اختطاف أطفال الجزائر.. العفو الرئاسي والعقوبات المخفّفة يشجعان الجناة

25 ابريل 2016
الصورة
3412 تدخل من الشرطة الجزائرية لإنقاذ أطفال في2015(فرانس برس)
+ الخط -
لم تكن والدة الطفل الجزائري أيمن ميهوبي، تدرك أن مجرد التفاتة لا تستغرق سوى دقائق بينما تتجول في سوق شعبي ببلدية بوفاريك في ولاية البليدة، جنوبي العاصمة الجزائر، برفقة ابنها، ستكلفها كل هذا الحزن والعناء، منذ اختفاء وحيدها ذي الخمسة أعوام في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2015، إذ لم تعد تتذوق طعم الحياة، كما تقول.

ورغم قسوة احتمال اختطافه، من طرف عصابات "متخصصة"، كما تصفها الجهات الأمنية، فإن أمّ أيمن تمنت هذا المصير للصغير، مفسرة ما تتمناه يقولها "المأساة ستنتهي بمجرد دفع مبلغ مالي للخاطفين كما حدث مع حالات عديدة".

أرقام مخيفة

وفقا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"، فإن حالة الطفل المخطوف أيمن، ليست وحيدة، إذ رصد تقرير للمنظمة 1100 حالة خطف للأطفال في الجزائر من العام 2001 إلى يناير/ كانون الثاني 2016.

وبحسب إحصاءات صادرة عن مكتب حماية الطفولة بالمديرية العامة للأمن الجزائري، فإنه قد تم تسجيل 256 حالة اختطاف للأطفال في العام 2013، و1818 حالة اعتداء جنسي تعرّض لها الأطفال من بين 6321 حالة اعتداء من مختلف الأنواع، خلال العام نفسه، فيما تم تسجيل 195 حالة اختطاف للأطفال في العام 2014، بينهم 143 من الإناث و52 من الذكور.

ووفقا لإحصائيات خاصة حصلت عليها "العربي الجديد" من مكتب حماية الطفولة بالمديرية العامة للأمن الجزائري، فإن الظاهرة عرفت ارتفاعا عن السنتين الماضيتين خلال العام المنصرم 2015، إذ تمّ رصد 287 حالة خطف، من بينهم 198 فتاة و89 فتى، تراوح أعمارهم ما بين 4 و16 سنة، بمعدل 23 حالة خطف كل شهر، بينما تقدّر أعداد ضحايا القتل العمدي بـ29 حالة، منهم 17 ذكرا و12 أنثى.

وأشارت الإحصائية إلى تسجيل 3412 تدخلاً لمصالح الشرطة القضائية لإنقاذ أطفال كانوا في حالة خطر، في حصيلة هي الأكبر منذ 3 سنوات، بحسب مصدر أمني. وتصدرت ولاية وهران، غربي الجزائر، قائمة الاختطاف بـ31 حالة خلال السنة الماضية، تليها الجزائر العاصمة إلى جانب ولاية بومرداس وبجاية ومستغانم وباتنة.

وبحسب تقرير للمجموعة الولائية للدرك الجزائري في العاصمة، فإن الحالات الثلاث الأولى لاختطاف الأطفال سنة 2015، تم ضبطها في مدينتي الرغاية وبرج الكيفان (الضاحية الشرقية)، وفي الحي الجديد بدرارية، وسط العاصمة.



دوافع مادية وجنسية

تكشف محاضر أبحاث المعهد الجزائري للأدلة الجنائية وعلم الإجرام الصادرة في العام 2015، حصلت "العربي الجديد" على نسخة منها، أن 52% من حالات اختطاف الأطفال تعود دوافعها لخلافات شخصية بين الخاطف وعائلة الضحية والتي غالبا ما تكون بدافع الانتقام، فيما قامت شبكات إجرامية منظمة بتنفيذ 29% من عمليات خطف الأطفال وطلبت فدية من ذوي عائلات المخطوفين، في حين أن 12% من الحالات كان دافعها جنسيا، وتمثل المتاجرة بالأعضاء نسبة 5%، وتبقى 2% من حالات الاختطاف مجهولة الأسباب.

ويمثل ذوو السوابق العدلية نسبة 87% من مجموع الجناة، ممن سبق لهم التورط في قضايا قتل ومتاجرة بالمخدرات. وتكشف الأبحاث أن 8% من الخاطفين لديهم صلة قرابة بعائلات الضحايا.

تعبّر الدكتورة صباح عيّاشي، خبيرة "اليونيسيف" ومديرة مخبر الأسرة والتنمية والوقاية من الانحراف والإجرام بجامعة الجزائر 2، عن انزعاجها الشديد من ارتفاع حالات اختطاف الأطفال، موضحة أن تفشي تعاطي المخدرات جعل من المدمن عليها يضحي بكل شيء من أجل كسب المال، وهو ما يعد من أهم دوافع خطف الأطفال في الجزائر".

تقول عيّاشي لـ"العربي الجديد": "وفقا للأبحاث السابقة، فإن اختطاف الأطفال بهدف الاعتداء الجنسي ينتهي بالقتل في العديد من الحالات، من أجل أن يخفي القاتل جريمته"، وتفسر حالات اختطاف الأطفال من قبل الأقارب بالقول "مثلا في حالات الطلاق يختطف الأب ابنه وهكذا".

تورط ذوي السوابق العدلية

استيقظ سكان منطقة بن باديس في ولاية سيدي بلعباس، غربي الجزائر، على وقع فاجعة قتل مدوية في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2015، راح ضحيتها الطفل ميلود شعيبي البالغ من العمر 14 سنة، بعد أن تم العثور عليه مقتولا، وتم رمي جثته داخل كيس بلاستيكي، مكبلة الأطراف بالقرب من مقر سكناه، بعد 4 أيام من اختفائه عن الأنظار.

تقول والدة ميلود وهي تذرف الدموع بحسرة، لـ"العربي الجديد": "آخر مرة شاهدت فيها ميلود عندما كان يلعب في الحي مع أصدقائه، تأخر حينها عن موعد دخوله للبيت، فقمنا بالبحث عنه في كل مكان وأبلغنا مصالح الشرطة لكن دون جدوى، وبعد أربعة أيام من اختفائه وجده أحد الجيران مقتولا ومكبلا داخل كيس أسود. حسبي الله ونعم الوكيل. أطالب بالقصاص وإعدام من تسبب في هذه الجريمة".

في يناير/ كانون الثاني 2016، حدّد تقرير تحليل الحمض النووي هوية مرتكبي جريمة القتل، وهم أربعة أشخاص من ذوي السوابق العدلية تراوح أعمارهم بين 21 و24 سنة، من بينهم ثلاثة إخوة اختطفوا الضحية وقاموا بالاعتداء عليه جنسيا الواحد تلو الآخر قبل خنقه ورمي جثّته على حافّة الطريق، وتم وضع المتهمين رهن السجن الاحتياطي ريثما ينتهي التحقيق معهم.

ويكشف العقيد مصطفى طيبي، قائد سابق للمجموعة الولائية للدرك الجزائري في العاصمة، عن تفاصيل حادثة اختطاف لابن أحد أثرياء منطقة الدويرة في العام 2012، إذ استدرج الطفل الضحية من طرف عصابة مختطفة إلى مكان مهجور وتم الاعتداء عليه، ومن ثم الاتصال بعائلته ومساومتها بطلب فدية بقيمة 2.5 مليون دينار جزائري (الدولار يساوي 120 دينارا جزائريّا وفق السعر الرسمي)، مقابل إطلاق سراحه، لكن التحريات التي قامت بها وحدات الدرك مكّنتهم من حلّ لغز الجريمة.

يوضح العقيد مصطفى، لـ"العربي الجديد": "قمنا بتوقيف الجاني بالاعتماد على الطرق الحديثة في التحري، وتم الحكم عليه بـ5 سنوات سجن مع دفع غرامة مالية، كما استرجع مبلغ مالي قدره 1.3 مليون دينار (10 آلاف دولار)".

