وفاة قبل الأوان [5/4]... عيادات خاصة تستغل آلام المرضى الجزائريين

الجزائر
إيمان الطيّب
23 سبتمبر 2020

لجأ الثلاثيني الجزائري عبد النور الصغير إلى عيادة خاصة لعلاج الألم في العاصمة، محاولاً تخفيف آلام والده المصاب بسرطان الرئة، بعد رفض مركز معالجة السرطان الحكومي بيار وماري كوري، إدخاله إلى قسم تسكين الألم، بذريعة أن السرطان تمكن من جسده، ولا فائدة من العلاج، حتى أن الطبيب المعالج طلب من الصغير، "أخذ والده إلى المنزل والدعاء له"، ولكن شاءت الأقدار أن يعيش 6 أشهر أخرى بعد تسريحه من المستشفى، كانت هي الأصعب، إذ عانى المريض قبل وفاته في يونيو/حزيران عام 2018، من آلام حادة، دفعت العائلة للبحث عن عيادة خاصة لمحاولة تسكين الألم، لكنها اشترطت دفع 60 ألف دينار في الليلة، أي ما يعادل 465 دولاراً أميركياً، ولم تمنح الصغير، تفاصيل خطة معالجة الألم التي سيخضع لها الوالد، ما جعله، يعدل عن الفكرة، إذ تفوق الكلفة قدرته المالية، إلى جانب غموض نوع العلاج.

معاناة والد الصغير ترجع إلى محدودية الإمكانيات والضغط الكبير على المستشفيات الحكومية ما يدفع الأطباء إلى تسريح المرضى الميؤوس من شفائهم وإرسالهم إلى منازلهم، وفق ما أقر به البروفيسور كمال بوزيدي، رئيس الجمعية الوطنية للأمراض السرطانية، ورئيس مركز الأورام السرطانية بيار وماري كوري، قائلاً في حديثه لـ"العربي الجديد"، "بقاء المرضى الميؤوس من علاجهم في المستشفى غير ضروري خاصة بعد عدم نجاعة الأدوية واستنفاذ كل المحاولات، وفي حالة بقائهم يؤثر ذلك على الإمكانيات الضعيفة في ظل الضغط الكبير، وقد تتكفل المستشفى بإيفاد طبيب أو ممرض للاطلاع على حالته في منزله".

خدمات حكومية شحيحة

اعتمدت وزارة الصحة الجزائرية  7 مراكز لتقديم خدمات الرعاية التلطيفية لكنها مخصصة لمرضى السرطان فقط، منذ بداية عام 2019، وتتواجد في كل من مستشفى مصطفى باشا والأبيار وبني مسوس والرويبة بالعاصمة، بالإضافة إلى المراكز الموجودة في مستشفيات ولايات باتنة ووهران وتلمسان، وفقاً لبوزيدي.

لكن أقسام الرعاية التلطيفية تلك، تخلو من أطباء متخصصين بعلاج الألم والرعاية التلطيفية، وتكتفي بطبيب الأورام الذي يتكفل بمنح العقاقير والأدوية المسكنة للمريض، وذلك بسبب نقص الأطباء المتخصصين في هذا المجال، والذي لا يدرّس في الجزائر، وفقاً لرئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث، (مؤسسة مستقلة تعنى بتطوير الصحة)، مصطفى خياطي وهو ما يؤكده رئيس فرع الجنوب والطبيب المختص بعلاج الألم سليم عبادو، والذي لفت إلى أن عدد المتخصصين في علاج الألم بالجزائر 10 أطباء.

الصورة
الجزائر4

ويؤكد بو زيدي على ذلك، بقوله أن الطاقم الطبي يحاول وقف ألم مريض السرطان، ويصفون له مسكنات أفيونية عندما يشتد المرض في المراحل الأخيرة، بالإضافة إلى العقاقير التي توقف تفشي السرطان، ويتابعون وضعيات المريض، نظراً لأهمية إبقائه واقفاً لبعض الوقت، مع تغيير جهة نومه منعاً لتفتت جلده أو تضرره، نتيجة احتكاكه لمدة طويلة بالسرير، مع وضعه على جهاز الأوكسجين للتخفيف عنه، وإرشاد عائلته للعناية به نفسياً.

