التحامل على المسلمين لرئاسيات فرنسا

التحامل على المسلمين لرئاسيات فرنسا

16 أكتوبر 2021
الصورة

مشهد من مسجد باريس الكبير في باريس (22/4/2020/Getty)

+ الخط -

يشكّل المسلمون حوالى عشر المجتمع الفرنسي، بعدد يناهز الستة ملايين نسمة، وهو عدد تقريبي، نظراً إلى أن القانون الفرنسي يمنع الإحصاء على أساس العرق والدين، لكنه لا يمنع مهاجمة المسلمين وازدراء دينهم واعتبارهم دخلاء على المجتمع الفرنسي، فهم لا يقبلون الذوبان في الثقافة المسيحية اليهودية للبلد، ودينهم هو العائق الأساس، ووجودهم غزو إسلامي بطيء لفرنسا سيجعل البلد مسلماً في أفق قرن، تبعاً لنظرية الاستبدال الكبير الذي أصبح أكبر مروّجيها إعلامياً الكاتب الفرنسي، ذو الأصول اليهودية، إيريك زمور، أقرب ما يكون من إعلان ترشّحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية.

بقيت حوالي ستة أشهر على أهم الاستحقاقات الانتخابية في فرنسا، التي تسمح كل خمس سنوات باختيار الرئيس الفرنسي ذي الصلاحيات الواسعة، وتجديد الجمعية الوطنية الفرنسية، أي الغرفة السفلى للبرلمان الفرنسي. وفي هذا الصدد، يلاحظ المتابعون أن الرأي العام في هذا البلد يتوجّه توجّهاً متزايداً نحو أطروحات اليمين المتطرّف الفرنسي، فقد أكّدت نتائج الانتخابات في عام 2016، كما استطلاعات الرأي، أن فرنسا لم تكن، منذ أكثر من خمسين سنة، يمينيةً بهذا الشكل، ما يجعل حظوظ اليسار للفوز في الانتخابات المقبلة شبه معدومة، ومن ثمّة، سيكون انحصار التنافس، إذا لم تحصل أية مفاجأة، بين الرئيس ماكرون ومرشّحي اليمين واليمين المتطرّف.

 قاسم مشترك يجمع بين كثير من الكتل السياسية، التشبث بالعلمانية المتطرّفة لفرنسا، العلمانية التي يزعجها كل مظهر من مظاهر التدين الإسلامي

هذا ما يعتقده أغلبية المتنافسين، وهذا ما يروّجه الإعلام الفرنسي، وهذا ما يؤكده كبار المحللين السياسيين. وإذا علمنا أن الرهان يكون أولاً للعبور إلى الدور الثاني بطل العجب، خصوصاً وأن تاريخ الرئاسيات في فرنسا مُحمّل بالمفاجآت، سيما في الدور الأول، حيث تكون النتائج متقاربة جداً. ومن الأمثلة، في سنة 1995، بينما كان الجميع يعتقد أن الرئاسة ستكون من حظ الوزير الأول آنذاك، إدوارد بالادور، خصوصاً بعد 14 سنة من الحكم الاشتراكي في عهد الرئيس ميتران، لم يستطع العبور إلى الدور الثاني، ومر غريمه جاك شيراك ليظفر بالرئاسة مقابل المرشّح الاشتراكي، ليونيل جوسبان. وفي سنة 2002 بينما كان الجميع يعتقد أن الأخير سيفوز بالرئاسة، إذا به يتعثر في الدور الأول، وهذا ما حصل تقريباً سنة 2007 مع مرشّح الوسط الذي أخرج من الدور الأول، وفاز نيكولا ساركوزي ضد مرشحة اليسار. وفي 2012 خسر الرئيس ساركوزي، على الرغم من الوجاهة والأموال الطائلة التي صرفت، وأدّت إلى الحكم عليه بالسجن، ونجح فرانسوا هولاند الذي لم يترشح سنة 2017 للتدنّي المفرط في شعبيته، وعاد ساركوزي، لكنه فشل في الانتخابات التمهيدية لليمين، ثم أقصي الوزير الأول السابق، فرانسوا فيون، في الدور الأول، ليفتح الباب على مصراعيه لإيمانويل ماكرون للفوز ضد اليمين المتطرّف.

هي حساباتٌ سياسوية تتحكّم في المشهد السياسي الفرنسي منذ عدة سنوات. هاجس الإقصاء يراود كل مرشّح، وبالتالي يدفعه إلى مغازلة ناخبين عن يمينه ويساره، واستمالة جزء من الناخبين الخارجين عن دائرة مناصريه التقليديين. وبما أن اليسار تلاشى، ونظراً إلى تضخّم كتلة اليمين المتطرّف فإن كل المرشّحين من الوسط واليمين يحاولون استمالة جزء منه.

تاريخ الرئاسيات في فرنسا مُحمّل بالمفاجآت، سيما في الدور الأول

لكن هذا لا يفسر كل شيء، لأن بين كل الكتل السياسية يوجد قاسم مشترك يجمع بين عديدين منهم، التشبث بالعلمانية المتطرّفة لفرنسا، العلمانية التي يزعجها كل مظهر من مظاهر التدين الإسلامي، وصل إلى حد مطالبة أحد المرشحين من حزب الجمهوريين بالتفريق بين ما سمّاه الفرنسيين حقاً قلباً وقالباً والفرنسيين الذين اكتسبوا الجنسية الفرنسية، بفضل سعة كرم القانون الفرنسي، والذي وعد بتغييره فور وصوله إلى الرئاسة. وهذا لا يعني فقط أن الفرنسيين المسلمين مواطنون من الدرجة الثانية، بل حدّة التحامل والهجوم عليهم تدل على هوانهم وتدنّي قيمتهم، واعتبارهم لدى الطبقة السياسة الفرنسية، التي تريد مسلمين من دون إسلام، على حد قول المفكر الفرنسي المختص، فرانسوا بورغا.

بدأت فعلاً حملة الانتخابات الرئاسية في فرنسا، وتزامنها مع محاكمة مرتبي الهجمات الإرهابية التي ضربت باريس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 يزيد من تسمّم الأجواء المعادية للمسلمين، وينفث الكراهية علناً على وسائل الإعلام. ومن ثمّة أصبح التحامل صراحة على الإسلام، وضمنياً على المسلمين، تجارة رابحة، تصعد أسهم السياسيين الفرنسيين بقدر تهجّمهم على الإسلام والمسلمين في خلط متعمّد وتعميم مقصود. وبعد المطالبة بالإدماج، ثم الاستيعاب، أصبحنا نسمع مطالب بالذوبان في المجتمع الفرنسي، مطالب تريد من المسلمين الانسلاخ عن هويتهم الدينية والثقافية التي لا تنسجم مع مبادئ الجمهورية الفرنسية، حسب زعمهم، حتى الأسماء يجب تغييرها. وهذا ما حدا بعديدين منهم إلى القيام بدور يمكن وصفه بدور "الحركيين الجدد"، متناسين ما أصاب الحركيين الجزائريين الذين استُقبل أخيراً أحفادهم في الإليزيه، طلباً للصفح، وقد مات أغلبهم. أما أغلب مسلمي فرنسا فهم يعيشون زمن التيه، لا يدرون ماذا يفعلون، وكأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون.