وهم إعادة التوطين... احتيال عبر انتحال صفة موظفي مفوضية اللاجئين

عمّان

بديعة الصوان

بديعة الصوان
بديعة الصوان
صحافية أردنية
19 يونيو 2023
+ الخط -

يستغل محتالون أوضاع اللاجئين اليائسة وحاجتهم للاستقرار وتأمين ظروف إنسانية لأسرهم في نصب شراك احتيال عبر ادعاء قدرتهم على إعادة توطينهم في بلد ثالث مقابل المال، وهو ما يخالف قوانين المفوضية السامية للأمم المتحدة.

- خسر الستيني السوري المقيم في تركيا يوسف حمد، كل مدخراته في عملية احتيال على يد موظف سابق في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، (يحتفظ العربي الجديد باسمه)، إذ زعم أنه يعمل في مكتب إدارة الهجرة التركية في شيشلي بإسطنبول، ويمكنه مساعدة حمد وأسرته على السفر إلى كندا.

لم يشك حمد في الأمر إذ جرى استدعاؤهم إلى مقابلة في مقر إدارة الهجرة في إبريل/نيسان 2022، و"كانت جميع المؤشرات مطمئنة" لأنهم داخل مقر دائرة حكومية محاطة بالأمن ولا يدخلها المراجعون إلا بمواعيد وبعد سلسلة تفتيش طويلة، ما جعله يستبعد أي احتمال لوقوعه في احتيال، خاصة أنه قابل 7 أسر سورية جاءت لذات الغرض كما يقول.

وبعد مضي 3 أيام من الإجراءات، فوجئ حمد بزيارة شخص يدعي أنه من مكتب إدارة الهجرة جاء ليخبرهم أن مسألة السفر إلى كندا ستطول وأن السبيل الوحيد لتسريع الملفات هو إعادة توطينهم في بريطانيا مقابل دفع 2500 يورو للشخص الواحد شاملة تكاليف السفر، يقول حمد أنه وبقية العائلات دفعوا مبلغ 86 ألف يورو، وفي 8 إبريل 2022 تلقوا رسائل عبر البريد الإلكتروني تفيد بأن الملف الأمني والطبي لهم جرى قبوله في المملكة المتحدة وتم تحديد يوم مغادرتهم في 25 يونيو/حزيران 2022، ومن بعدها فقدوا الاتصال بكل الأطراف، ما اضطرهم إلى الذهاب إلى مقر الدائرة حيث قدموا أوراقهم، فتلقوا إجابة مفادها أن لا أسماء لهم ولا ملفات، فأيقنوا حينها أنهم كانوا ضحية عملية احتيال منظمة، وما يؤكد ذلك، إعلان صادر عن مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كندا، في 9 إبريل 2022، يكشف أن الموظف المتورط والموجود في تركيا، تم إيقافه عن العمل بسبب ثبوت تورطه في الاحتيال على العديد من الأسر وخداعهم بالسفر إلى كندا.

الصورة
وهم التوطين2
رسائل وهمية تلقاها لاجئون سوريون عبر البريد الإلكتروني بشأن تحديد سفرهم إلى بريطانيا (العربي الجديد)

وتكرر ما وقع لأسرة حمد مع 20 حالة احتيال يوثقها التحقيق، تعرض لها اللاجئون السوريون في الأردن وتركيا ولبنان، من قبل أشخاص يتظاهرون بأنهم موظفون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو المنظمات غير الحكومية أو يزعمون أنهم وكلاء أو سماسرة يمكنهم مساعدتهم في إعادة توطينهم في بلدان أوروبية في غضون أشهر، مقابل دفع مبالغ مالية.

كيف تُنصب الشراك؟

تُعرّف إعادة التوطين بأنها "عملية تؤدي إلى حل دائم في بلد ثالث للاجئين الذين لا يستطيعون الاندماج محليا أو العودة إلى بلدهم الأصلي وممن لديهم احتياجات حماية مستمرة في البلد الذي يعيشون فيه"، بحسب ما نشرته المفوضية على موقعها، موضحة أنها تتضمن اختيار اللاجئين ومساعدتهم على السفر من البلد الذي فروا إليه والتمسوا الحماية فيه، والذهاب إلى بلد آخر دقق ملفاتهم ووافق على قبول الفرد/الأسرة وتوفير الإقامة الدائمة لهم، وتعتبر فرص إعادة التوطين محدودة للغاية، ولا تتوفر إلا للاجئين الذين تتعرض حياتهم، أو حريتهم، أو سلامتهم، أو صحتهم، أو حقوقهم الإنسانية الأساسية للخطر في البلد الذي يلتمسون فيه اللجوء، وتحدد المفوضية اللاجئين الذين ستقوم بإعادة توطينهم، وبعد أن تجري معهم المقابلة الأولية، تعدّ ملفا لهم، حسب البيانات المنشورة على موقعها.

الصورة
وهم التوطين 3
معلومات تنشرها المفوضية للتعريف بإعادة التوطين (العربي الجديد)

ويستغل المحتالون استعانة بعض دول إعادة التوطين بمنظمات ذات صلة تقدم الدعم لترتيبات السفر والفحوصات الطبية والتوجيه الثقافي، مثل المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وممثلين عن حكومات دول إعادة التوطين، ووكالات الخدمة الاجتماعية في بلد إعادة التوطين، وكذلك المنظمات غير الحكومية المتخصصة بالخدمات القانونية، للتحايل على لاجئين سوريين بالادعاء أنهم تابعون لواحدة من هذه الجهات، ويطلبون مبالغ مالية تحت ذريعة إتمام إجراءات إعادة توطينهم كما يوثق التحقيق، علما "أن كل تلك الخدمات من هذه المنظمات مجانية مثل المفوضية، ولا ينبغي لأي منظمة أن تطلب أموالا أو دعما من اللاجئين" وفق ما تقوله المفوضية على موقعها، وبحسب رد مكتب المفوضية في الأردن على "العربي الجديد"، فإنه :"لا تتم إعادة التوطين من خلال طلب خاص، ولا ينبغي افتراض اللاجئ أن لديه ملفا لإعادة التوطين إلا بعد الحصول على مشورة من قسم إعادة التوطين في مكتب المفوضية".

ما سبق يؤكده المحامي السوري زهير مارديني الذي كان يعمل في تركيا قبل انتقاله إلى فرنسا، وتلقى استشارات من لاجئين سوريين هناك بشأن استعانتهم بشركات ومكاتب لإعادة توطينهم، قائلا إن إعادة التوطين من اختصاص المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فقط، ولا صلة لمكاتب أو شركات فيها، مشيرا إلى أن هناك مكاتب أيضا مختصة بتسهيلات الهجرة وإعداد ملفات مقدمي طلبات الحصول على تأشيرات، "هذه يكون عملها مشروعا في حال كانت معتمدة من سفارة الدولة المستضيفة"، ويفترض أن تتقاضى رسوما إدارية بسيطة ولا صلة لها بإعادة التوطين، بينما غير المعتمدة من السفارات هدفها الأساسي التحايل من أجل جمع المال، على الرغم من معرفتها بأن نسبة الحصول على الموافقة للهجرة ضئيلة لكنها تستمر في استهداف الضحايا.

يزعم المحتال أنه موظف لدى مفوضية اللاجئين أو يعمل مع منظمات داعمة

"ويستخدم المحتالون قنوات مختلفة للتواصل مع اللاجئين، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وتبلغ المفوضية السُلطات بهذه المخطّطات وتنسق معها، مع تفعيل حملات التوعية للاجئين لتجنب الوقوع في شرك المحتالين والتبليغ عنهم فورا"، بحسب رد مكتب المفوضية في لبنان الذي تلقاه "العربي الجديد" لكن  تحقيق "العربي الجديد" رصد 20 صفحة على فيسبوك تحمل أسماء ذات صلة بإعادة التوطين ويدّعي القائمون عليها أنهم قادرون على مساعدة اللاجئ في ذلك مقابل المال.


لماذا يصدق اللاجئون المحتالين؟

تواصل "العربي الجديد"، مع شركة يحتفظ باسمها، تزعم أن مقرها في تركيا، وأكدت خلال ردها على استفسارات معدة التحقيق قدرتها على إعادة توطين اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا ولبنان والأردن، لكنها لا تباشر في العمل على الملف إلا بعد أن تستلم 780 دولارا، على أن يستكمل المعنيّ باقي الرسوم بعد انتهاء العمل وهي 4000 دولار للفرد، أما الأسرة فتدفع 8000 دولار بغض النظر عن عدد أفرادها، مؤكدة على أنها ليست منظمة خيرية ولا تستقبل الحالات الإنسانية وفي حال عدم توفر الرسوم  لدى اللاجئ لا يقبل الملف ويتم إتلافه.

الصورة
شركة تركيا
ردود شركة تدّعي أنها مختصة بخدمات إعادة توطين اللاجئين (العربي الجديد)

وتزعم الشركة أن هناك حالات تتسبب بإلغاء ملف إعادة التوطين مثل وجود أي قيد إجرامي أو حكم قضائي بحق اللاجئ وفي حال وجود أي مرض معد أو إرفاق أوراق مزورة، مدعية أنها تمكنت من إعادة توطين  170 ألف عائلة من عدة بلدان، وهم الآن يستفيدون من المزايا التي تمنحها الحكومة الكندية من سكن ودراسة للأطفال وعمل، وراتب لمدة عام.

مكاتب وشركات تدعي أنها متخصصة في إعادة توطين اللاجئين

و"دفعت سنوات اللجوء إلى جانب الأزمة الاقتصادية الحالية في لبنان بالعديد من العائلات إلى الفقر المدقع وأجبرتهم على اتخاذ قرارات صعبة وخيارات يائسة، إذ بات 90% من اللاجئين في لبنان بحاجة إلى مساعدات إنسانية حيويّة، لذلك فإن هذه الظروف تدفع اللاجئين إلى تصديق المحتالين والتعلق بالوهم على الرغم من استمرار حملات التوعية والتي تؤكد على حقيقة أن جميع خدمات المفوضيّة ومن بينها إعادة التوطين مجانية، كما تقدّم المفوضية للاجئين المشورة بشأن العملية القانونية ومجرياتها"، بحسب ما جاء في رد مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان المكتوب، على أسئلة "العربي الجديد".

الصورة
وهم التوطين 4
تنشر المفوضية تحذيرات متكررة من "وسطاء إعادة التوطين" ل (العربي الجديد)

وعلى الرغم مما تنشره المفوضية من تحذيرات على صفحاتها على فيسبوك منذ عام 2018، لتنبيه اللاجئين من الوقوع في فخ وهم إعادة التوطين، صدق اللاجئ السوري في مدينة جبيل شمال بيروت، عبدالله حاج عبدالله، وعود شاب يقيم في تركيا، وتحتفظ "العربي الجديد" باسمه وبياناته، زعم أن بإمكانه إعادة توطينه هو وأسرته في فرنسا بالتعاون مع المفوضية.

ويلتقط المحتال ضحاياه عبر مجموعات منتشرة على فيسبوك يتبادل فيها اللاجئون معلومات حول إعادة التوطين والهجرة، وهو ما حصل مع حاج عبدالله الذي بدأ تواصله مع المحتال عبر فيسبوك، ليعده بأنه بمجرد وصوله لفرنسا سيحصل على منزل وراتب شهري من الحكومة الفرنسية، وتعليم أطفاله مجانا وتوفير فرصة عمل له.

ودفعت تلك الاحتياجات حاج عبدالله إلى منح المحتال 25 ألف دولار تكاليف إعادة توطينه هو وأسرته، وفق روايته لـ"العربي الجديد"، قائلا: "أرسلت الحوالات للشاب في تركيا على دفعات بتواريخ 26 ديسمبر/كانون الأول 2021، وفي 21 فبراير/شباط 2022، وفي 23 مارس/آذار 2022، مقابل إعداد ملفي وتقديمه للمفوضية، وكانت الدفعة الثانية مقابل فحوصات طبية، والدفعة الأخيرة مقابل تذكرة السفر لي ولأسرتي"، إلا أن المماطلة وتهرب المحتال من الرد عليه بعد ذلك، جعل حاج عبدالله يعرف أنه وقع في فخ، وبدأ يطالب المحتال باسترداد أمواله التي دفعها إلا أنه لم يستجب له حتى اليوم.

الصورة
وهم التوطين5
المبالغ المالية التي أرسلها اللاجئ عبدالله حاج عبدالله للمحتال (العربي الجديد)

ويُجمع السوريون الذين يوثق التحقيق حالاتهم على أن مزايا الحصول على بيت وعمل وراتب شهري وتعليم الأطفال، لمن يسعى للهروب من الظروف البائسة التي يعيشونها في بلدان اللجوء وأملا بحياة كريمة في أي دولة أوروبية، كانت كفيلة بدفعهم إلى تصديق المحتالين الذين يزعمون أنهم قادرون على تأمينهم عبر إعادة التوطين.

