"أساطير الأولين" .. مخيّلة منفلتة

11 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

بأسلوبٍ رشيقٍ لمّاح، لا يخلو من تكثيف واقتصاد، يطلّ علينا القاص الفلسطيني المبدع، عبد الغني سلامة، في مجموعته القصصية "أساطير الأولين" (مكتبة كل شيء، حيفا، 2020)، متنقلا بين عوالم شديدة الثراء والتنوع، كفيلة بإعادة الثقة في فن القصة، الفضاء العصي المضاد للثرثرة الفائضة. أورد عبد الغني تنويها مختلفا في مطلع المجموعة التي تضم 19 قصة، "أي تشابه بين الأحداث والشخصيات وبين الواقع إنما هو مصادفة، لكن هذا المصادفات تشبه، إلى حد كبير، واقعنا بكل تفاصيله، لذلك هي ليست خيالية تماما. أما أي إسقاط فكري أو تاريخي أو ديني على الأحداث سيكون من صنع القارئ وحده وعلى مسؤوليته". وهكذا يلقي سلامة الكرة في مرمى المتلقي، مراهنا على ذكائه وقدرته على التفاعل مع النصوص القصصية التي تعكس مرارة الواقع بمنتهى الدقّة. وهنا بالضبط سحر اللعبة، فالتلقي فنٌّ بحد ذاته، والقارئ الحصيف شريك فاعل في العملية الإبداعية. 
يتجوّل عبد الغني سلامة، في هذه المجموعة المتميزة، في بلاد عديدة، فيصل به شغف القص إلى الصين واليابان وإيران وأميركا والسودان ومصر والعراق وسورية والأردن .. وفلسطين. وفي كل مكان يحط فيه، ينتقي شخصيةً محلية، ويتيح لها الفضاء كاملا لسرد عذاباتها الكثيرة، مثل قصة "سمارة"، الصبية السودانية الحسناء التي تتعرّض للاغتصاب والقتل. تدور أحداث القصة الموجعة في دارفور، حيث الحرب الأهلية والمجاعة. وفي قصة "حدث في الصين"، تسرد الدكتورة جوهانغ لي التي نجت من الموت جوعا، من خلال مذكّرات والدتها الراحلة، تفاصيل مؤلمة عايشتها في ظل حكم ماو تسي تونغ، حيث الجوع والقهر والبطش والاستبداد وفوضوية الثورة التي عملت على تصفية المعارضة، وتأكيد سلطة ماو المطلقة. 
في أول قصص المجموعة "حوار سريع على حاجز طيار"، يسرد القاص، بلغة محايدة، خالية من المبالغات والبكائيات، حوارا يبدو بسيطا وعابرا مع ضابط إسرائيلي، يختصر، ببلاغة وتكثيف آسر، مأساة الشعب الفلسطيني، وقدرته على الحياة، على الرغم من كل المعاناة. يوقفه الضابط أمام حاجز عند عودته من عمّان، فيما صوت أم كلثوم يردد من راديو السيارة أغنية "ألف ليلة وليلة". يعبر الضابط عن إعجابه بالست، ويتحسّر على افتقارهم في إسرائيل ملحنا عبقريا من وزن بليغ حمدي، ويتحدّث، بسخط وغضب وحنق، عن ظروف عمله الصعبة، مبديا مشاعر الحسد والضغينة إزاء قوة احتمال الفلسطيني وقدرته على الإنجاز والتحدّي. يبدو الفلسطيني، في تلك اللحظة، كبيرا متصالحا مع ذاته، مستمتعا بمظاهر الجمال في بلاده، محققا شرط الحرية في داخله، على الرغم من بطش الاحتلال. ولا تختلف قصة "في الطريق إلى صفد" عن السياق ذاته. تعرض مشهد مضايقة مرورية على الطريق، ومطاردة مستوطنين مواطنا فلسطينيا، كان في طريقه لزيارة صديق في مدينة صفد، شمال فلسطين. تؤكد القصة البارعة على حتمية الصمود في وجه الاحتلال، حين ينهيها بعبارة "الطريق طويل، طويل جدا ومتعرّج ووعر وكلانا ماض نحو هدفه". 
وفي قصة "أساطير الأولين" التي تحمل عنوان المجموعة، يذهب عبد الغني سلامة بعيدا في المغامرة. يطرق باب الميثولوجيا، يحفر في عوالمها العتيقة الغامضة. وفي تناصٍّ ذكي، يشيد عالمه الغرائبي، ممزوجا بروح الأساطير الأولى، الآسيوية واليونانية والسومرية، حيث الربّات العطوفات يتلقين القرابين، ويغدقن الحب والعطاء، قبل أن يتحولن إلى حطام، وماض زائل فقد عنفوانه. انهمك الرجال حينها بالصيد والحرب، وقبعت النساء في الكهوف، ترعى صغارها وتكتشف الزراعة، وتعيد صنع الحياة، قبل أن يأتي الطوفان على كل شيء، مخلفا جثث الناجين في الفلك طعاما للأسماك، ويحل العدم. 
"أساطير الأولين" مجموعة قصصية حافلة بالتفاصيل المدهشة، والتنوع في الفضاءات والأزمنة والمستويات المتعدّدة في السرد. وهي تدلّ على تجربة إنسانيةٍ عميقةٍ لكاتبٍ أصيل بمخيلةٍ حرّة منفلتة، متمكّن من أدواته، مفتون بكشف حجب دواخل النفس البشرية هواجسها، أحلامها وتطلعها الأزلي للحرية والعدالة والحب والأمان، مؤكّدا، في كل قصةٍ، على القواسم المشتركة التي تجمع بين البشر أينما صودف وجودهم على وجه هذه البسيطة.