سيمون أسمر: سماء لمعت فيها النجوم... والثقوب السوداء

12 سبتمبر 2019
الصورة
أول من وضع فكرة احتكار المغنين (مايك ماسي/تويتر)
مع رحيل المخرج سيمون أسمر (1943 ــ 2019) فجر اليوم، يطوي عالم التلفزيون في لبنان فصلاً كاملاً من تاريخه. فخلال خمسين عاماً، استطاع أسمر أن يؤسس لمدرسة مختلفة من الفنون، في الغناء، والتمثيل، والرقص، والتقليد. ولعلّ أبرز ملامح هذه المدرسة كانت الطلاق مع الحقبة الغنائية الكلاسيكية في لبنان، وافتتاح عهد آخر من موسيقى البوب التجارية، وإن تحت مسميات فنية كثيرة. هل ما فعله سيمون أسمر طوال فترة "حُكمه" الفني كان صائبًا؟ وهل تختصر الصورة الجميلة للمخرج الموهوب، سيرة الرجل الإشكالي، الذي ترك برحيله قضايا كثيرة عالقة؟ أسئلة كثيرة تُطرح، تعيدنا بالذاكرة، إلى سيمون أسمر الشاب المندفع الذي فشل في دراسته، لكنه عرف تمامًا كيف يراكم الخبرات والتجارب، فسافر إلى فرنسا، وتلقى هناك دراسة تقنية ومهنية مكّنته من العمل التلفزيوني.

بعد عودته من باريس مطلع سبعينيات القرن الماضي، اندفع إلى عالم التلفزيون. عمل في "القناة التاسعة" الفرنسية التابعة لـ"تلفزيون لبنان" (التلفزيون الحكومي والوحيد وقتها في لبنان)، قبل أن يدخل عالم المنوعات، ويؤسس لبرنامج "استديو الفن" عام 1973، الذي أكسبه شهرة تساوت مع شهرة نجوم الغناء. برنامج الهواة الأوّل والأشهر في لبنان، وضع حجر الأساس لكل برامج المنوعات اللاحقة التي عرفتها الشاشات المحلية.

لم يكن لسيمون أسمر وجه واحد. في فترة السبعينيات، حقق نجاحًا خرافيًا جعل منه أسطورة في عالم الإخراج. وما ساهم في ذلك كان غياب أي منافسة حقيقية في ظلّ وجود "تلفزيون لبنان" وحده على ساحة البثّ المرئي. يومها، عرّف أسمر جيلاً من اللبنانيين على معنى برامج الترفيه، رغم تواضع الإمكانيات المادية المتاحة. واستطاع الصمود في فترة الحرب وما بعدها، متحديًا الواقع الأمني، والسياسي، والطائفي، الذي عاشه لبنان.



منتصف الثمانينيات، عاد بعد سنوات من الغياب إلى التلفزيون، لكن هذه المرة، من بواية "المؤسسة اللبنانية للإرسال LBC" التي أسستها مليشيا "القوات اللبنانية" خلال الحرب الأهلية. الواقع اللبناني المهترئ لم يمنع أسمر من استغلال عمله مع القناة الجديدة، لإنعاش سوق التلفزيون بمجموعة ثانية من البرامج التي انتظرها الناس، وتحولت مع الوقت إلى قاعدة، قامت عليها معظم البرامج الفنية حتى يومنا هذا. هكذا عاد برنامج "استديو الفن"، وتحوّل إلى ماركة مُسجلة. فالموهبة التي تظهر في البرنامج لا بدّ أن تحقق انتشاراً واسعاً، لو لم تحظ بالفوز وتعليق الميدالية التي كان يقدمها أسمر ختام كل موسم. إذ كانت رعاية أسمر لأي موهبة، كافية لنجاحها. هذا النجاح لم يكن فقط نتيجة خطط أسمر، بل إن استفراد LBC بساحة البرامج الترفيهية، وإقصاء تلفزيون لبنان، جعل المنافسة شبه معدومة.

طيلة عشرين عاماً، بقي سيمون أسمر لغزاً، لا يعرف أحد سبب نجاحه الضخم. لكن الأكيد وقتها أن الرجل استخدم كل الأسلحة الممكنة لفرض سيطرته على عالم التلفزيون، وعلى عالم الغناء بشكل موازٍ. فأصبح أول مخرج لبناني ينشئ فكرة الاحتكار الفني ويرسّخها بهذا الشكل الفاضح، مستغلاً نجاح الفنانين الذين أطلقهم وموقعاً معهم عقودا طويلة الأمد، أدّت إلى تراكم أرباحه المالية، وتراكم أرباح القناة التي يعمل لصالحها أي "المؤسسة اللبنانية للإرسال". انطلاقاً من هذا الواقع، تأسس مكتب "استديو الفن" بداية التسعينيات، منبثقاً عن البرنامج الشهير. فكان المكتب يوقع العقود مع الفنانين ويفرض عليهم شروطاً صارمة، فإما الموافقة على بنود العقد والاحتكار والاستغلال، وإما الحرب الاعلامية ضد الفنان المعترض.

مجموعة من الفنانين الذين وافقوا على طلبات أسمر، عرفوا طعم النجاح والنجومية لا شكّ، لكنهم في الوقت نفسه كانوا ينتظرون الفرصة لانتهاء العقد والتفلت من يد المخرج اللبناني الحديدية. يتذكّر اللبنانيون جيداً فصول المعارك مثلاً، مع راغب علامة. إذ منع هذا الأخير لسنوات طويلة من الظهور على شاشة LBC بسبب رفضه عقد الاحتكار الذي عرضه عليه مكتب "استديو الفن". فكان المغني اللبناني يدفع ثمن خروجه من بيت الطاعة.

أمثلة أخرى كثيرة عرفها الوسط الفني اللبناني، رسّخت صورة سيمون أسمر كحاكم مطلق في عالم الغناء اللبناني. بقيت القبضة الحديدية هذه حتى الألفية الجديدة، وانتشار الفضائيات العربية، ثمّ ظهور جيل شاب من المخرجين اللبنانيين الشباب الذين انتفضوا على أسمر، وأسلوبه في العمل. في تلك الفترة اتجه المخرج اللبناني إلى استثمار الملايين التي جناها من عقود الاحتكار في مشاريع مختلفة، بينها افتتاح مطعم "نهر الفنون" في منطقة نهر الكلب (شرق بيروت) محاولاً تأمين مساحة فنية لخريجي "استديو الفن".

من هنا بدأ أفول نجم سيمون أسمر، وبدأت أزماته المالية تظهر، فانفضّ من حوله النجوم، وتركوه وحيداً لمشاكله التي بدت بلا نهاية، فتم توقيفه عام 2013 بتهم تحرير شيكات بلا رصيد، وصلت قيمتها إلى مليون دولار. ثمّ بدأ التحقيق معه بجريمة قتل شاب عمره 27 عاماً. قضى أسمر 10 أشهر في السجن، انتهت بخروجه بعد دفع رجل أعمال لبناني الكفالة المالية الضخمة المطلوبة. لكن حرية أسمر لم تثمر اي نجاح فني إضافي، فشارك في عدد من البرامج التي فشلت في عودته إلى الأضواء وإلى عرشه السابق، بينها "ديو المشاهير" على شاشة MTV، التي بدت مشاركته فيه، هزيلة، وبلا أي قيمة فنية حقيقية.

دلالات

تعليق: