أزمة لبنان .. الطريق إلى عسكرة الحلّ

23 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

كلّ الدروب التي يمكن أن توصل إلى حلول ممكنة، ولو جزئية أو مرحلية، لانسداد أفق الحلّ السياسي في لبنان، وتالياً الأزمة الاقتصادية، باتت موصدة. أكثر من ثمانية أشهر على استقالة حكومة حسّان دياب بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب 2020، وقرابة أربعة أشهر على تكليف سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة، ومبادرة فرنسية لاقت حتفها على أدراج الطبقة السياسية اللبنانية، المتمسّكة بنظام المحاصصة ولو على حساب إنقاذ البلد، ومساع من أكثر من طرف داخلي وخارجي، جديدها المسعى الروسي، وذلك كله لم يوصل إلى فتح الأفق السياسي أمام الحلول الممكنة أو المقبولة. وحراك شعبي أخذ أكثر من شكل في أكثر من محطّة ومناسبة، ولكنّه لم يحرّك الطبقة المتبلّدة والمتحكّمة قيد أنملة إلى الوراء أو إلى الأمام. ردّ بعضهم الأمر إلى أسباب داخلية، تتصل بأطماع بعض القوى السياسية التي تطمح، في هذه اللحظة التاريخية، إلى كسْب أكبر قدر ممكن من مغانم النظام المتبقّية. وردّ آخرون الأمر إلى قوى مهووسة باستعادة صلاحيات موهومة، ظنّت يوماً أنّها فقدتها، وهي تعمل على استعادتها، ولو على جثّة الوطن. وهناك من ردّ الأمر إلى قوى خارجية، تريد أن تستغل ما يجري في لبنان في معركة تغيير معالم النظام الإقليمي، أو في معركة النفوذ فيه. الحاصل من ذلك كله أنّ المواطن اللبناني يعيش مأساته التي لا تنتهي، على المستويات الاقتصادية والحياتية والاجتماعية وغيرها، وقد بات ينتظر الخلاص من هذا الواقع المرّ الذي فقد فيه من مستوى معيشته ودخله الشهري أكثر من 80%.

المواطن اللبناني يعيش مأساته التي لا تنتهي، على المستويات الاقتصادية والحياتية والاجتماعية وغيرها، وقد بات ينتظر الخلاص من هذا الواقع المرّ

وفي ضوء انسداد أفق الحلّ السياسي، وأفق تشكيل الحكومة، وهو مفتاح كلّ الحلول كما يعتقد الجميع في الداخل والخارج. وفي الآونة الأخيرة، ارتفعت أصواتٌ بدأت تدعو إلى تشكيل حكومة برئاسة قائد الجيش. بمعنى آخر، هي دعوة صريحة لقيادة الجيش التي ما زالت تحظى في لبنان بثقة السواد الأعظم من اللبنانيين، إن لم نقل كلّهم، إلى أخذ زمام المبادرة، ووضع حدّ لهذا الانهيار الذي بات الجميع، حتى المختلفون على تقاسم النفوذ والحصص، يتحدّثون عنه ويعترفون به. دعوة الجيش إلى تشكيل حكومة برئاسة قائده، ولفترة انتقالية محدّدة، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وليس شرطاً أن تكون هذه الحكومة عسكرية، إنّما يمكن أن تكون من أصحاب اختصاص مدنيين أو عسكريين متقاعدين، تدير مرحلة انتقالية تضمن فيها وقف الانهيار، ومكافحة ما أمكن من فساد، وإجراء انتخاباتٍ نيابيةٍ جديدة، ومن ثم انتخاب رئيس جديد وحكومة جديدة. وكان من أبرز الداعين إلى هذا الخيار نائب رئيس المجلس النيابي، إيلي الفرزلي، وهو من الشخصيات السياسية المخضرمة التي كانت محسوبةً إلى الأمس على رئيس الجمهورية ميشال عون، وكان أيضاً إلى الأمس عضواً في التكتّل النيابي الذي يرأسه صهر الرئيس، النائب جبران باسيل. خرج الفرزلي بدعوته هذه عبر الإعلام، ليدلّل على حجم الخطر الذي بات يهدّد لبنان جرّاء المراوحة القائمة في كل الملفات والقضايا. كما دعت شخصيات أكاديمية ودينية وسياسية ومنظمات مجتمع مدني إلى هذا الخيار حلّا أخيرا للأزمة المستفحلة في لبنان. وعقدت لهذه الغاية لقاءات واجتماعات تنسيقية في أكثر من منطقة، حتى قيل إنّها تحظى (الدعوة) بغطاء البطريرك الماروني في لبنان بشارة الراعي.

غير أنّ الجيش الذي يدرك أنّ نجاح مثل هذه الدعوة في لبنان، البلد الذي تتقاسمه المصالح السياسية والطائفية والمذهبية، والقائم على نوع من التوازنات الدقيقة، ليس أمراً سهلاً، فضّل أن يبقى محافظاً على المهام الموكلة إليه بموجب الدستور، وطالب الطبقة السياسية بتسهيل الحلّ السياسي وفق الأطر الدستورية، لأنّ النزيف الذي أصاب الوطن يكاد يهدّد بقاء الكيان، وهو ما فُهم أنّه نصف إقفال لباب هذه الدعوة ونصف فتح أمامها.

يبقى أن يتخذ الجيش المبادرة في لحظة، ويقوم بالخطوة اللازمة لما يعتبره بعضهم الحلّ، وهو ما سيُعتبر انقلاباً على الدستور والنظام

غير أنّ الدعوة إلى تشكيل حكومة من هذا القبيل تتطلّب استقالة رئيس الجمهورية، وهذا ما رفضه الرئيس عون. وتتطلّب اعتذار الرئيس المكلّف، وهذا ما لم يلتفت إليه الرئيس سعد الحريري. وتتطلّب قبول كل منظمات المجتمع المدني التي تتخوّف من عسكرة النظام، وهذا ما لم تصرّح كل تلك المنظمات به، بل على العكس هناك من يتحفّظ عليه. يبقى أن يتّخذ الجيش المبادرة في لحظة، ويقوم بالخطوة اللازمة لما يعتبره بعضهم الحلّ، وهو ما سيُعتبر انقلاباً على الدستور والنظام. وهنا سيكون لقوى سياسية عديدة، خصوصا التي ترى نفسها مستهدفة من كل ما يجري، موقف رافض. وبالتالي، قد يُدخل ذلك البلد في دوّامة جديدة من الأزمات.

لا يبدو أنّ الحلّ في لبنان في ضوء المعطيات والتوازنات القائمة قريبٌ، بل على العكس يبدو أنّ الخروج من عنق الزجاجة بات أكثر تأثّراً بما يجري في المحيط الإقليمي، وما على اللبنانيين الذين وضعوا أنفسهم في هذا الموقف، ووزّعوا أنفسهم على تلك المحاور سوى الانتظار.