أوميكرون .. هل حقاً خرج الحصان؟

أوميكرون .. هل حقاً خرج الحصان؟

08 ديسمبر 2021
الصورة
+ الخط -

دخل أوميكرون دخول الجبابرة، وبمجرّد الإعلان عن ميلاده واحداً من متحوّرات كورونا، سارعت دول كثيرة إلى إغلاق الحدود أمامه، قبل معرفة أيّ معلومات أكيدة عن خطورته، من باب "كم حاجةً قضيناها بتركها". لكنّ المعلومة الأكيدة عنه سرعة العدوى التي تبدو صفةً لصيقة به. لهذا، تبدو إمكانية تفاديه صعبةً للغاية، وكلّ ما يُمكن فعله هو تأخير المحتّم. والدّليل ما حدث مع "دلتا" الذي لفّ العالم وذاق منه الجميع، إنّما على فتراتٍ متباعدة. وتساوى في ذلك من أغلق الحدود ومن تركها. في حالة أوميكرون، دول كثيرة أغلقت الحدود بعد تسرّبه إلى أراضيها، ما جعله أشبهَ "بإغلاق باب الإسطبل بعد خروج الحصان"، حسب أستاذ الوبائيات في جامعة إدنبره مارك وولهاوس.

ساهم في تخويف العالم ما فعلته الصّين، أخيراً؛ تعبئتها الشّعب، بسبب كورونا. في الموجة الأولى، فزع العالم وهو يرى كيف يُجرّ الصّينيون من بيوتهم نحو المستشفيات. وكيف يقعون في الشّارع بسبب كورونا، وهو ما لم يحدُث في أيّ مكان في العالم، حيث ترتفع مضاعفات الفيروس تدريجياً، ولا تُسبّب انهياراً مفاجئاً كما رأينا في الفيديوهات القادمة من الصين. شاهد العالم، أيضاً، كيف ذهب بعض الصينيين إلى الأسواق، مرتدين البلاستيك بشكل كامل. وكيف أُفرغت الشّوارع من البشر، مثل أفلام الزومبي المُروّجة فيروساً قاتلاً لا علاقة له بتأثير كورونا.

لذا عندما وصل الوباء إلى باقي الدّول، دبّ الهلع كالوباء، وصار الناس يغسلون مشترياتهم، ويمتنعون عن الخروج من البيت، على الرغم من أنّ الحالات في بعض البلدان كانت لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. وشُلّت القطاعات الاقتصادية، بفرض حظر التجوّل ابتداء من السّادسة، وأُغلقت الحدود والمجالات الجوية في دولٍ كثيرة، على الرغم من أنّ ذلك لم يُفد سوى في تأخير العدوى. وحين وصلت، أصابت نِسباً كبيرة من السّاكنة.

عندما وصل الوباء، دبّ الهلع كالوباء، وصار الناس يغسلون مشترياتهم، ويمتنعون عن الخروج من البيت

ربما ما حدث في أوروبا أيضاً من وفياتٍ كبيرةٍ للمسنّين أفزع العالم. لكن أوروبا لم تُفرغ البلاد ولم تغلق الحدود، بل اكتفت بالقيود. وبالتالي، ظلّ هناك مجال نسبيٌّ لتحكيم العقل. ولعل الإجراء الوحيد الذي تبيّنت الحاجة إليه هو تقوية البنية الصّحية، ومنحها أولوية قصوى، لأن الدول ذات البنية الصّحية الجيدة كانت أقلّ إغلاقاً، حتّى لو كانت الأكثر تضرّراً بالعدوى، بسبب أنّها أعدّت ما يلزم لمعالجة المصابين. أما في الضّفة الجنوبية، لم تكن إجراءاتٌ كثيرة مفيدة، حتى الإغلاق، فسرعان ما كانت الأُسر تصاب كاملة بالفيروس. حيث تبلغ الإصابات داخل الأوساط البسيطة، التي غالباً ما تكون الأسر فيها كبيرة، نسبةً هائلة، فما إن يدخل الوباء إلى بلد، وهو شيءٌ محتّم، يصبح انتشاره مسألة وقت.

حلول تُظهر العجز أكثر من غيره، فحين لا تجد حلاً تبيع أقرب شيءٍ إلى صيغة الحل

وحين انتظر العالم اللقاح بصبر، وفرَضه، شكّك ارتفاع عدد المصابين في بعض الدول الأكثر تلقيحاً بجدوى التلقيح. وما زال السّياسيون يرون أنّ بعض الذين لم يأخذوا اللّقاح سبب ذلك، على الرغم من أن معظمهم رفض التّلقيح من باب حرّيته في جسده، وهو أبسط الحقوق الإنسانية، ويدعو المسؤولون إلى جرعاتٍ معزّزة منه، لحل الأزمة. وهي حلول تُظهر العجز أكثر من غيره، فحين لا تجد حلاً تبيع أقرب شيءٍ إلى صيغة الحل. ولكن حتّى هذا الحل غير الناجع أثمانه باهظة، فما ربحته شركات اللقاح يفوق جميع ما ربحته في تاريخها.

