بعهدتين، ووضعها في المادّة الصّماء، وأنّ للبرلمان السّيادة في إعداد القوانين والمصادقة عليها، وأنّه يراقب عمل الحكومة، ويمكن للنواب استجوابها خلال 30 يومًا، وأنّه ينصّ على تمتّع المعارضة البرلمانية بحقوقٍ منصوصٍ عليها، وأنّ السّلطة القضائية مستقلة، وأنّ الجميع سواسية أمام القضاء، وأنّ الأحكام القضائية معلّلة، وأنّ القاضي محمي من كلّ أشكال الضّغط والتدخّل والابتزاز، وأنّه قد تمّ (لأوّل مرّة) دسترة الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، وأنّ مجلس المحاسبة يتمتع بالاستقلالية في الرّقابة البعدية على المال العام، وأنّه يساهم في تطوير الحكم الراشد والشفافية في تسيير أموال الدولة، وأنه أنشأ وأكّد على هيئات استشارية، مثل: المجلس الإسلامي الأعلى، والمجلس الأعلى للأمن، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الأعلى للشباب، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيات.. وعلى الرّغم من كلّ هذه الإيجابيات، إلاّ أنّها أدّت بالجزائريين إلى الفشل والفساد والاستبداد الذي ثار الشّعب الجزائري ضدّه عبر الحَراك الشّعبي يوم 22 فبراير/ شباط 2019... فما هي إيجابيات التعديل الدستوري 2020؟ لا يخلو التعديل من إيجابياتٍ واضحة، إلاّ أنّها شكليةٌ، لا تضمن نصاب الإصلاح المنشود والتغيير الموعود، وهي مكاسبٌ نثمّنها، ونبني عليها في المستقبل، ومنها: اعتماد بيان أول نوفمبر في الديباجة، وإنهاء الشّرعية التاريخية (ولو نظريّا) بالنّص على جبهة التحرير التاريخية، واعتماد الاتفاقيات الدولية بشكلٍ عام، وليس كما وردت في مسودّته، ودسترة الحَراك الشّعبي في بُعده السّياسي، وليس في بُعده الاجتماعي فقط، والمكاسب الجديدة للمجتمع المدني، والمواد الجديدة للحقوق والحرّيات، من دون تقييدها بالتنظيم والقانون، وإعطاء ضماناتٍ جديدةٍ لحرّية الرّأي والتعبير والتظاهر السّلمي، وإنشاء المؤسّسات الإعلامية بمختلف أنواعها، وحذف منصب نائب الرّئيس المعيّن، والحديث عن الأغلبية البرلمانية، وتمييزها عن الأغلبية الرّئاسية، وحقّ رئيس الحكومة في وضع برنامجها واقتراح تشكيلتها، وتحديد العهدات الرّئاسية والبرلمانية، والتدقيق في حصانة النواب وأعضاء المحكمة الدستورية، والتدقيق في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية وآليات إثباتها، وإعطاء ضماناتٍ جديدةٍ للقضاة، وتحسين العضوية في المجلس الأعلى للقضاء، ودسترة المحكمة الدستورية وتحسين تشكيلتها، وتقليص عدد النواب وأعضاء مجلس الأمّة في الإخطار، ودسترة السّلطة المستقلة للانتخابات والسّلطة العليا لمكافحة الفساد، وتطوير صلاحيات مجلس المحاسبة.

على الرّغم من إيجابيات دستور 2016، إلاّ أنّ الجزائريين ثاروا  على نظام بوتفليقة عبر الحَراك الشّعبي يوم 22 فبراير 2019

