أمهات في حكم الآباء

أمهات في حكم الآباء

25 مارس 2022

(وجيه نحلة)

+ الخط -

تحدّثت المغنية البريطانية أَديل، في حوار لها مع أوبرا وينفري، عن صعوبة حياة الأم المطلّقة (single mam) بملامح متألّمة. تحكي أديل عن معاناتها في تربية ابنها بعد الطلاق، والجهد الذي يتطلبه الأمر. غرابة ما قالته تبرُز في مقارنة ظروفها مع ظروف باقي الأمهات الوحيدات. عن أيّ جهدٍ خارقٍ تتحدّث؟ هي التي تملك مالاً لا حدّ له، وأُناساً يساعدونها في كلّ شاردةٍ وواردةٍ من متطلّبات رعاية طفل، بحيث لا يتبقّى لها سوى أن تكون حاضرةً جسدياً ومعنوياً لأجل ابنها بشكل معقول. الجهد الخارق أن تكون الأب والأم، أن تعمل خارج البيت وداخله. أن تسهر الليالي وتقف عند السّابعة صباحاً على قدميها، فالعمل لا يرحم الأم؛ فتركض إلى البيت وسط الدوام، لأن الطفل وقع في الحضانة، أو أصابه مرض.

لعلّ مصطلح الأمهات العازبات جديد على مجتمعاتنا، فلم نكن نرى حالاتٍ كثيرةً تتكلّف فيها الأم بالعمل وتربية الأولاد معاً بعد الطلاق. أما الآن فما أكثرهنّ، متعلّمات وموظفات أو عاملات بمستوى تعليمي بسيط. لهنّ طفلان أو ثلاثة، يركضن على درج الأيام، ليكنّ الأم والأب، في غياب الآباء الذين تخلّوا كلّياً عن مسؤوليات الأولاد بعد الطلاق.

في حالة أديل، تقول إنّها على علاقةٍ جيّدةٍ بطليقها، ويعملان معاً لأجل مصلحة ابنهما. تعالي، يا أخت أديل، لترَيْ "السّينغل مامز" عندنا، وما يواجهنه كل يوم، ففي أميركا التي توجَّهَت إليها أديل بالحديث أوّلا، هناك مواكبة اجتماعية ومدرسيّة لحماية الطفل نسبياً، ومساعدة الأمهات. بينما يحمي القانون الحقوق المادية والمعنوية للأمهات في البلدان الأوروبية، بحيث لا يقلقن على توفير الحاجيات الأساسيّة لأطفالهن. كما أن الآباء غالباً ما يبقون في حياة أبنائهم، ويتحمّلون المسؤولية المادية مع الأم.

عندنا، الورطة كبيرةٌ لجلّ الأمهات العازبات؛ إذ لا يد تمتدّ لتساعدهن أو لتدعم الأطفال الذين يجدون أنفسهم في وضعية صعبة، عالقين بين أبٍ غير مُبال وأم تفعل الكثير، لكنها لا تقدّم حتى نصف ما يحتاجونه، علما أننا نعيش في مجتمعاتٍ يُفترض فيها التمسّك بالقيم العائلية، ولا تتخلّى فيها الأسر عن الفروع الصّغيرة التي تناضل من أجل أن تنمو، ضمن الشروط الإنسانية الضرورية للحياة. ما يدعو إلى التساؤل: هل يفقد الآباء عندنا حب الأولاد بعد الطّلاق؟

ضعف الرّابط هذا بين الآباء والأبناء يثير العجب في منطقة تُكثر من الولادات رغم الظّروف الاقتصادية الصّعبة. وإذا كانت النساء في دول عربية كثيرة يعانين من أجل الحصول على الطّلاق، ويسعى آباء كثيرون إلى حرمان الأمهات من أطفالهن، إذا كانت هذه هي الحال في بعض الدول، فإنّ المرأة في دول أخرى، منها المغرب، لا تجد صعوبةً في الحصول على الطّلاق، ما دامت محكمة الأسرة هي صاحبة القرار، لكن حقوقها وحقوق الأولاد في هذا الطّلاق هما المشكلة الأكثر إيلاماً.

تفيد الإحصاءات بأن عدد الأسر المغربية التي تُعيلها النساء يفوق حالياً مليون أسرة، بنسبة أسرة من بين ستّ. وتورد المندوبية السامية للتخطيط، في تقريرها عن وضعية النساء، أن قرابة نصف النساء العاملات مطلّقات؛ أولاً، لارتفاع نسب الطّلاق. وثانياً، لأنّ نسب الزواج الثاني للمطلّقات ضعيفة، خصوصا إذا كان لديهن أولاد. إلى جانب تربية الأولاد وحدهن، فنصف المطلّقات لا يتزوّجن مرة أخرى مطلقاً، بسبب الأولاد. هكذا لا تنحصر مشكلات المرأة المطلقة، في أنها أم عازبة ووحيدة في تربية الأبناء مهما كان عددهم. وأنها الأب والأم، بل هي مجبرةٌ على الوحدة بقية حياتها.

ما يجعلنا نتجه ناحية العائلة التي غالباً ما تتخلّى عن أبناء البنت لأنّهم أولاد الرّجل "المقيت"، الذي أساء إليها. وكذلك عائلة الأب التي تنظر إليهم على أنّهم أبناء "الفاجرة"، التي طُلّقت من ابنهم. سواء أكانت هي من طلبت الطّلاق أو كان هو من طلبه. ما يفرض على الدولة أن تقوم بأدوارها الاجتماعية لرعاية الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة في المجتمع، وفي مقدمتهم الأطفال؛ فالأمر لا يتعلق بفعل إحساني، بل باستثمار في الأجيال القادمة، يضمن للأطفال مستقبلاً مستقراً، بقدر ما يوفر إطاراً لتوازن المجتمع واستقراره.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج

كاتبة وصحافية وشاعرة مغربية

عائشة بلحاج