"العدالة والتنمية" .. عزلة سياسية بقفل دستوري

"العدالة والتنمية" المغربي .. عزلة سياسية بقفل دستوري

13 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

صرّحت المحكمة الدستورية المغربية، وهي أعلى هيئة قضائية في البلاد، تمارس الرقابة القبلية والبعدية (المسبقة واللاحقة) على مدى دستورية القوانين، بأنه ليس في اعتماد القاسم الانتخابي ما يخالف الدستور. وجاء حكمها الصادر في نهاية الأسبوع الذي ودّعناه، ليضع قفلا دستوريا على عزلة سياسية لحزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة منذ عشر سنوات. وقد بدأت هذه العزلة للحزب (الحاكم) لمّا انفرد، وسط الطبقة الحزبية والسياسية المغربية، برفض التعديلات والإصلاحات التي اتفقت عليها هذه الطبقة، بخصوص القانون المنظم للانتخابات المقبلة، التشريعية منها والجماعية والجهوية، وكان رفضه بداية، سياسيا ثم برلمانيا، عندما صوّت ضد مشاريع القوانين ذات الصلة.
وكان الحزب، أمام التصويت الساحق لفائدة القانون، قد لعب الورقة الدستورية، من أجل إبطال القانون، بدعوى عدم ملاءمته الدستور المغربي. وكانت مبرّرات الحزب متعدّدة، منها الأخلاقي والمبدئي والسياسي. وكان طبيعيا أن تجري جولات الحرب في الدفاع عن القانون، أو في العمل على إسقاطه، داخل الدوائر المنذورة للنقاش السياسي والترافع والصراع حتى، غير أن تحويل حدود الفصل في الخلاف إلى حدودٍ دستورية كان فيه نوع من التحكيم المؤسساتي الأسمى، بالمطالبة بمراقبةٍ بعديةٍ على القانون المعني، سيما منه المادة 84 المتعلقة بالقاسم الانتخابي.

عكس ما كان متوقعا من حزب يقود الحكومة التي تقدّمت بمشروع قانون ينظم الانتخابات النيابية، واحتكم للبرلمان، واختار  تحكيم المحكمة الدستورية، فإن "العدالة والتنمية" رفض القرار

وعلى عكس ما انتظر الحزب الرافض له، اعتبر قرار المحكمة أن "اعتماد قاسم انتخابي يستخرج عن طريق قسمة عدد المصوتين في الدائرة الانتخابية المعنية على عدد المقاعد المراد شغلها، وعدم اشتراط نسبةٍ معينةٍ من الأصوات، يتعين على لوائح الترشيح الحصول عليها للمشاركة في عملية توزيع المقاعد، ليس فيه ما يخالف الدستور، إذ لا يمسّ حرية ونزاهة الاقتراع وشفافيته، ولا بدور الانتخابات المعتبرة أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، كما هو مقرّر، على التوالي، في الفصلين 2 و11 من الدستور". وأفاد القرار بأن الدستور المغربي لا يتضمّن أي حكم يتعلق بالنظام الانتخابي، بصفة عامة، ولا أي مبدأ يراعى في الاختيارات التشريعية المتعلقة بنمط الاقتراع، وطريقة احتساب القاسم الانتخابي، والقاعدة المعتمدة لتوزيع المقاعد على اللوائح المترشّحة التي لم يبلغ عدد الأصوات التي حصلت عليها سقف القاسم الانتخابي، وتحديد نسبة معينة من الأصوات التي يتعين على لوائح الترشيح الحصول عليها للمشاركة في عملية توزيع المقاعد.
عكس ما كان متوقعا من حزب سياسي يقود الحكومة التي تقدّمت بمشروع القانون، واحتكم للبرلمان في التصويت عليه، واختار، في النهاية، التحكيم الدستوري عبر المحكمة الدستورية، فإن "العدالة والتنمية"، عبر أمينه العام ورئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، رفض القرار الدستوري في هذا الصدد. وقد قال العثماني إن القاسم الانتخابي، كما تمت المصادقة عليه في البرلمان وأيدته المحكمة الدستورية، "غير مقبول"، وأعاد تمسك حزبه بموقفه ما قبل قرار المحكمة الدستورية، الأمر الذي سيطرح أبعادا أخرى لمعركة القاسم الانتخابي، كاسر العظام السياسي، ومحاولات تأويل سياسي لقرار دستوري.

