اتحاد الشغل التونسي .. حسابات وتنازلات

اتحاد الشغل التونسي .. حسابات وتنازلات

22 يناير 2022
+ الخط -

ربما كان من أهم خصوصيات المشهد السياسي والاجتماعي التونسي حضور منظمة نقابية قوية تستأثر منذ عقود بتمثيلية الشرائح العمالية وموظفي القطاع العام. وعلى الرغم من مرور 76 سنة على تأسيسها، ظلت مواقف منظمة الاتحاد العام التونسي للشغل تتراوح بين الولاء المطلق للسلطة وتمرّدها عليها في أحيان أخرى ضمن حسابات العلاقة بين أصحاب القرار والقيادة النقابية.

وإذا استثنينا السنوات العشر للديمقراطية، حيث أصبحت المركزية النقابية شريكا فاعلا في صنع القرار، بل لعبت دور الوسيط بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة، فإن قيادة المنظمة تجد نفسها في ورطة حقيقية إثر إجراءات 25 جويلية (يوليو/ تموز) وانفراد رئيس الجمهورية بإدارة الدولة برمتها من دون شريك. كان واضحا، منذ البداية، أن العلاقة بين الطرفين تخضع لتجاذبات القوى وتوازناتها، حيث لم تخف القيادة النقابية تأييدها الإجراءات الرئاسية وإظهار رغبتها في لعب دور الظهير الاجتماعي الذي يمكن الاعتماد عليه. وصرّحت قيادات نقابية إن الاتحاد يسعى إلى المساهمة في مجاوزة مرحلة ما قبل 25 جويلية، محاولا التنصل من مشاركته في إدارة المرحلة برمّتها، وهو ما قابله تجاهل رسمي من رئاسة الجمهورية، وصولا إلى السخرية من رغبة الاتحاد في تقديم نفسه صفا ثالثا، وهو ما عبّر حينها عن حالة من القطيعة والجفاء بين الطرفين، دفع الأمين العام لاتحاد الشغل، نور الدين الطبوبي، إلى القول إن الاتحاد لن يقدّم صكا على بياضٍ لأحد. لتتطور الأوضاع بعدها نحو إصدار حكومة الرئيس منشورا (عدد 20 لسنة 2021)، دعت فيه كل المؤسسات والإدارات العمومية والوزارات إلى عدم التفاوض مع النقابات إلا بعد التنسيق المسبق مع رئاسة الحكومة، ما يعني فعليا إفقاد الاتحاد أي قدرة على تحقيق مطالب منظوريه بشكل مباشر، كما كان يحصل طوال العشرية الماضية. وعلى الرغم من أن قيادة الاتحاد أعلنت رفضها المنشور، واعتبرت أن في هذا التمشّي ضرباً للحوار الاجتماعي، وضرباً لمبدأ التفاوض ولقوانين منظمة العمل الدولية. ولم تتجاوز ردة فعل الاتحاد حالة التعبير عن التنديد بالمنشور الوزاري، خلافا لردود أفعاله المعتادة زمن الديمقراطية.

ما يتناساه في تونس اتحاد الشغل والسلطة الحالية أن الأزمات الاجتماعية هي التحدّي الحقيقي أمام أي سلطة، وأن الشارع الاجتماعي، عندما ينفجر لا يتصرّف بمنطق الحسابات والمصالح، وإنما سيجرف الجميع

ظل صوت القيادة النقابية خافتا في الدفاع عن الديمقراطية، في ظل إجراءات متسارعة بدأت بتجميد البرلمان المنتخب، ووصولا إلى الحكم بالمراسيم، وهو ما طرح أكثر من سؤال بشأن طبيعة الخيارات التي تنتهجها القيادة النقابية الحالية. وبعد لقاء الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي ورئيس الجمهورية قيس سعيّد، أخيرا، كان واضحا أن القيادة النقابية الحالية تسير نحو الخضوع للإملاءات حفاظا على مصالحها، فالمنظمة التي تسير نحو عقد مؤتمرها في الشهر المقبل (فبراير/ شباط)، وتسعى من خلاله إلى تغيير القانون الداخلي للمنظمة، بما يسمح للقيادة الحالية بالاستمرار في مواقعها، وهو ما تعتبره المعارضة النقابية انقلابا حقيقيا داخل المنظمة، وإعلان انتهاء الديمقراطية داخلها، ونهاية زمن التداول على المناصب القيادية فيها، ولأن قيادة الاتحاد تدرك أن خيارها هذا لا يملك الشرعية القانونية الكافية تجد نفسها مستعدّة لتتنازل للسلطة القائمة وتلبية مطالبها في سبيل استمرار هيمنة هذه القيادة على المنظمة.

كان متوقعا، وفي ظل قانون الميزانية الجديد لسنة 2022، الذي عرضته حكومة نجلاء بودن، أن يكون اتحاد الشغل أول المعارضين لها، فوثيقة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنّتها الحكومة استجابة لاشتراطات صندوق النقد الدولي، تتضمّن حزمة من الإجراءات القاسية، بما فيها من تجميد للأجور ووقف الانتدابات للوظيفة العمومية، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، وصولا إلى تخفيض عدد موظفي الدولة، وعدم اعتماد الاتفاقيات مع الحكومات السابقة، المتعلقة بزيادة أجور الموظفين، إجراءات قاسية ومؤلمة تمسّ جوهر الملف الاجتماعي الذي يتبنّى الاتحاد العام التونسي للشغل العمل عليه، والدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، غير أن ما جرى هو نوع من تبادل المصالح، حيث يصمت الاتحاد عن هذه الإجراءات، استجابة لطلب حكومة الرئيس. وفي المقابل، تمضي قيادة المركزية النقابية نحو مؤتمرها المقبل، بما يمكّنها من التمديد لنفسها خارج الأطر القانونية، ومن خلال التلاعب بالقوانين الداخلية للمنظمة.

كان صوت القيادة النقابية خافتا في الدفاع عن الديمقراطية خلال أحداث كثيرة عرفتها تونس

غرقت المنظمة النقابية في حساباتها الداخلية والحفاظ على مصالح قيادتها الحالية، متخلية، في المقابل، عن الملف الاجتماعي، ومتراجعة عن الدفاع عن الديمقراطية، بما يفسح المجال أمام إجراءات التضييق على الحريات ونسف المكاسب التي حققها الشعب التونسي طوال العشرية الماضية، غير أن ما يتناساه الاتحاد والسلطة الحالية أن الأزمات الاجتماعية هي التحدّي الحقيقي أمام أي سلطة، وأن الشارع الاجتماعي، خلافا للطبقة السياسية، عندما ينفجر لا يتصرّف بمنطق الحسابات والمصالح، وإنما سيجرف الجميع. وقد عرفت تونس تجارب مماثلة منذ أحداث سنة 1978 ثم سنة 1984 وصولا إلى ثورة 14 جانفي (يناير/ كانون الثاني) 2011، حيث كانت القضية الاجتماعية العامل الرئيسي في الأحداث، وهي الأساس الذي فتح المجال لتحولات سياسية ما زالت آثارها قائمة.