الجحيم الآخر... فلسطينيو "الداخل"

الجحيم الآخر... فلسطينيو "الداخل"

18 يناير 2024

(سليمان منصور)

+ الخط -

ليست غزّة وحدها في معركة الوجود الفلسطيني. تنال الضفة الغربية يوميا حصّتها، وكذلك القدس الشرقية. ضريبة الموت وضريبة الحياة في الآن عينه. ولكنْ ثمّة فلسطينيون أيضاً في الداخل يحملون الجنسية الإسرائيلية، أحفاد أهل النكبة. خرج معظمهم من ديارهم إلى مخيمات اللجوء القريبة، سورية ولبنان والأردن. وبقي ربع مليون منهم على أرضهم، في إسرائيل الناشئة، أو نزح من بلدته المدمّرة إلى بلدة إسرائيلية جديدة، أو عاد إليها بعد هروب قصير. صار عدد هؤلاء الفلسطينيين يقارب المليونين، أي أنهم يشكلون 20% من عدد سكّان إسرائيل اليهود. ... أصابتهم الحرب على غزّة بشظايا خاصة، ليست مميتة، ولكنها جحيميّة، تنال روحهم ورزقهم وحركتهم، تدور رحاها في غلافٍ سميك، رغم الحضور الفلسطيني الهادر في الضمير العالمي.

في المناخ، بدايةً، وسيادة عبارات من نوع: إنهم "الطابور الخامس"، أو "المرشّحون لنكْبة ثانية"، أو "السحرَة الأشرار"، أو "إرهابيو حماس"... ما يسهّل على الجيش والشرطة اعتقالهم واستجوابهم لمجرّد كلماتٍ كتبوها على المواقع، أو صور، أو إيموجي... وبعضها يعود إلى ما قبل الحرب على غزّة.

ريتا مراد، صابرين عتاونة، علاء شحادة، شبان وشابات فلسطينيون آخرون لم يُدلوا بأسمائهم، أطبّاء، ممرضون، محاضرون جامعيون. قالوا كلمات قريبة من العاطفية تجاه أهل غزّة. كلمات بسيطة من نوع: "أهل غزّة مضطهدون... محاصرون... أطفالهم معتقلون... السياسة الإسرائيلية تفتخر، وتعلن أن حياتهم تساوي ألف مرّة حياتنا... إنه الأبارتهايد الكامل". أو تمارا، أم لأربعة أطفال، تعلق على "إنستغرام" يوم كان عدد الأطفال القتلى في غزّة ما زال في أوَّله: "140 طفلاً، 140 حلماً. إنها ندْبة في القلب". والشرطة تقتحم بيتها، توقفها عن إرضاع ابنها، وتسحبها إلى التحقيق. أو عمّار حزيل، وهو "انْفلونْسر" فكاهي له حوالي مليون متابع، يكتب: "العين تبكي على غزّة". فتكون الشرطة على باب بيته بعدها بـ40 دقيقة، تعتقله، تحقّق معه، وتُخرجه من السجن، بشرط توقيعه على تعهّد بعدم كتابة أي كلمة، أو الإدلاء بها.

أصابتهم الحرب على غزّة بشظايا خاصة، ليست مميتة، ولكنها جحيميّة، تنال روحهم ورزقهم وحركتهم

كما مُنِع عمّار حزيل من ممارسة مهنته، أي الحكي والتعليق والإضحاك، فإن كل من أفصح عن رأيه، وباتَ عددُهم يتجاوز الآلاف، خضعوا للتحقيق والترهيب والسجن، كذلك أُخِرس الباقون، ثم طردوا من عملهم، أو جمّدت وظائفهم. وهذا دربٌ ثانٍ إلى جهنم فتحته تلك الإجراءات. ليس الجيش الإسرائيلي هو الذي صرفهم من عملهم بعدما اعتقلهم، إنما المؤسّسات التي تعمل فيها نسبة كبيرة منهم، مثل المستشفيات والجامعات.

الأستاذة الجامعية وردة سادة تعلق على "فيسبوك": "الواقعون تحت الاحتلال ينتفضون ضد الوحشية والجرائم اليومية. لم يعُد هناك شيءٌ يخسره الفلسطينيون"، فكانت حملة من زملائها يتهمونها بالرقص على دمائهم، ويطالبون بوقف دروسها. تتجاوب إدارة الجامعة بسرعة مع الحملة، بعدما "استاءت" من كلمات الأستاذة الفلسطينية، ووصفتها بـ"الإجرامية والحقيرة".