الحالة السياسية الراهنة تعني استمرار صعوبة اندماج في حقل سياسي تم وضعه في الواقع قبل أن ينال حزب العدالة والتنمية شرعية وجوده

ومع أن عبارة "ليس فيه ما يخالف الدستور"، حسب رجال القانون، "تجعل من قواعد الدستور عتبة للحقوق والواجبات، أي أن البرلمان يمكنه أن يسن أي قاعدة قانونية لا يوجد في الدستور ما يخالفها"، فإن الموقف السياسي للحزب الأول سيكون له ما بعده، في مناخ الانتخابات، كما في ما قد يترتب عن نتائجها. ولكن، قبل ذلك التاريخ المطروح (سبتمبر/ أيلول)، هل يمكن القول إن العزلة السياسية - الدستورية لحزب جدَّف مِن على موجة الربيع العربي هي بالضرورة هزيمته في الانتخابات المقبلة؟ الجواب ليس بديهيا، كما قد يتبادر الى الذهن.
تعلمنا القراءة الأولى أن الحالة السياسية الراهنة تعني استمرار صعوبة اندماج في حقل سياسي تم وضعه في الواقع قبل أن ينال حزب العدالة والتنمية شرعية وجوده، حقل سياسي تحكمه قواعد لعب منذ ما قبل الاستقلال، تتغير أحيانا في الدرجة وليس في الطبيعة، محكوم بالتعاقد الوطني بين الأحزاب السياسية الوريثة للحركة الوطنية والملكية، في القضايا الاستراتيجية، كالوحدة الترابية وطبيعة النظام ووحدة الدين، وبين الأحزاب الوطنية وامتدادات الدولة الحزبية بأذرعها القروية والوطنية، البرجوازية والدينية التقليدية، في قضايا التمثيلية السياسية وتنشيط الدورة المؤسساتية ومراكمة الإصلاحات، ضمن توازن سياسي تعقلنه الدولة أحيانا.

الأزمة الحالية قائمة، لأن حلها السياسي المنطقي، منذ البداية، كان استقالة الحكومة الحالية، وذلك لاعتبارات عديدة

القراءة الثانية أن الحزب القوي سيظل قويا في المقبل من الاستحقاقات، بعد أن تمكّن من الحفاظ على وحدته التنظيمية، على الرغم من كل الهزات، واستطاع أن يمنع انفجار تناقضات النظامين، السياسي والحزبي، في ذاته، كما حدث لأحزاب سبقته في القوة والاكتساح الانتخابي، وهو بالتالي يشعر بأنه يخوض معركة حزب قوي يُراد إضعافه، وليس حزبا يعرف أنه ضعيف يريد أن يتقوى بالمواجهة الشاملة. وبحسب كثيرين، قد تشي هذه القوة، حتى ولو ترجمت إلى ريادة انتخابية ونتائج في الصناديق، بمقدمة لأزمة مقبلة، عندما يريد أن يكوِّن الحكومة. ومن المرجّح، لدى خصومه قبل أنصاره، أن "العدالة والتنمية" سيكون في قيادة الأحزاب الأولى في انتخابات سبتمبر/ أيلول المقبل، لكنه سيجد نفسه أمام سؤالٍ صعب الجواب: ماذا سيفعل بانتصارٍ حازه في سياق عزلة سياسية ونشوز برلماني - حكومي - دستوري؟ سيجد صيغة أخرى لأزمة انخراطه في الحقل السياسي، كما تم توصيفه من عقود في المغرب، واحتمال خروجه إلى المعارضة، ولو كان الأول في قائمة الاحزاب، ينض الدستور صراحة على حقه في تحمّل تشكيل الحكومة كما سبق لأحد مؤسسيه، الوزير السابق لحسن الداوي، أن قال في حوار صحافي.
القراءة الثالثة أن الأزمة الحالية قائمة، لأن حلها السياسي المنطقي، منذ البداية، كان استقالة الحكومة الحالية، وذلك لاعتبارات عديدة، ليس أقلها: التعديل الانتخابي المرتبط بالقاسم لم يصوّت عليه الحزب الحاصل على أكبر عدد من النواب البرلمانيين، والذي تم على أساسه تعيين أمينه العام رئيسا للحكومة الحالية، بل حصل على أغلبيةٍ من النواب خارج هذا الحزب. تشكل أغلبية جديدة من أحزاب بعضها مشاركة في الحكومة وبعضها في المعارضة، وهو ما حوّل الأغلبية أقلية والأقلية أغلبية، في وضع غير مسبوق. ويرى متتبعون عديدون أن هذا الوضع، في الدول الديمقراطية المتأصلة، يترتب عنه استقالة رئيس الحكومة، وأن رئيس الحكومة فشل في إحراز توافقات لتجاوز الأزمة.
لقد انضاف إلى التصدّع السياسي والبرلماني والحكومي في المغرب موقف من السَّير الدستوري والقانوني لإحدى الهيئات الأعلى في الهندسة الدستورية للقضاء. وهو ما قد ينبئ بفصولٍ أخرى، قد تؤثر على التدبير السليم للانتخابات المقبلة التي بدأ مناخها ينشر طقسه منذ الآن.