خلال رفع الركام من شارع الجميزة في بيروت (حسين بيضون)
09 اغسطس 2020

خلال عقد واحد، خرجت "المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناسيونال" LBCI بسلام من ثلاث معارك طاحنة خلّفت فيها آثارا جانبية كبيرة. ورغم الأزمات الاقتصادية وفقدان الرغبة الخارجية في تمويل الإعلام المحلي، حافظت القناة على جانب من بريق "داخلي"، يمكن الافتراض أنه ينتمي إلى مرحلة عمرية لم يعد التغيير أحد هواجسها الرئيسية.

في المعركة الأولى تعرضت "أل بي سي آي" للتقسيم، بعد خلاف رئيس مجلس إدارتها بيار الضاهر، مع المساهم فيها الوليد بن طلال. في المعركة الثانية نجت القناة من تبعات النزاع القضائي مع حزب "القوات اللبنانية". وفي فترة تمتد بين المرتين وخلالهما، خرجت سالمة من معركة مع نفسها ضدّ توجه علماني سيطر على أخبارها، ثم تاه في النهاية. أخيراً، عادت "أل بي سي آي" كما عرفها جمهورها وكما تخيّلها، أي أكثر قرباً من تقاليد اليمين اللبناني التقليدي، رغم محاولاتها تطوير خطاب جديد.

في الأيام الأولى لانتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول في البلاد التحقت القناة بالشعب، وأعلنت أنها لن تغطي أخبار السُلطة. لكنه كان قراراً أكبر من قدرتها على تطبيقه، فأطلت عبر شاشتها، أثناء الانتفاضة وبعدها، شخصيات سياسية عدة بينها وزيرة الداخلية السابقة ريا الحسن، في وقت كان المتظاهرون يتعرضون للقمع. تراجعت القناة وعادت إلى طبيعتها بعد تراجع الانتفاضة الشعبية.

يوم الجمعة، قررت "أل بي سي آي" الامتناع عن نقل كلمتي رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، وأمين عام "حزب الله" حسن نصر الله. للوهلة الأولى، بدا الأمر للمشاهدين خبراً "سياسياً" ليس "أخلاقياً"، أي أن القناة ستقاطع فريقاً سياسياً محدداً. لكن سرعان ما اتضح في بيانها أن "قبل 4 أغسطس/آب ليس كما بعده"، أي تاريخ وقوع الانفجار الذي ضرب العاصمة اللبنانية بيروت مسفراً عن عشرات الضحايا وآلاف الجرحى والمشردين.

أعلنت القناة اللبنانية مقاطعة خطابات السياسيين يوم الجمعة

في بيان عاطفي، قالت القناة إن الأمهات ينتظرن الأبناء، وإن الهواء يجب أن يخصص لهؤلاء وليس للسياسيين، وأفادت بأنها "اعتباراً من الجمعة قررنا وقف النقل المباشر للخطابات والمؤتمرات والدردشات والبيانات، لأن ما بعد 4 أغسطس/آب ليس كما قبله، لأن ما بعد الزلزال ليس كما قبله".

بالنسبة لكثيرين، لا يعفي القرار القناة، أو أي قناة تتخذ إجراءات مشابهة، من سلسلة استفسارات تركز أولاً على السلوك المهني المتعلق بدقة التغطية وموضوعيتها، إضافة إلى عوامل أخرى كثيرة، وثانياً على مدى صلاحية القرار، وبدرجة موازية على الأشخاص المشمولين فيه. هل هناك رغبة جدية في "فلترة" الهواء من محللي الدرك الذي وصلنا إليه، والمتحدثين باسم النخبة الحاكمة، أم أننا أمام شعار "ثوري"، لا يعدو أكثر من كونه شعاراً يساير ألم الجمهور وغضبه؟ هل يعني ذلك مقاطعة النواب والوزراء وجميع مظاهر السُلطة المباشرة وغير المباشرة، مثل التظاهرات التي يجريها هؤلاء؟ هل يشبه هذا مقاطعة نشاطات وأخبار الأقلية المحيطة برئيس النظام السوري بشار الأسد مثلاً؟ كيف سيكون موقف "المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناسيونال" مثلاً إذا أبدى البطريرك الماروني استياءً شديداً من مقاطعتها لموقع رئاسة الجمهورية، كما هو مألوف في الخطاب البطريركي اللبناني؟ هل ستجد القناة وجوهاً جديدة من الانتفاضة ومن خارج بنية النظام الطائفي العميقة، مع أن البحث ليس شاقاً؟ هل قرار المقاطعة مهني في الأساس؟

خلال البحث في رحلة المهنية الشاقة، لا بد من الإشارة إلى مجموعة خرافات يتبناها النقاد الكلاسيكيون. الخرافة الأولى هي "الحقيقة". ولا يمنح هذا الحق لأي مؤسسة بتشويه الأحداث، أو تزييفها، أو التلاعب بها، لكن الحقيقة ليست مسألة ثابتة، ويمكن النظر إلى الأحداث دائماً من زوايا متعددة. لذلك، لن يقود الإعلام إلى الحقيقة، وهي ليست وظيفة منوطة به حصراً. وسيرة المقاطعة المتأرجحة التي تنتهجها "المؤسسة اللبنانية الإرسال إنترناسيونال" قد تكون دليلاً إلى ذلك. الخرافة الثانية هي "الموضوعية". وليست هذه أيضاً دعوة للانحياز، أو لتفسير الإعلام اللبناني المعلّب وتسويغه. الموضوعية المقصودة هنا هي الموضوعية المطلقة، فهناك رأي واسع حديثاً، لا يعتبر الصحافة معركة من أجل الموضوعية، بقدر ما يعتبرها جزءاً من معارك أخرى، كالحرية والعدالة الاجتماعية أو الإنصاف. بهذا المعنى، لا يعود التفسير المهني التقليدي ملزماً، ويبدو قرار المقاطعة، والانتقال إلى الدور الرقابي، أكثر اتساقاً مع الزمن الذي نحن فيه، بدلاً من تعويم السُلطة المتواصل بتعويم مبانيها وأدواتها، تحت ذريعة المهنية المتخيّلة.

لوقت طويل، شاركت القناة في صناعة "رأي عام"، أحياناً باختيار لحظات النقل والتغطية، وأحياناً بالإخفاء والتجاهل، تقريباً مثل قرار معظم القنوات اللبنانية التي تكاد نسبة تغطيتها لنشاطات "حزب الله" في سورية لا تذكر. لوقت طويل، نقلت هذه القنوات ما أراد الحزب منها أن تنقله، وكانت إحدى نقاط قوته أمامها هي شعبيته الكبيرة التي لم يعد تجاهل حضورها في النظام ممكناً بعد 2005. لكن ليست "الشعبية" مقياساً لتحديد المهنية، فـ"حزب الله" لا يزال حزباً جماهيرياً كبيراً. وعلى الرغم من تضعضع مصداقيته لدى جزء من جمهوره، فإن لا شيء حالياً ينبئ بخسارته موقعه في صدارة الحالة الطائفية اللبنانية.

نسبة تغطية القنوات اللبنانية لنشاطات "حزب الله" في سورية لا تذكر

وللربط بين المسألتين، أي قرار المحطة بالمقاطعة من جهة وشعبية الحزب من جهة ثانية، ربما يجب الانتباه إلى مسألتين أساسيتين. المسألة الأولى هي أن الحزب الذي يدير النظام اللبناني أخيراً، ويشكّل عموده الفقري في السياسة على الأقل منذ عقد، يتقدم بخطوة دائماً على المحطات الإعلامية التي تقول إنها معادية للسلطة، إذا بادر إلى مقاطعتها، قبل أن تقاطعه. منذ فترة غير قصيرة، والحزب ينتهج سياسة إعلامية صارمة، فلا يخرج نوابه ولا وزراؤه للحديث عبر وسائل الإعلام، حتى أن الشائعات المتداولة تقول إنه أصدر تعميماً داخلياً بالأمر. وبذلك تكون "المنار"، وهي المحطة التي يملكها الحزب وتتحدث باسمه، هي المرجع الوحيد لجمهور "حزب الله"، طبعاً بعد خطابات أمين عامه الذي امتنعت "أل بي سي آي" عن نقلها، وهذا ما أسهم في رفع صورة نصر الله فوق الجميع، وتنزيه هذه الصورة بالنسبة للجماهير الطائفية، وصار ما يقوله مثل موقف البابا في الكنيسة الكاثوليكية، حاسماً ونهائياً.

"حزب الله" قاطع الإعلام قبل أن يقاطعه، بمنع بثّ قنوات معينة في مناطق محسوبة عليه

المسألة الثانية هي أن "حزب الله"، ليس مثل عون وتياره، ولا الجماعة الأهلية التي يخاطبها مثل الجماعة التي يخاطبها تيار رئيس الجمهورية. فالأول، لم يجد أي صعوبة في قطع بث محطة "الجديد" من مناطق نفوذه في الضاحية التي فعلت فعلة "المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناسيونال" نفسها، فناصرت الانتفاضة بالتزامن مع ارتكاب أخطاء مهنية فظيعة، ولم يجد أي صعوبة في تبرير هيمنته على وسائل الاتصال وكل محاولات المعرفة لجمهوره. في المقابل، يبدو أنصار عون و"التيار الوطني الحر" أكثر حاجة إلى القناة المحلية، لأن جزءاً وافراً من خطابهم اللبناني حضر في المنازل عبرها، قبل وصولهم إلى السلطة في السنوات العشر الماضية.

بعد انفجار بيروت، ليست للإعلام أي وظيفة في البلاد سوى العدالة

لا يعني هذا أن القناة في وضع متقدم أخلاقياً أو مهنياً، لكنها، وإذا استندنا إلى نظرية الباحث ن. سنيوريللي في "التثقيف"، أكثر قدرة على تغيير سلوك مشاهديها. وانطلاقاً من حضورها في الوعي، يبدو قرار مقاطعتها ناجعاً في هذه الحالة، إن كانت قادرة على التأكد منه وتأكيده للمستهلكين، لأن نسبة الاستجابة مع العرض ستكون أعلى في الحالة "العونية"، منها في حالة "حزب الله". في الحالتين، الإعلام ليس مطالباً باختراع المهنية والتذرع بها، وبملء الهواء باجترار الفساد. بعد 4 آب/أغسطس، مثل الجميع في لبنان، ليست للإعلام أي وظيفة سوى العدالة.