انتحال صفة موظفي المفوضية

تكشف الدعوى رقم 1164/2019 والتي نظرت فيها محكمة صلح جزاء عمان حول حادثة احتيال تعرض لها لاجئ سوري بحسب محرك البحث القانوني "قسطاس"، أن ثلاثينيا أردنيا أوهم لاجئا سوريا بأنه موظف في مفوضية الأمم المتحدة ويستطيع أن يؤمن له ولأفراد عائلته توطينا من خلال السفارة الكندية بدون مقابل شريطة دفع رسوم الطلب وقدرها خمسمائة دينار أردني (705 دولارات)، ووافق اللاجئ على ذلك وسلم المشتكى عليه المبلغ وجوازات السفر الخاصة به وبأفراد عائلته، إلا أن الشاب الأردني وبعد استلامه للمبلغ والجوازات توارى عن الأنظار، وتقدم اللاجئ السوري بشكوى بحقه، وقضت المحكمة في 28 فبراير/شباط 2019 بأنه ارتكب جنحة الاحتيال وفقا للمادة 417 من قانون العقوبات الأردني، وحكمت عليه بالحبس ستة أشهر ودفع الرسوم وغرامة 100 دينار (141 دولارا) ونظرا لإسقاط المشتكي حقه الشخصي قررت المحكمة وعملا بأحكام المادة 100 من قانون العقوبات تخفيض العقوبة بحقه لتصبح الحبس ثلاثة اشهر ودفع الرسوم وغرامة خمسين دينارا (70 دولارا).

وبالبحث عبر محرك البحث القانوني (قسطاس)، تبين أن المحاكم الأردنية نظرت في ثلاث قضايا متعلقة بقضايا احتيال على السوريين في مسألة إعادة التوطين، وكذلك 6818 قضية متعلقة بقيام أشخاص بإيهام اللاجئين بقدرتهم على تهجيرهم إلى بلد أوروبي.

الصورة
النعيمي
خداع اللاجئين السوريين برسائل مزيفة (العربي الجديد)

من بين هؤلاء، السوري المقيم في عمّان، أبو عبود النعيمي (اسم مستعار بناء على طلبه)، والذي التقى بشخص يزعم أنه موظف في مكتب المفوضية في الأردن ويمكنه مساعدته في مسألة إعادة توطينه وأسرته في كندا، وبناء على ذلك حول له 1135 دولارا بتاريخ 14 أبريل 2022 بحسب ما يظهره سند التحويل الذي اطلعت عليه "العربي الجديد"، ثم تلقى النعيمي في 16 مايو/أيار 2022 رسالة نصية عبر هاتفه اطلع عليها "العربي الجديد"، تخبره أن لديه موعدا في السفارة الكندية في 16 يونيو/حزيران 2022 وتمت الموافقة على إعادة توطينهم في كندا بنجاح، تلاها اتصال من شخص يدعي أنه يعمل لدى مكتب المفوضية في الأردن أيضا، ليبلغه أن ملفه لإعادة التوطين تم قبوله، وما لبث أن فقد الاتصال مع المحتال الذي استلم المال، فلجأ النعيمي إلى مكتب المفوضية التي أكدت له أنها لم تستدعه للمقابلة ليكتشف بعدها أنه ضحية احتيال.

ذات صلة

الصورة
تضررت مخيمات النازحين السوريين في لبنان من الأمطار الغزيرة (فيسبوك/الدفاع المدني)

مجتمع

أغرقت الأمطار التي يشهدها لبنان والتي اشتدت أول من أمس (السبت)، العديد من مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان، لا سيما تلك الواقعة في المناطق المنخفضة.
الصورة
مبيدات

تحقيقات

تنتشر مبيدات وأسمدة مغشوشة ومصنعة محلياً في الشمال السوري، الذي يعاني من أزمة غذاء وسط تزايد أعداد اللاجئين ومحدودية الأراضي، ما أسفر عن خسائر متفاوتة الحجم حسب أنواع المحاصيل التي تشكل خطراً على حياة متناوليها
الصورة
مظاهرة في إدلب تنديداً بترحيل اللاجئين السوريين من لبنان (العربي الجديد)

سياسة

تظاهر مئات الأشخاص، اليوم الجمعة، في مدينة إدلب، شمال غربي سورية، احتجاجاً على ترحيل لاجئين سوريين من لبنان.
الصورة
نازح مبعد عن أبنائه شمال غرب سورية (العربي الجديد)

مجتمع

يعيش النازح حمدو صايل الأحمد في مخيم أرض السوس قرب قرية حربنوش شمال غربي سورية، في خيمة صغيرة مهترئة دون أدنى مقومات الحياة وسط ظروف قاسية، لعل أقساها أنه يعيش وحيداً بعد أن أبعدته الحرب عن أبنائه الاثني عشر.