وبينما سجلت الجزائر 50 ألف حالة سرطان جديدة، توفي 20 ألفاً منهم في عام 2019، غير أن من خضعوا للعلاج التلطيفي بلغ عددهم 1000 مريض، أي ما نسبته 2% من إجمالي المصابين فقط، وهي الطاقة الاستيعابية للمراكز السبعة، في حين تم إقصاء 19 ألف مريض من خدمات الرعاية التلطيفية، وفقاً لعبادو، والذي يرى في إفادته لـ"العربي الجديد" أن وزارة الصحة الجزائرية تهمل العلاج التلطيفي ومكافحة الألم".

عيادات خاصة تستغل المرضى

عدم شمول المرضى المصابين بأمراض مزمنة ضمن خدمات الرعاية التلطيفية وعلاج الألم في المشافي الحكومية، والنقص الكبير للطواقم الطبية المتخصصة في الرعاية التلطيفية بمراكز علاج السرطان، يدفع المرضى وذويهم إلى البحث عن عيادات خاصة للموت دون ألم، كما يكشف التحقيق.

ويعتمد العلاج في عيادات علاج الألم الخاصة على استخدام مسكنات الألم، أو التنويم المغناطسي الذي يقوم بتشتيت تركيز المريض بعيداً عن ألمه، من أجل التغلب على الأمر بطريقة نفسية، إلى جانب الطريقة الفيزيائية المتمثلة بالعلاج بالبرد، ووضع المريض في الثلج لتسكين أوجاعه، أما الطريقة الأحدث فهي الشرارة الكهربائية التي تشوش على الخلايا التي ترسل الألم إلى المخ، وهي طرق معتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية، ومعترف بها في جامعات أوروبية عديدة منذ عام 1990، كما يوضح عبادو الذي يعمل في عيادة خاصة في ورقلة جنوب الجزائر، بعدما خضع هو وبقية أطباء الألم المؤهلين لتكوين حول هذه التقنيات في معهد الطب بفرنسا باري ديكارت.

لكن المرضى ممن يتمنون تخفيف آلامهم الشرسة، يصطدمون بكلف العلاج المرتفعة جداً لدى لجوئهم للعيادات الخاصة، وغالباً ما تفوق قدراتهم المالية، وفقاً لرئيسة لجنة الصحة بالبرلمان الجزائري عقيلة رابحي، وهذا ما يؤكده عبادو، موضحاً أن كلفة جلسة التنويم الواحدة في عيادته تصل إلى 7 آلاف دينار جزائري (54 دولاراً)، في حين يحتاج المريض لأربع جلسات على الأقل شهرياً، وسعر جلسة وقف الألم بالكهرباء، 3000 دينار (23 دولاراً)، ويفترض تكرارها لدى عودة الألم والذي قد يعود بعد بضع ساعات، منوهاً إلى أن هذه الآليات ما هي إلا جزء من العلاج التلطيفي، ولا تضمن للمريض الاستشفاء داخل العيادة. 

الصورة
الجزائر3

وتواصلت معدة التحقيق مع القائمين على عيادة الأزهر الخاصة في العاصمة، بحثا عن مكان للاستشفاء لمريض سرطان وصل مرضه لمرحلة متقدمة، فتلقت رداً بأن دخول المريض للاعتناء به في أيامه الأخيرة يكلف 80 ألف دينار يومياً (622 دولاراً)، و200 ألف دينار كدفعة مسبقة، أي ما يعادل 1556 دولاراً، وهي مبالغ "ضخمة ومرهقة للمريض"، وفق رابحي.

تجاوزات في العيادات الخاصة

يتلقى مجلس أخلاقيات الطب شكاوى عن عيادات خاصة تتلاعب بمرضى السرطان الميؤوس من علاجهم، منها عيادات جزائرية، وأخرى أجنبية وفق ما يؤكده لـ"العربي الجديد"، البروفيسور محمد بقاط بركاني، رئيس المجلس والذي يعد هيئة مستقلة مكونة من أطباء لضبط تجاوزات ممارسي المهنة، (تأسس بمرسوم حكومي سنة 1992)، قائلاً أن 10 شكاوى وصلت المجلس خلال عام 2019، وهناك الكثير من المرضى الذي يُستغلون لكن لا يقدمون شكاوى، وخاصة مرضى السرطان الذين يحتاجون إلى تسكين ألمهم في المراحل الأخيرة، ويتعلقون بآمال كاذبة توهمهم بها عيادات خاصة يلجأون لها بسبب ضعف الرعاية التلطيفية وعلاج الألم في قطاع الصحة الحكومي.