وعلى الرّغم من هذه الإيجابيات، إلا أنه لا يخلو من سلبياتٍ جوهريةٍ في مفاصل أساسية في هذا المشروع، ومنها: تقييد مكسب الحرّيات والحقوق بكثرة الإحالة على التنظيم والقانون، وعدم قبول إلزامية استعمال اللغة العربية وتجريم استعمال اللغات الأجنبية في الوثائق والمؤسّسات الرّسمية، وعدم اعتماد الشّريعة الإسلامية مصدرا أساسيا في التشريع، وعدم وضع بيان أول نوفمبر في المادّة الصّماء، والإبقاء على موادٍ غامضة، مثل: حياد المؤسّسات التربوية وإبعاد المساجد عن التأثير السياسي والأيديولوجي (وليس إبعادها عن التأثير الحزبي والتنافس الانتخابي)، والتمييز بين الأحزاب والجمعيات في التأسيس على أساس التصريح، والتمييز بين المواطنين في تقلّد المناصب العليا ذات الصّلة بالسّيادة والأمن، وتضخيم صلاحيات رئيس الجمهورية بما يخلّ بالفصل والتوازن بين السّلطات أكثر ممّا كانت عليه، وعدم الحسم والوضوح في طبيعة النّظام السّياسي وفق الأصول والمعايير الدولية، ما أبقاه نظامًا هجينًا مثل النّظام البوتفليقي، وعدم استقلالية القضاء باعتماد التعيين وليس الانتخاب (تعيين القضاة، والتعيين في المناصب النوعية في المحاكم والمجالس والجهات القضائية والإدارية، وتبعية النيابة العامّة إلى وزارة العدل، والتعيين في المحكمة الدستورية بما فيها الرئيس على الرغم من صلاحياتها الواسعة في الرقابة على مدى دستورية القوانين والمعاهدات والأوامر والتنظيمات وسير المؤسّسات ونشاط السّلطات العمومية، وترؤس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للقضاء)، وعدم استقلالية وسيادة السّلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات باعتماد التعيين لرئيسها ولأعضائها، والتراجع حتى على مقترحات مسودته والقانون العضوي لها، والإبقاء على مجلس الأمّة وتعيين الثلث الرئاسي المعطّل للبرلمان، على الرّغم من عدم الجدوى السّياسية والمؤسّساتية له، وتغوّل السّلطة التنفيذية على البرلمان (بالإبقاء على التشريع بالأوامر حتى في أثناء الدورة البرلمانية في الحالة الاستعجالية الفضفاضة والغامضة، وحقّ رئيس الجمهورية في حلّ البرلمان، من دون أيِّ سلطةٍ رقابيةٍ موازيةٍ للبرلمان عليه، وحقّ الرّئيس في القراءة الثانية لأي قانونٍ يصادق عليه، وحقّ الحكومة في الأولوية في وضع جدول أعمال الدورة البرلمانية)، وعدم التنصيص على تجريم التزوير الانتخابي والفساد كجرائم كبرى وخيانةٍ عظمى.

دستور 2020 مجردَ تعديلٍ شكليٍّ لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن دستور 2016، بل هو أسوأ منه في جوانب معيّنة، ولم يصل إلى المراجعةِ العميقة والحقيقية له

يثبت هذا كله أنّه قدّ تمّ الانقلاب على مطالب الحَراك الشّعبي، وفي مقدمتها تغيير النّظام، وأنّه لم يتم الأخذ بالمقترحات الجدّية لمختلف الأحزاب والجمعيات والمؤسّسات والشّخصيات، وأنه تمّ الإخلال بالتزامات رئيس الجمهورية وتعهداته، ومنها التغيير الجذري والشّامل للدستور، وتغيير طبيعة النّظام السّياسي، وتحقيق مطالب الحَراك المبارك، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، والخروج الكلّي من الحكم الاستبدادي الفردي، والفصل الحقيقي بين السّلطات، وحماية الحرّيات وحقوق الإنسان، وأخلقة الحياة السّياسية وتجريم تدخّل المال في السّياسة، وتعزيز السّلطة الرّقابية للبرلمان، وإعادة الاعتبار للمجالس المنتخبة، وتكريس الإرادة الشّعبية السيّدة. مّا يجعل هذه العملية مجردَ تعديلٍ شكليٍّ لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن دستور 2016، بل هو أسوأ منه في جوانب معيّنة، ولم يصل إلى المراجعةِ العميقة والحقيقية له.

0C5059B1-1A7D-4ED0-AE31-A0169355FC35
ناصر حمدادوش