وفاة قبل الأوان [5/5]... "مشافٍ خالية من الألم" في رواندا رغم الموارد الشحيحة

كيغالى (رواندا)
العربي الجديد
01 أكتوبر 2020

تغير مسار الحياة المهنية للطبيب الرواندي نيزيميرا كريستيان في عام 2009، بعدما وقف عاجزاً أمام توسلات أسرة شاب تم تشخيصه بسرطان الخلايا الكبدية، عانى من آلام رهيبة. حينها، كان يعمل في قسمي الجراحة، والتوليد وأمراض النساء في مشفى كيباغاباغا، والذي يخدم العاصمة الرواندية كيغالي، غير أنه اضطر في أحد الأيام لتولي عمل زميل تغيّب عن قسم الباطني، ليلتقي بالمريض العشريني والذي "كان ألمه شديدًا لدرجة أنني شعرت به في جسدي، وانتظر جميع أفراد عائلته خارج غرفته لأنهم لم يتمكنوا من تحمّل عذاب حبيبهم". كما يقول الطبيب.

مع كل هذا الألم، وصف الطبيب المعالج باراسيتامول (مسكناً للألم)، وإيبوبروفين (مضاداً للالتهابات)، وبيثيدين (مسكناً أفيونياً ضعيفاً) للمريض، فقط لبضعة أيام قبل أن تتم إحالته إلى مشفى آخر، وعندما همّ كريستيان بمنحه بيثيدين مرة أخرى، أوقفته الممرضة قائلة: "صرفت له جرعة مساء أمس، وليس بإمكاننا الحصول على أخرى، سيصبح المريض مدمناً".

في ذلك الوقت كان بروتوكول استخدام المورفين معقداً، وتجب كتابة الوصفة الطبية لأقل من 3 أمبولات بالحبر الأحمر وتوقيعها من قبل ثلاثة متخصصين مختلفين: طبيب التخدير والمدير السريري والصيدلي، كما أن المواد الأفيونية الفموية لم تكن متاحة، بحسب كريستيان الذي أصبح يسأل نفسه عندما رأى والدة الشاب المريض راكعة أمامه تتوسل إليه أن يوقف ألمه، "لماذا أصبحت طبيباً؟ لأشهد هذه المعاناة فقط؟"، "لماذا قضيت سنوات عديدة في كلية الطب وما زلت لا أستطيع تخفيف الألم لمريضي؟ لماذا يجب أن يعاني خلال الموت؟".

مأسسة الرعاية التلطيفية

بعد عام من إعلان كيب تاون (لتحقيق الأهداف العالمية للتنمية المُستدامة) في عام 2005، والذي يعرف الرعاية التلطيفية والسيطرة على الألم وأعراضه، كحق إنساني لكل بالغ وطفل يعاني من أمراض خطيرة تهدّد الحياة، وإقرار ضرورة إدراج هذا النوع من الرعاية ضمن استراتيجيات الرعاية الصحية الوطنية، ما يجعل الوصول إليها ممكناً وميسور التكلفة للجميع في أفريقيا، وضعت رواندا مأسسة الرعاية التلطيفية كهدف لها، وتعاونت مع منظمات وجمعيات على رأسها الجمعية الأفريقية للرعاية التلطيفية، والتي أسست عام 2002، عقب اجتماع عقد في كيب تاون، جمع 28 مدرّبا متخصصا في الرعاية التلطيفية من جميع أنحاء أفريقيا.

عام 2011، حددت وزارة الصحة الرواندية هدفًا للوصول إلى الرعاية التلطيفية الشاملة بحلول عام 2020، ووضعت السياسة الوطنية الأولى للرعاية التلطيفية، في وقت لم يكن يُسمع بالمفهوم في الدول النامية، وتلزم الاستراتيجية الدولة بتوفير خدمات الرعاية التلطيفية لجميع المصابين بمرض عضال، ولعائلاتهم، ولتحقيق هذا الهدف، عملت وزارة الصحة في رواندا مع منظمات دولية وإقليمية لتطوير سياسات الرعاية التلطيفية، وتأمين الإمدادات الكافية من المواد الأفيونية، وبدء برامج التدريب على الرعاية التلطيفية، إلى جانب دمج الرعاية التلطيفية في نظام الرعاية الصحية العامة على جميع المستويات. كما شرعت في تدريب كادر جديد من ممارسي الرعاية المنزلية لتوفير الرعاية التلطيفية في المنزل. وفق ما جاء في بحث منشور في العدد 55 من مجلة الألم وإدارة الأعراض JPSM، في يناير/كانون الثاني عام 2018، تحت عنوان (الرعاية التلطيفية في رواندا تهدف إلى العالمية).

وتبين الدراسة التي نشرتها إنترا هيلث إنترناشيونال Intra Health International (منظمة صحية عالمية غير ربحية، تهدف إلى تعزيز أداء العاملين الصحيين والأنظمة الصحية)، أن السياسة الوطنية الجديدة شكلت خطوة أولى مهمة في إنشاء نظام لتقديم هذه الرعاية، يتضمن توفيرا ثابتا ومُنظما لأدوية الألم، بالإضافة إلى التدريب قبل الخدمة وأثناء الخدمة للكوادر الصحية. وتؤكد السياسة المنشورة على الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة الرواندية، أن تقديم الرعاية التلطيفية يتطلب عاملين صحيين مؤهلين، أو فريقاً للقيام بتخفيف الألم والأعراض المؤلمة الأخرى، والرعاية النفسية والروحانية، ونظاماً داعماً لمساعدة المرضى على العيش بنشاط قدر الإمكان حتى نهاية الحياة، ونظام دعم لمساعدة الأسرة على التأقلم أثناء مرض المريض وحزنه.

تحدد السياسة الوطنية أيضا، أدوار ومسؤوليات المهنيين في تقديم خدمات العلاج التلطيفي في المستشفيات والمرافق الصحية الأخرى وفي الرعاية المنزلية، كما تحدد الأدوات والمبادئ التوجيهية والبروتوكولات اللازمة للعمل وفقًا لمعايير الرعاية التلطيفية، بما في ذلك القوانين التي تحكم استخدام المواد الأفيونية بوصفة طبية لعلاج الألم (مثل المورفين)، وضمان توريدها بانتظام.

هذه السياسة تعتبر تتويجا لسنوات من العمل الذي انطلق في 2004، عندما أرسلت وزارة الصحة الرواندية فريقًا إلى أوغندا للتعرف على نظام تقديم الرعاية التلطيفية الأوغندية الجديد، وبدأت بإنشاء برنامجها الشامل والمتكامل الخاص بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) عام 2005، وكان عدد حالات الإصابة المسجلة سنويا بمرضي السرطان والإيدز في رواندا كبيرا، ما يضيف أعباء ثقيلة على النظام الصحي، إذ بلغ عدد الوفيات الناجمة عن السرطان عام 2010، 3670 روانديا، في حين كانت الوفيات الناجمة عن الإيدز 8670 شخصا، وبعد أن انخفضت نسب الإصابة بالإيدز، أصبحت الأمراض الحادة غير المعدية مثل السرطان، من أسباب الوفاة الرئيسية، ما زاد الحاجة إلى رعاية الألم والعلاج التلطيفي، ما حدا برواندا إلى إطلاق خطتها لسبع سنوات، لبناء القدرات. وفقا لما جاء في ورقة علمية بعنوان خفض الوفيات المبكرة في رواندا: دروس من النجاح، نشرت في المجلة الطبية البريطانية The Bjm، في يناير/كانون الثاني عام 2013.

وتندرج الأنشطة المحددة التي يتعين القيام بها لدعم توفير الرعاية التلطيفية في سياسة القطاع الصحي لعام 2015، المنشورة على موقع وزارة الصحة الرواندية، والتي أقرت تحسين خدمات الأمراض غير السارية وتسهيل الوصول إلى خدمات الفحص والمتابعة والرعاية التلطيفية، وأن تكون ميسورة التكاليف، لحين شمول جميع هذه الخدمات بالتأمين الصحي، مؤكدة تعزيز معرفة ومهارات الكوادر البشرية، لتحقيق هذه الأهداف، وفقاً لما جاء في السياسة التي اطلع عليها "العربي الجديد".