ولا يوجد في قانون الصحة المعدل عام 2018، نص قانوني يلزم بتعميم العلاج التلطيفي على المستشفيات الحكومية أو الخاصة، كما أنه لا يحدد مفهوم العلاج التلطيفي، وطرقه والجهات المخولة بممارسته، وفقاً للبروفيسور مصطفى خياطي، رئيس الهيئة الوطنية لتطوير الصحة وترقية البحث (هيئة مستقلة لتطوير البحث في الصحة والتضامن والتكفل)، ما يتيح لعيادات خاصة استغلال آلام المرضى، بارتكاب تجاوزات صحية، تسببت لاحقاً بفقدان ثقة العديد من المرضى وذويهم بها، بحسب تأكيد رئيسة لجنة الصحة بالبرلمان الجزائري عقيلة رابحي لـ"العربي الجديد".

وخصصت الحكومة الجزائرية ميزانية 110 مليار دينار (820 مليون دولار) لقطاع الصحة عام 2020، بهدف ضمان مجانية العلاج، لكن هذه الميزانية لا تغطِي احتياجات العلاج التلطيفي داخل المستشفيات الحكومية، والذي ينظر له كعلاج تكميلي وغير إلزامي، وفقاً لما تؤكده رابحي.

تقنيات خطرة

سحبت وزارة الصحة في السنوات الخمس الأخيرة تراخيص 5 عيادات خاصة لعلاج الأورام، كانت تدّعي تقديم العلاج التلطيفي، وفقاً لتوضيح رابحي، مشيرة إلى أن التقنيات الموظفة في العلاج، قد تكون خطرة وغير معتمدة كما حدث في عيادة مختصة في معالجة السرطان بولاية البليدة جنوب العاصمة، أغلقت لاعتمادها على تقنية " الكوبلت" أو التشعيع الداخلي في علاج السرطان، والتي ثبت خطورتها دولياً في حال عدم مراعاتها لمجموعة من الشروط، وتكرر ذات الأمر مع عيادة الأزهر، الحاصلة على ترخيص لتأسيس مركز لعلاج السرطان بالأشعة النووية، دون أن تنشئ المبنى وفقاً للاشتراطات المطلوبة، منعاً لتسرب الأشعة.

وتتهم رابحي بعض العيادات الخاصة باستغلال المريض وإيهامه بأنها قادرة على علاجه بهدف تحقيق الربح السريع على حساب صحته، خاصة وأن ميسوري الحال يتوجهون لتلك العيادات، هرباً من الضغط في المستشفيات الحكومية، ويقعون فريسة الاستغلال، بينما يرى عبادو أنه لا ينبغي وضع جميع العيادات الخاصة في قفص الاتهام، فمنها ما تحول إلى متنفس وحيد للمريض في لحظاته الأخيرة، بينما يقول البروفيسور بوزيدي أن العيادات الخاصة لا تحبّذ استقبال المرضى ممن يصلون إلى المراحل الأخيرة، لإخضاعهم للعلاج التلطيفي، لأن هذه التقنية في نظره غير مربحة مقارنة مع مراحل علاج السرطان الأخرى، والتي تجعلهم يجنون مبالغ طائلة من معالجة القابلين للشفاء.

هياكل دون روح

يصف بركاني أقسام العلاج التلطيفي الحكومية، بأنها مجرد "هياكل دون روح"، نتيجة افتقارها للأطباء المتخصصين في المجال، ومعاناتها من مشاكل في تجهيز هذه الأقسام، إضافة إلى الضغط الكبير عليها، مؤكداً على ضرورة إعادة النظر في تسيير قطاع الصحة ككل.

وعلى الرغم من أهمية العلاج التلطيفي لمرضى السرطان والمفاصل والأعضاء المبتورة، وحتى حالات الولادة المستعصية، والأمراض العقلية التي تصاحبها آلام جسدية، كما يوضح عبادو، لكنه "غائب في الجزائر، بسبب نقص المتخصصين الذين يدرسون هذا المجال في فرنسا ولا يعودون".

الصورة
الجزائر5

"النقص الكبير في المتخصصين بالرعاية التلطيفية والإمكانيات الحكومية المحدودة"، رصده أكرم حشاش، الناشط في جمعية الأمل لرعاية مرضى السرطان والذي شكا من نقص أدوية تخفيف الألم كالمورفين والترامادول في الصيدليات، كونها تصنّف ضمن الأدوية المخدرة، ويبدي استياءه من نقص الإمكانيات والأسرة في مراكز العلاج التلطيفي الحكومية، وغلاء أسعار العيادات الخاصة، مشيراً إلى تفاصببل معاناة 3 مرضى مروا بألم قاس قبل وفاتهم، بسبب رفض المشفى الحكومي إدخالهم، وعدم قدرتهم على طلب خدمات العيادات الخاصة، ومنهم سهيلة زايري، التي توفيت بسرطان الرئة العام الماضي، ومحمد سالم الذي كان يعاني من سرطان الكبد، والطفل ذو الخمسة عشر عاماً، أمين بايري الذي كان مصاباً بسرطان الدماغ، حينذاك، ورفض مركز بيار وماري كوري استقبالهم، و"مات ثلاثتهم بطريقة مؤلمة جداً ودون الاستفادة من حق العلاج التلطيفي".

ويرد مدير الصحة الولائي في باتنة شرقي الجزائر، فريد عبد السلام، بأن تجربة العلاج التلطيفي في الجزائر لا تزال جديدة، ولم يمض على اعتمادها إلا سنة وبضعة أشهر، وتزامنت مع تفشي وباء كورونا والتحديات الجديدة التي تعصف بقطاع الصحة، معترفاً في إفادته لـ"العربي الجديد" أن هناك نقصاً في عدد المراكز، وأطباء الألم، مشيراً إلى وجود طبيب واحد على مستوى كل مركز، وهناك مراكز تفتقد لهذا التخصص لغاية الآن، منوهاً إلى مخططاتهم بتطوير العلاج التلطيفي في البلاد ضمن برنامج عمل وزارة الصحة، وعدم حصره مستقبلاً بمرضى السرطان.

ذات صلة

الصورة
العراق 1

تحقيقات

تسيطر فوضى كبيرة على قطاع الرعاية الصحية في العراق منذ الاحتلال الأميركي، غير أنها كانت مستترة وراء أخبار وأحداث الصراع، لكن جاءت جائحة كورونا لتكشف تفاقم الوضع ما جعل العراق الأول عربيا في عدد الوفيات بسبب الفيروس
الصورة
رواندا 1

تحقيقات

تغير مسار الحياة المهنية للطبيب الرواندي نيزيميرا كريستيان، بعدما وقف عاجزاً أمام توسلات أسرة شاب تم تشخيصه بسرطان الخلايا الكبدية، عانى من آلام رهيبة، ما دفعه لسؤال نفسه "لماذا قضيت سنوات عديدة في كلية الطب ولا أستطيع تخفيف ألم مريضي؟".
الصورة
المغرب

تحقيقات

على الرغم من إقرار وزارة الصحة المغربية لآليات مأسسة التكفل بالألم، من مشاف ومراكز وحتى في منزل المريض، لكن وحدات العلاج التلطيفي الموجودة حالياً، وعددها ستة مراكز، ليست متاحة إلا لبعض مرضى الأورام، بينما يعاني آخرون في صمت ويحلمون فقط بالنوم
الصورة
تحقيق مصر 88

تحقيقات

يحدّ النقص في الكوادر الطبية المؤهلة لإدارة الألم، وضعف التمويل من التوسع في توفير الرعاية التلطيفية لمرضى الأمراض المزمنة بمصر، إذ يتطلب الأمر تشكيل فرق متكاملة من المتخصصين الذين تفتقر لهم المشافي في ظل وجود سوق سوداء للمسكنات وعلى رأسها الترامادول