الأزهر .. بحث دائم عن استقلال مفقود

الأزهر .. بحث دائم عن استقلال مفقود

02 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

تمثل العلاقة بين الدين والدولة إحدى القضايا الشائكة في العالم العربي، خصوصا في ظل عدم وجود حدود فاصلة واضحة لهذه العلاقة. أيضا هناك محاولاتٌ من الدولة والقوى السياسية المختلفة من أجل توظيف الدين في الصراع السياسي، وهو ما يتسبب في مشكلاتٍ عديدة. وإذا كان دور المؤسسات الدينية يتركز بالأساس في تلبية الاحتياجات الدينية والطقوسية للناس، إلا أنه قد يتوسع أحياناً ليشمل المسائل السياسية والاجتماعية والثقافية، كما هي الحال في مصر، حيث تلعب المؤسسات الدينية الإسلامية، كالأزهر ودار الإفتاء، دوراً مهماً في حياة المواطنين. لذلك هناك سعي دائم من الدولة إلى السيطرة والتحكّم في هذه المؤسسات، وهو ما أدّى إلى حدوث توتراتٍ بينها وبين من يديرون هذه المؤسسات، خصوصا مؤسسة الأزهر.

بعد ثورة يناير 2011، نجح الأزهر في استرداد بعضٍ من استقلاليته

 

يُعد الجامع الأزهر من أقدم المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، حيث تم إنشاؤه قبل حوالي ألف عام على أيدي الفاطميين الذين دخلوا مصر عام 969 ميلادية. الأزهر ليس فقط مجرد مسجد عادي لإقامة الشعائر الإسلامية، ولكنه أيضا صرحٌ علميٌّ يأتيه الطلاب من كل أنحاء العالم الإسلامي، من أجل تعلّم الدراسات الإسلامية المتنوعة. لذا، فإن وزنه وتأثيره يتجاوز المجتمع المصري، كي يصل إلى مختلف البلدان العربية والمسلمة. ومنذ إنشائه، تمتّع الأزهر بقدر واسع من الاستقلال عن السلطة السياسية، وذلك نتيجة اعتماده على موارده المالية التي كانت تأتي من الأوقاف المختلفة التي مكّنته من عدم الاعتماد على الدولة في ميزانيته. ومنذ استحداث منصب شيخ الأزهر في العصر العثماني، ويتم اختياره بالانتخاب. وتعود أهمية شيخ الأزهر ليس فقط لمكانته الدينية والروحية لدى المسلمين، ولكن أيضا لدوره السياسي غير المباشر، باعتباره حلقة وصل ما بين الدولة والأهالي. وتاريخياً، كان شيخ الأزهر عضواً في الديوان الحاكم في القاهرة، والذي كان يُعقد برئاسة الوالي كل أسبوع، لمناقشة أحوال مصر السياسية والاقتصادية والإدارية. وعندما كان يتم عزل الوالي وتعيين قائم مقام بدلاً منه، كان لا بد من أن يصادق شيخ الأزهر على العزل. وبدخول الفرنسيين القاهرة عام 1798، كان شيخ الأزهر أهم شخصية سياسية في مصر بعد انسحاب المماليك. وقد لعب قادة شيوخ الأزهر دورا مهما في مقاومة الفرنسيين، ولعبوا دوراً محورياً في تنصيب محمد علي والياً على مصر أوائل القرن التاسع عشر.

ولكن منذ نشأة الدولة الحديثة في مصر تراجع استقلال الأزهر، حيث أصبح تعيين شيخ الأزهر من صلاحيات الحاكم، وذلك منذ عهد محمد علي. وعلى الرغم من محاولات تغيير هذا الوضع في مرحلة ما بين الحربين، إلا أن الأزهر ظل تابعاً للمؤسسة الملكية. وقد ازداد الوضع سوءاً بعد الاستقلال، وتولي العسكر إدارة شؤون البلاد. وفي عام 1961، صدر قانون إعادة تنظيم الأزهر الذي أنهى استقلاله، حيث تم إلغاء هيئة كبار العلماء، والتي كانت تختار شيخ الأزهر. وتم تقليص صلاحيات شيخ الأزهر في إدارة شؤونه، وتحويل بعض الصلاحيات لوزير الأوقاف، وهو ما زاد من التوترات بين الأزهر والدولة في عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات. وخلال عهد حسني مبارك أصبح الأزهر تحت السيطرة الكاملة للدولة.

على الرغم من موافقة شيخ الأزهر أحمد الطيب على انقلاب 3 يوليو، إلا أنه رفض كثيراً من سياسات السيسي

بعد ثورة يناير 2011، نجح الأزهر في استرداد بعضٍ من استقلاليته، وذلك حين أصدر المجلس العسكري الذي كان يدير البلاد آنذاك مرسوماً لتعديل قانون عام 1961 الذي أعطى بعض الاستقلالية للأزهر باعتباره "هيئة مستقلة"، وأن يتم اختيار شيخ الأزهر، عند خلو منصبه، بطريق الانتخاب، من بين أعضاء هيئة كبار العلماء في الأزهر، عن طريق الاقتراع السري في جلسة سرية يحضرها ثلثا عدد أعضائها، ثم تنتخب الهيئة شيخ الأزهر من بين المرشّحين الثلاثة في الجلسة نفسها بطريق الاقتراع السرّي المباشر، ويصبح شيخاً للأزهر، إذا حصل على الأغلبية المطلقة لعدد أصوات الحاضرين. تنتخب الإمام الأكبر هيئة كبار علماء الأزهر، ويتم تعيينه رسمياً من الرئيس مدى الحياة، ولا يمتلك الرئيس سلطة إقالته. ولعل هذا التعديل هو الذي أعطى استقلاليةً لشيخ الأزهر عن السلطة التنفيذية. ولعل هذا هو أحد أسباب التوتر في العلاقة بين شيخ الأزهر الحالي، الشيخ أحمد الطيب، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. فعلى الرغم من موافقة الطيب على انقلاب 3 يوليو 2013، إلا أنه رفض كثيرا من سياسات السيسي، مثل الفض الدموي للاعتصام في ميدان رابعة العدوية، والذي راح ضحيته المئات من المتظاهرين السلميين المؤيدين للرئيس الراحل محمد مرسي، وكذلك رفض الآراء الدينية للسيسي في قضايا، مثل الطلاق والميراث ومحاربة الإرهاب وغيرها. وهو ما أدى إلى توتر العلاقة بين الطرفين طوال السنوات السبع الماضية.

تنص المادة السابعة من الدستور المصري الذي تم إقراره في عام 2014 على أن "الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة، ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظّم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء". وتثير هذه المادة الجدل في أروقة السلطة، حيث سعى نظام السيسي أكثر من مرة إلى تعديلها من أجل تقليص استقلال الأزهر، وضمان السيطرة عليه، كما كانت عليه الحال قبل ثورة يناير. ولعل هذا ما وضعه في مواجهة مباشرة مع الشيخ الطيب، وهي مواجهة ستظل مفتوحة على الاحتمالات كافة.