واعترف الجاني في التحقيق الأمني أن الهدف الرئيسي من الجريمة هو الحصول على المال، بسبب الديون المتراكمة عليه، وكذا معرفته الجيدة لعائلة الضحية بحكم توسطه في عملية بيع عقار ملك للعائلة بقيمة مالية قدرها 90 مليون دينار (750 ألف دولار).



العفو الرئاسي يشجع الجناة

يُعاقب قانون العقوبات الجزائري المعدل في يوليو/ تموز 2015، في المادة 293 بالسجن المؤبد كل من يخطف أو يحاول خطف قاصر عن طريق العنف أو التهديد، كما تُطبّق العقوبة نفسها على الفاعل إذا تعرّض القاصر إلى تعذيب جسدي أو إذا كان الدافع إلى الخطف هو تسديد الفدية أو إذا ترتب عنه وفاة الضحية.

وتنص المادة 336 الفقرة الثانية من قانون العقوبات وفي حالات اغتصاب قاصر، بمعاقبة الجاني بالسجن من 10 إلى 20 سنة، وفي حالات المتاجرة بالقصّر، تعاقب المادة 319 مكرر من القانون نفسه بالحبس من 5 سنوات إلى 15 سنة وبغرامة مالية تراوح بين 500.000 إلى 1.500.000 دينار (من 4166 إلى 12500 دولار) "كل من باع أو اشترى طفلا لأي غرض من الأغراض وبأي شكل من الأشكال"، كما تطبق العقوبة نفسها على "كل من حرّض أو توسط في عملية بيع الطفل".

رغم أن المشرّع الجزائري عدّل قانون العقوبات الخاص بالاختطاف، إلّا أن ذلك لم ينفع في تجاوز تنامي عدد حالات قتل الأطفال في ظل تجميد الحكم بالإعدام منذ 1993. ويحمّل المحامي والخبير في الشؤون القانونية عبد الحفيظ كرتل، المشرع الجزائري مسؤولية ارتفاع حالات الاختطاف، مطالباً برفع الحظر عن تنفيذ حكم الإعدام على المختطفين خاصة في حالات الاغتصاب والقتل.

يضيف كرتل، لـ"العربي الجديد": "الجناة يعلمون بأن مصيرهم لن يكون الإعدام ويدركون بأن العقوبة المسلطة عليهم قد تتحول في يوم ما إلى عقوبة مشمولة بالعفو الرئاسي، وهنا يجد القاتل نفسه حرا في ظل تجميد الحكم بالإعدام منذ بداية التسعينات، وهذا أمر غير منطقي".

لكن العميد أول خيرة مسعودان، مديرة مكتب حماية الطفولة بالمديرية العامة للأمن الجزائري، لم تعف العائلات من مسؤولية تزايد حوادث الخطف، بسبب صمتهم وعدم إبلاغ الشرطة، موضحة لـ"العربي الجديد"، أن بعض الأهالي يعتقدون أن إبلاغ الشرطة وإقحامها في الموضوع قد يشكل خطورة على حياة أبنائهم، داعية الأهالي إلى الإسراع في إبلاغ مصالح الأمن حتى تتمكن من تحرير المخطوفين.


ما الحل؟

أمام انتشار ظاهرة اختطاف الأطفال، أطلقت عدة حملات على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، للتوعية ومكافحة الجريمة. ويقول زين الدين سنوسي، صاحب صفحة "معا لوقف ظاهرة اختطاف الأطفال"، إنه يحاول من خلال صفحته تشجيع العائلات على التبليغ من خلال نشر صور المخطوفين.

في ظل هذا الواقع، عمد عديد من الأهالي على مرافقة أطفالهم إلى المدارس من أجل حمايتهم. وتقول سعاد، التي كانت تقف وغيرها من العائلات أمام مدرسة ابتدائية في العاصمة: "رغم ما يعتريني من قلق، أقوم أنا وزوجي بالتناوب على إيصال أولادنا إلى مدارسهم وإعادتهم للمنزل، خوفا من انتشار ظاهرة خطف الأطفال". بينما يدعو والد الطفل أحمد إلى توعية الأهالي بخطورة الظاهرة عبر وسائل الإعلام حتى لا يتكرر معهم السيناريو المأساوي للطفل ميلود وغيره من الضحايا.