و"شبه الحل" الثاني الذي يروّج الآن بالإغلاق الكامل للحدود لبعض الدُّول، لا يخرج عن "اللّهم العمش ولا العمى"، المثل المغربي الذي يروّج أضعف الإيمان. لكن هذا الحل مكلف للغاية، ولا رابح منه. والخاسرون كثر، وأوّلهم أولئك الذين بقوا بلا عمل ولا مدخول في البلدان الأقل دخلاً، من دون أن تستطيع الدولة فعل شيءٍ لهم. بينما حاولت جل الدول الغنية تعويض مواطنيها، عن خسائرهم. كما أنّها لم تلجأ إلى الإغلاق الكامل، فالناس يحتاجون الطعام قبل أن يحتاجوا الحماية من كورونا.

شبه الحلّ هذا يواجه عدواً قد لا يكون بالخطورة التي يعتقدها بعضهم، أوميكرون، الذي صرّحت منظمة الصّحة العالمية إنه ليس بالخطورة التي يُروّج لها. لهذا التصريح وزنه، لأننا نتذكّر كيف لعبت المنظّمة دور "غراب البوم" شهوراً طويلة في السّنة الأولى للوباء، حتّى اتهمها بعضهم بالولاء للصين، لأنها تمارس الدور التّخويفي نفسه. بالنّظر إلى ذلك، فلنعتبر أن تفاؤل المنظمة يملك قدراً من الصّحة، خصوصاً أن تنبّؤاتها عن انتشار الموجات الأولى من الوباء كانت صحيحة، وانتشر الوباء مثل الهواء، وأُصيب عدد كبير من ساكنة الدول. حتى ولو لم تظهر الأعراض على معظمهم، أو ظهرت بشكل طفيف، جعلها تشبه زكاماً خفيفاً أو ضربة شمس عابرة.

قد يكون أوميكرون أقلّ خطورة من دلتا، وربما ليست له مضاعفات خطيرة على جلّ المصابين

ماذا بعد؟ إذا حدث وثبت أن "أوميكرون" مدمّر بالشكل الذي تتصوّره بعض الدول، فإننا سنعود إلى نقطة الصّفر، وسنقول مع أصحاب نظرية المصدر البشري للفيروس الذين سخرنا منهم طويلاً، إنّ كورونا من صنع البشر. لماذا؟ لأنه بما وصل إلينا من معلومات عن الأوبئة التي فتكت بالعالم وانتشرت فيه، مثل "الحمّى الإسبانية"، لم تكن تتجاوز مدة العدوى فيها سنتين. والآن، لا يبدو على السيد كورونا وأولاده أنهم ينوون المغادرة قريباً. إذا كان متحوّر أوميكرون خفيفاً ظريفاً حسب منظمة الصحة العالمية، فنحن سنكون بالفعل على أبواب الخروج من الوباء، لأنّه من الطبيعي أن تحدُث الطّفرات، لكن تزايد خطورتها بدل أن تقل هو المقلق، فأوميكرون قد يكون أقل خطورة من دلتا الذي ليست له مضاعفات خطيرة على جلّ المصابين، مقارنة مع ما سبقه. على الرغم من أنّه شديد العدوى، لكن الدّخول في سلسلة اللقاحات اللّانهائية يضاعف أرباح شركات اللقاح الخيالية. ويُبقي الإنسان رهين هذه الإبرة التي كانت مميتة لبعضهم. قد يكون هؤلاء أقلّ عدداً من ناحية الأرقام، لكن بالنسبة لهم فهي الحياة كاملة، وقد ضاعت في حقنة إبرة. ولعل الوباء ما كان ليزهق أرواحهم، خصوصاً في الدول النّامية، حيث لا فحوص قبلية ولا بعدية للملقحين، بل يحدُث أن يأخذ الشخص نوعاً من أنواع اللّقاحات في الجرعة الأولى، وآخر في الجرعة الثانية، ولعلّه يأخذ أخرى في الثالثة.

وبالنّظر إلى مصدر المتحوّر، فإنهم يقولون إن نسب التلقيح في الدول الفقيرة هي السبب في الطفرات التي تحدُث للفيروس. ولكن تبيّن في هولندا إصابة شخصٍ لم يسافر إلى جنوب أفريقيا، ولا التقى قادماً من هناك، ما يعنى أن مصدر أوميكرون قد يكون أيّ مكان غير جنوب أفريقيا. في النّهاية، تتعدّد المتحوّرات، وحيرة العالم واحدة، ما لم يقرّر كورونا مغادرتنا قريباً. ولا نملك سوى هذا الأمل.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج