"جهنم" .. هذا الخيار الشمشوني لرئيس لبنان

26 سبتمبر 2020
الصورة

من يرى وجه الرئيس اللبناني، ميشال عون، متهلِّلاً، وهو يتحدث عن التزام بلاده بالعمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، لا يعتقد أنه هو ذاته مُتجهِّم الوجه الذي قال، بعد ثلاثة أيامٍ، إن بلاده تسير نحو الجحيم. وحتى في لقاء الحوار الإعلامي عن مستجدّات تشكيل الحكومة اللبنانية الذي عقده، في 21 سبتمبر/ أيلول الجاري، بدا متناقضاً في دعوته إلى الالتزام بالدستور ودعوته إلى إلغاء التوزيع الطائفي للوزارات السيادية، حين أظهر نفسه عاجزاً عن فعل أي شيء لإنقاذ لبنان من الانهيار الذي اختصره بـ "جهنم". ومع ذلك، لم يُشر إلى مسؤوليته في تكريس العجز، بسبب عدم تلبية نداء الإصلاح، بل ساهم في ظهور الخيار البديل للإصلاح، أي خيار هدم البلاد فوق رؤوس الجميع.

حين سأَلَتْه إحدى الصحافيات في اللقاء: "إلى نحن ذاهبون؟"، أجاب بسرعة ودراية المتأكد بنتائج أعماله: "إلى جهنم". وإن فاجأ الجواب الجميع وصدمهم، إلا أن اللبنانيين جميعاً يعرفون، والرئيس عون ورموز السلطة التي يرأسها، يعرفون جميعاً أن بلادهم وصلت إلى الجحيم قبل سنوات، وهي تعيش تفاصيله التي كان جديدها انفجار مرفأ بيروت، في 4 أغسطس/ آب الماضي. يومها لم يفاجئ الانفجار أياً من السياسيين، ولم يؤثر فيهم أو يدفعهم إلى الاستقالة، في حين كان من المفترض بهم الانتحار إثره، وإثر ما سببه من كوارث للمواطنين الآمنين في منازلهم وأعمالهم. وقبل جحيم الانفجار، كان جحيم الكارثة المعيشية يخيم على البلاد، وهي التي تسببت بها الحكومات التي حكمت في عهد الرئيس عون وقبله، والتي تفاقمت بعدما حوَّلَ المسؤولون أموالهم إلى خارج البلاد، عندما اهتز عرش نظامهم الطائفي، عشية انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول التي خرج فيها اللبنانيون من جميع الطوائف.

خاب ظن اللبنانيين، عندما لم يُبدِ أي مسؤول لبناني أسفه، أو اعتذاره، بسبب انفجار المرفأ، أو بسبب الفساد المزمن الذي نخر أسس الدولة

هل يا ترى قرأ الرئيس اللبناني كتاب إدغار موران "إلى أين يسير العالم؟"، وتفكَّر بالعبارة الواردة فيه: "إن لم نُغيِّر طريقنا فالفناء مصيرنا"، قبل أن يحضر إلى مكان اللقاء، مستنداً إليه في إصدار استنتاجاته التي لم تفاجئ الشعب اللبناني؟ من المرجح أن يكون قد فعل ذلك، ومن المرجّح ألا يكون، فالجميع في لبنان يدرك هذا الأمر، غير أن المسؤولين ينكرونه. أنكروه حين استمروا بممارساتهم التي أدّت وحدها إلى الوصول إلى هذا المصير. ومع أنه يعرف هذا المصير، إلا أن عون أتى خالياً من أي تصوُّرٍ للحل، ولم يكن الحل الذي تجرَّع مراره تبنّيه سوى حل ظرفي، يهدف إلى المساعدة في تشكيل الحكومة، وهو: "إلغاء التوزيع الطائفي للوزارات السيادية وعدم تخصيصها لطوائف محددة"، إذ اكتشف متأخراً أن: "القدرة على الإنجاز وليس الانتماء الطائفي هي المعيار في اختيار الوزراء"، وهو اكتشافٌ متأخر. أما كلامه إن هذا الاقتراح هو الخطوة الأولى "لشكلٍ جديدٍ في الحكم يقوم على مدنية الدولة" بعدما لمس "عقم النظام الطائفي"، كما قال، فهذا ما نادى به المنتفضون قبل سنةٍ، وصمَّ أذنيه عن سماعه. بل هو ما كان ينادي به هو ذاته طوال فترة وجوده خارج السلطة في فرنسا ولبنان، غير أنه امتنع عن اتخاذ القرار بتحقيقه، عندما وصل إلى الرئاسة قبل أربع سنوات، إذ إنه يدرك أن النظام الطائفي وحده هو ما يضمن وصوله إلى السلطة وبقاءه فيها. 

بدا عون، في جوابه السريع على سؤال صحافي، يغذّ السير في الطريق المؤدي إلى "جهنم"، من دون أن يفعل أي شيء للخروج منه

اللافت أن الرئيس عون بدا، في جوابه السريع، يغذّ السير في الطريق المؤدي إلى "جهنم"، من دون أن يفعل أي شيء للخروج منه. وهو يعلم أنه، وجميع رموز النظام الذين يقودهم، يسيرون معا في هذا الاتجاه، لأنهم يرفضون التخلي عن طائفيتهم، على الرغم من المصير القاتم والواضح لهم. لكن تبين أنهم، أو أن الرئيس عون على الأقل، يريد السير في هذا الطريق وفق إرادة شمشونية، تريد هدم الهيكل فوق الجميع. وليس خيار شمشون "عليَّ وعلى أعدائي" جديداً على ميشال عون، فقد ساهم في جعل منصب رئيس الجمهورية اللبنانية فارغاً سنتين بالتعاون مع حليفه حزب الله، من أجل منع أي شخصية أخرى سواه من شغله. وفي تَيْنك السنتين، تعطَّلت الحياة السياسية في البلاد، وساهم ذلك في تعطل مصالح الناس وشل حياتهم وأعمالهم. 

فضَّلت الطغمة الحاكمة انهيار البلاد على إجراء الإصلاح، وهو الرفض الذي أدّى إلى الوصول إلى خيار "جهنم" الذي بشَّر به عون

كذلك بدا خيار عون الشمشوني حين لم يمتثل، هو وحكوماته، للصناديق الدولية التي طالبت السلطة اللبنانية بإجراء إصلاحات تغيِّر نظام المحسوبية، وتوقف الهدر، وتضع حدّاً للفساد، أو أن "يتصرّفوا كدولةٍ طبيعيةٍ"، كما طالبهم دبلوماسي أوروبي في إطار المسعى الأوروبي إلى مساعدة لبنان عبر مؤتمر سيدر للمانحين. ولكن أقطاب هذه السلطة رفضوا إجراء إصلاحات، مثلما رَفضوا من قبل الاستجابة لمطالب المنتفضين الذي طالبوا المسؤولين بإعادة أموال الشعب المنهوبة، وبإجراء إصلاحات تشريعية وإلغاء الطائفية السياسية. هذه الإصلاحات جميعها رفضتها الطبقة السياسية، وفضَّلت انهيار البلاد على إجرائها، هذا الرفض الذي أدّى إلى الوصول إلى خيار "جهنم" الذي بشَّر به الرئيس عون، والذي يبدو أنه يدعو الجميع إلى السير فيه، بدلاً من دعوته الجميع، من دون إقصاء أحدٍ، إلى العمل على إيجاد الحلول. 

بعد انفجار مرفأ بيروت، عوَّل اللبنانيون على حجم الكارثة أن تدفع مسؤوليهم إلى تغيير سياساتهم، والتوجه نحو الإصلاح، لكن سرعان ما خاب ظنهم، عندما لم يُبدِ أي مسؤول لبناني أسفه، أو اعتذاره، بسبب الانفجار، أو بسبب الفساد المزمن الذي نخر أسس الدولة، وعمَّم الإهمال الذي دمَّر العاصمة وقتل أبناءها وشرد الآلاف منهم. وإن كانت هذه السلطة قد فقدت ثقة الجميع فيها، ومنهم داعموها في الغرب الذين وعدوا اللبنانيين بعد الانفجار بأن المساعدات ستُسَلَّم إليهم مباشرة، من دون المرور بالقنوات الرسمية كي لا يسطو عليها المسؤولون، فإن حادثة توزيع الرئيس عون هبة الشاي السيلاني على حرس القصر الرئاسي، بدلاً من توزيعها على المتضرّرين الذين جاءت من أجلهم، قد أتت في حينها لتثبت للأوروبيين واللبنانيين أنهم محقون بفقدان الثقة. يمكن توقع ذلك كله، لكن ما لا يمكن توقعه إقرار المسؤولين بالطريق المؤدي إلى الجحيم، ثم تأكيدهم على مواصلة السير فيه بدلاً من تغيير الاتجاه.