أي عالم عربيٍّ في 2024؟

أي عالم عربيٍّ في 2024؟

27 ديسمبر 2023
+ الخط -

نطلّ على عام 2024، ونحن لا نزال في عهدة "طوفان الأقصى" وما تبعه من حرب إسرائيلية وحشية على الغزّيين، أطفالا ونساء ورجالا، وسنظلّ في عهدة "الطوفان" زمنا أطول، إذ ليس ثمّة ما يختلف عليه اثنان في أنه أحدث جملة تداعياتٍ جيوسياسيةٍ ارتداديةٍ على المستويين العربي والإقليمي، ستكون لها نتائجها ومفاعيلها في العام الجديد وما بعده، وليس ثمّة ما يتفق عليه اثنان في تحديد مصائر أنظمة ودول وحكومات وحركات وأحزاب، وحتى شخصيات، كانت فاعلة قبل "الطوفان"، وخسرت بعده كل تأثيرها ونفوذها أو بعضهما، وليس ثمّة أخطر من أن نتجاهل ما يجري وما يحصل، أو أن نطوي صفحا عنه، لسبب بسيط جدا، أننا إذا لم نتعلم شيئا من هذا كله، فسوف نسقط في هاوية سحيقة قد يتطلّب خروجنا منها عقودا مضافة وأثمانا مضاعفة. 
يذكّرنا بعض ما جرى ويجري بما رواه مهندس الحرب الوحشية الماثلة ومصمّمها بنيامين نتنياهو أنه التقى مرّة فلسطينيا عجوزا من مخيم جباليا، وسأله: "من أين أتيت؟"، أجابه الفلسطيني: "من المجدل"، وهي المدينة التي أقام عليها الصهاينة مستوطنة أشكلون، سأله نتنياهو: "هل تفكر أن تعود إلى المجدل؟"، أجاب: "ان شاء الله، عندما يحلّ السلام نعود إلى المجدل"، عقب نتنياهو: "عندما يحلّ السلام، أنت تزور المجدل، ونحن نزور جباليا"، رد الفلسطيني بثقة واصرار: "نحن، الفلسطينيين، سنعود إلى المجدل، وأنتم ستعودون إلى بولندا"، في كناية عن أصل نتنياهو. 
يعبّر جواب العجوز الفلسطيني لنا عن حجم التصميم والعزم اللّذين يكمنان في أعماق الشخصية الفلسطينية في الردّ على اغتصاب الأغراب أرضها، ويقنعنا بأن "طوفان الأقصى" لم يأت من فراغ، فهو يمتلك شرعيته من عذابات أزيد من 75 عاما عاشها الفلسطيني العجوز مع أبنائه وأحفاده، تحمّلوا خلالها من الظلم والجوْر والإذلال ما لم يتعرّض له شعبٌ من شعوب الأرض. أما توقيت "الطوفان"، وما الذي فكّر فيه المقاومون ساعة انقضاضهم على "غلاف غزّة" فليس مدار نقاش، لكن ما يمكننا قوله اليوم إن الفلسطيني، بعد "الطوفان"، يصعُب عليه أن يرضى بأقلّ من حقوقه، ويرفض أن يبقى رقما مجرّدا مجهول الهوية. ولذلك يطرح شرطه على العالم أن "لا يوجد مصيرٌ آخر غير الذي نصنعه بأنفسنا، بالدم النقي، وباليد"، وما يعمل عليه بعضهم، ومنهم عرب، على كسر المقاومة، وترويج أنه لن يكون للمقاومين حضور في مستقبل غزّة أمر غير مقبول، ولا معقول، وحتى لو أوكلت مهمة إدارة غزّة إلى سلطة محمود عبّاس، كما يريد أولئك، فان ذلك سيعيد القضية إلى المربّع الأول، وقد يفجّر توتّرات جديدة. 

وحدَها عيون المواطنين العاديين الذين لا حول لهم ولا قوّة بقيت متسمّرة على الشاشات، وهم يغالبون دموعهم

هل يمكن، إذن، وفي ظل المتغيرات التي نشهدها، أن يلتقي الفلسطينيون المقاومون بالسلاح والفلسطينيون المقاومون بالسياسة، ويصمّموا على الوحدة التنظيمية في ما بينهم، ويرسموا خطّة طريقٍ لتحقيق ما يريدونه؟ إذا كان هذا ممكنا، وينبغي أن يكون، فذلك سيشكّل إنجازا عظيما، وعندها لن يظلّ سؤال: "من يحكم غزّة بعد الطوفان" من غير جواب. 
فلسطينيا، أيضا، أنقل بأسى ما قاله لي ناشط فلسطيني آخر من جيل ما بعد النكبة الأولى، وقد تعدّدت النكبات، أنه يخشى، بعد خذلان العرب أشقّاءهم، والتخلّي عن نصرتهم، أن يندفع فلسطينيون كثيرون إلى "الاستقالة" من عروبتهم التي لم تعد سالكة، ورشّ الملح على جراحهم.  
أما الأنظمة والحكومات العربية التي عجزت عن أداء دور فاعلٍ يجبر الصهاينة على وقف حربهم الوحشية الشريرة، واكتفت بتأمين بعض الحليب والخبز لأطفال غزّة فقد تملكّها الخوف، ودفعها إلى التماهي مع ما يريده الإسرائيليون والأميركيون، وكأن غزّة الجريحة تقع في أقصى جنوب العالم، وليس في قلبه، أما الحركات والأحزاب فقد بدت متقاعسة، هي الأخرى، عن الفعل، ولم تجرؤ على تنظيم حملات دعم أو إغاثة، كما فعلت أيام الزمن القومي الجميل، وحتى مقاطعتها الشركات الداعمة للعدو كانت فاترة، ولم تحقّق سوى القليل الضئيل، وحدَها عيون المواطنين العاديين الذين لا حول لهم ولا قوّة بقيت متسمّرة على الشاشات، وهم يغالبون دموعهم، ولا يملكون سوى الدعاء أن تُنجد السماء أهل غزّة، حيث لم يعد في مقدور أهل الأرض أن يفعلوا ما هو مرجوّ منهم.
أية طقوسٍ، إذن، يمكن أن توقف كل هذه التداعيات؟ أي عالم عربي يمكن أن يولد بعد طوفان غزّة، وكيف لنا أن نضع علامات طريقٍ إلى عالم عربي جديد يتشكّل على وقع ما يحدُث اليوم؟ 
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن نقف عنده.

583FA63D-7FE6-4F72-ACDD-59AE85C682EB
عبد اللطيف السعدون

كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"