لا يقلّ حرم الجامعات قساوة. انطلقت الشرارة من إحدى كليّات مدينة نتانيا: مئات من الطلاب اليهود يحاصِرون السكن الجامعي، ويصرُخون، يهدّدون، يشتمون، ويعاهدون أنفسهم بطرد كل الطلاب الفلسطينيين الذين يعتبرونهم خطراً على حياتهم. لم توقف الجامعة أولئك المعتدين، ولا حمَت الطلاب الفلسطينيين. تركتهم على رعبهم. وما يمكن أن يتخيّله المرء من عزوف كثيرين منهم عن متابعة الدراسة، حماية لنفسه، فيخرّب بذلك مسار حياته.

مؤسّسات أخرى، مثل متاجر سوبرماركت، حيث تقف فلسطينياتٌ على الصندوق، ويحاسَبن على حركاتٍ يفسّرها المتبضّعون أنها سخريةٌ أو شماتةٌ أو قلة تعاطفٍ مع ضحاياهم... يشتكون إلى الإدارة على تلميحاتٍ، فتُحال الموظفّات الفلسطينيات فوراً إلى الصرف الكيفي. أو الأحزاب السياسية، حيث تحرم الشرطة حزب حداش، اليساري، من عقد اجتماعاته في أحد فنادق تل أبيب، بذريعة ان اجتماعاً كهذا سيعرِّض أمن إسرائيل للخطر. فيما الاجتماع مخصَّصٌ لمناقشة بنْدين، لا غير: وقف الحرب، ووقف الاضطهاد السياسي، كما أعلن الأمين العام لهذا الحزب أمجد شبيطا.

يختلفون عن أهل غزّة بأن دماءهم محقونة غير مهدورة، نسبياً. نسبياً فقط، وحتى الآن

الجهة الأخيرة التي تلاحقهم هي الشعب الإسرائيلي نفسه، وعلى الطريق، والمستهدفون هذه المرّة هم سائقو الحافلات الفلسطينيون. الذين باتت نسبة غيابهم عن العمل تتجاوز 40%. مجموعات "واتساب" انكشفت أخيرا، غرضها تنظيم هجمات عليهم. وشعاراتها المكرَّرة: "النكْبة رقم اثنين" تيمّنا بوزير الزراعة الإسرائيلي آفي ديختر، أو "حيوانات لا تعرف غير القوّة"، تيمّنا بنظيره، وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت. وكلمات بعينها باتَ لها صدى معروف، مثل "التنظيف" أو "التطهير"، أو حتى "التصفية". ورسوم على مدخل المحطّة الرئيسية للحافلات: "الموت للعرب"، أو "كاهانا كان على حقّ" (مائير كاهانا حاخام دعا إلى تفجير المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث).

ركّاب الحافلات لا يختلفون عن هذه المجموعات شبه العلنية. من "إنجازاتهم"، وبشهادات السائقين أنفسهم: يمنعون السائق من متابعة طريقه إذا لم يصرخ "فلتسقُط حماس". يتطلّعون إليه من فوق إلى تحت، يرْمقونه بنظرة قاسية، أو يبصُقون عليه، أو يصرخون بوجهه، أو يتلفّظون بعباراتٍ نابية، أو يحرّكون أيديهم بالتهديد، أو يرشُقونه بالحجارة.

خلاصة الوصف: إن صمتاً مُطْبقاً يُفرض على فلسطينيي الداخل. يخشون من التعبير عن رأيهم، أو حتى من "تلييك" بوسْتٍ على المواقع. يحاولون السيطرة على تعابير وجوههم، ينتظرون في كل لحظةٍ ضربة، أو شتيمة، أو اعتقال... وبعد ذلك، يصرفون من أعمالهم، يفقدون موارد رزقهم. أي أنهم ممنوعون من الكلام والعمل والأمان، من المستقبل. يختلفون عن أهل غزّة بأن دماءهم محقونة غير مهدورة، نسبياً. نسبياً فقط، وحتى الآن.