مواجهة التحديات

بدأ مشفى كيباغاباغا، بإدخال خدمات الرعاية التلطيفية للمرضى من خلال دمجها في الأقسام الأخرى، وكانت نقطة البدء بتدريب الأطباء والممرضات والمعالجين الفيزيائيين، وعلماء النفس للعمل كفريق واحد من أجل تقديم العلاج التلطيفي للمرضى الذين يعانون من أعراض قاسية، نتيجة الإصابة بمرض مزمن، وتمكن المشفى من تحقيق هذا التقدم، على الرغم من محدودية الموارد، من خلال اختياره في برنامج الشراكة من قبل Tropical Health and Education Trust (THET) (منظمة عالمية لتدريب ودعم الطواقم الطبية)، الهادفة إلى تعزيز ودمج المسكنات والرعاية التلطيفية في النظم الصحية الوطنية في أربعة بلدان أفريقية، من بينها رواندا.

ويقوم المشروع الذي نفذ بالتعاون بين جامعة إدنبرة، ووحدة ماكيريري للرعاية التلطيفية في جامعة ماكيريري بأوغندا، بالإضافة إلى جمعية الرعاية التلطيفية الأفريقية (APCA)، على إرسال خبراء في الرعاية التلطيفية إلى الدول المختارة، لتدريب مقدمي الرعاية الصحية على مبادئ العلاج التلطيفي، وفي عام 2009، افتتح مستشفى كيباغاباغا أول مركز للرعاية التلطيفية للأطفال في البلاد، يليه جناح جديد للرعاية التلطيفية للبالغين، وعلى الرغم من أن بعض المرافق الصحية الرواندية قد قدمت من قبل خدمات الرعاية التلطيفية، مثل إدارة الألم ودعم الوفاة، إلا أن المشافي والمراكز بدأت بعد ذلك في إنشاء وحدات رعاية تلطيفية منفصلة، للمرضى الذين يحتاجون إلى دعم مستمر. بحسب ما وثقه موقع إي هوسبس (ehospice) الذي تديره مجموعة من منظمات الرعاية التلطيفية في أفريقيا والعالم، عن التجربة الرواندية في إدماج الرعاية التلطيفية بنظامها الصحي.

واعترض العديد من التحديات محاولة مأسسة الرعاية التلطيفية بداية من المشفى، إذ كان المفهوم جديدا بين المتخصصين في الرعاية الصحية في بداية البرنامج بعد اعتماد السياسة الوطنية، وكان من الصعب تحويل قناعاتهم وممارساتهم من رعاية بهدف الشفاء، إلى علاج لا يهدف للشفاء بل لتخفيف الألم حسب الطبيب كريستيان. وفي ذلك الوقت، كان يسود بين الأطباء والممرضين الاعتقاد بأن المريض المصاب بمرض يحد من الحياة "لا يمكن القيام بشيء من أجله"،كما يقول، مؤكداً أن الغرض من الرعاية التلطيفية هو إضافة "الحياة إلى أيام المريض، وليس إضافة أيام إلى حياته".

وتعلق التحدي الثاني برهاب المواد الأفيونية، إذ تتم إخافة معظم الأطباء من وصف المورفين بسبب الآثار الجانبية للدواء، بالإضافة إلى آلية الحصول عليه ووصفه في المراكز والمشافي، علاوة على النظر للألم على أنه شيء طبيعي، ويضيف كريستيان أن التحدي الأخير هو تشكيل فريق عمل متعدد التخصصات في المستشفى، لدعم المرضى وأفراد أسرهم (نفسياً واجتماعياً).

مشافٍ خالية من الألم

اتجهت رواندا إلى إنتاج المورفين (الفموي) محلياً، من خلال تطوير برنامج إنتاج المورفين عام 2014، للقضاء على مشكلة نقصه والاعتماد على استيراده، وبحلول عام 2019، أصبح جميع المرضى الذين يحتاجون إليه، يحصلون عليه بالمجان، بحسب التقرير الصادر العام الماضي عن وزارة الصحة الرواندية 2017-2019، ويضيف الطبيب كريستيان أنه يتم إرسال منتجات المورفين إلى جميع صيدليات المقاطعات في جميع أنحاء البلاد، وتطلب صيدليات المشافي الكميات وفقاً لاحتياجها.

ويبين التقرير ذاته، أنه تم تعزيز فرق الرعاية التلطيفية متعددة التخصصات في المستشفيات خلال السنوات الثلاث الماضية، من خلال التدريب الدائم، وبحلول عام 2019، أصبحت في كل مركز صحي في رواندا، ممرضة واحدة على الأقل، مدربة على تقديم خدمات الرعاية التلطيفية للمرضى، كما تم تشكيل 105 فرق للعلاج التلطيفي المنزلي، زارت 1846 مريضاً.

وأعلن مركز الطب الحيوي في رواندا، مبادرة "مستشفى خالٍ من الألم" عام 2018، بالتعاون مع جمعية السرطان الأميركية، ووزارة الصحة في رواندا، بهدف تعزيز ممارسات التكفل بالألم، وتم تدريب 1000 طبيب على علاج الألم، ممن يعملون في المشافي التعليمية، ومشافي الإحالة، والمشافي الإقليمية، ومشفى المقاطعة الرئيسي كيباغاباغا، وفي جميع هذه المشافي، انخفضت شدة الألم الذي يعاني منه المرضى، من الألم الشديد (6-10 درجات)، إلى الألم الخفيف (1-2 درجة)، نتيجة تحسين ممارسات إدارة الألم، وبفضل مشروع (PFHI) لزيادة استهلاك المورفين، إذ زاد استهلاك المورفين 226 مرة، وارتفع من 0.035 كجم في عام 2013 إلى 9.168 كجم في 2019 على مستوى الدولة، بحسب تقرير وزارة الصحة ذاته.

هذه الإنجازات تحققت بعد أن تبنت وزارة الصحة الرواندية، من خلال مركز رواندا للطب الحيوي تنفيذ قرار جمعية الصحة العالمية، بإدماج الرعاية التلطيفية في النظام الصحي الحالي، وتمثل الهدف الأساسي في تمكين جميع من يعانون من أمراض، تحد من الحياة، من الوصول إلى خدمات الرعاية التلطيفية عالية الجودة، المقدمة بأسعار معقولة بحلول عام 2020، وتعدّ رواندا الدولة الأفريقية الوحيدة، التي تستعد لتحقيق معظم الأهداف الإنمائية للألفية، رغم أن نظامها الصحي كان مدمراً بعد الحرب الأهلية التي اندلعت بين جماعتي التوتسي والهوتو، من عام 1990، وحتى نهايتها عام 1994، بحسب ورقة التجربة الرواندية المنشورة في المجلة الطبية البريطانية عام 2013.

ذات صلة

الصورة
الجزائر6

تحقيقات

فشلت محاولة الجزائري عبد النور الصغير، في تخفيف آلام والده المصاب بسرطان الرئة إذ رفض مركز معالجة السرطان الحكومي بيار وماري كوري، إدخاله إلى قسم تسكين الألم، بذريعة أن المرض تمكن من جسده، بينما طلبت عيادة خاصة مبلغا كبيرا دون توضيح ماذا ستفعل للمريض
الصورة
المغرب

تحقيقات

على الرغم من إقرار وزارة الصحة المغربية لآليات مأسسة التكفل بالألم، من مشاف ومراكز وحتى في منزل المريض، لكن وحدات العلاج التلطيفي الموجودة حالياً، وعددها ستة مراكز، ليست متاحة إلا لبعض مرضى الأورام، بينما يعاني آخرون في صمت ويحلمون فقط بالنوم
الصورة
تحقيق مصر 88

تحقيقات

يحدّ النقص في الكوادر الطبية المؤهلة لإدارة الألم، وضعف التمويل من التوسع في توفير الرعاية التلطيفية لمرضى الأمراض المزمنة بمصر، إذ يتطلب الأمر تشكيل فرق متكاملة من المتخصصين الذين تفتقر لهم المشافي في ظل وجود سوق سوداء للمسكنات وعلى رأسها الترامادول
الصورة
رعاية 1

تحقيقات

تكشف "العربي الجديد" عن عذاب مرضى الأمراض المزمنة عربياً عبر سلسلة تحقيقات تنتهي بتجربة ناجحة لدولة محدودة الموارد، والبداية من الأردن الذي يسيطر رهاب المسكنات الأفيونية على أطبائه ومرضاه، ما يفاقم من الأساطير الخاطئة عن إدارة الألم