يزيد القادري: التحفّظ على السِيَر الحياتية يُفقِد الوثائقيّ مصداقيّته

10 ابريل 2021
الصورة
القادري: خُلقت السينما في البدء على شكلِ وثائقيٍّ (فيسبوك)
+ الخط -

بعد إنجازه أفلاماً قصيرة عدّة، كـ"أغنية البجعة" (2019)، و"مداد أخير" (2020)، عمل المخرج المغربي الشاب يزيد القادري على تطويع مفرداته البصريّة في قالب وثائقي، استعرض فيه سيرة المطرب المغربي سعيد الشرايبي، أحد أبرز الوجوه الفنية، التي ذاع صيتها مشرقاً ومغرباً.
انتقاله من الروائي إلى الوثائقي لم يكُن صعباً، إذْ جاء نتيجة اشتغالات ثريّة ومُكثّفة على طبيعة الصورة، مُخْرِجاً إياها من بُعدٍ مُتخيّل إلى آخر يطرح أسئلة الوجود والجسد والذاكرة، وفق نصٍّ أوتوبيوغرافي، استوجب تكثيف دلالاته الرمزيّة بصرياً، والإقامة في تخوم الحاضر، والبحث العميق في تجربة الشرايبي، بما فيها من مسرّات على مستوى السيرة والصناعة الموسيقية، متبوّئاً بفضلها مكانة مهمّة في المشهد الغنائي العربي، حتى عُرف عربياً بكونه "سلطان العود" بامتياز.
بمُناسبة عرض الوثائقي الأوّل له، "الأنامل الذهبية: سعيد الشرايبي" (2021)، على قناة "الجزيرة الوثائقية" أخيراً، حاورت "العربي الجديد" يزيد القادري عن الفنان، وعن مسائل مختلفة:

كيف حدث الانتقال من تجربة الفيلم القصير إلى العمل الوثائقي؟
منذ طفولتي، وبحكم ترعرعي في مدينة تكتسي طابعاً روحانياً كـ"فاس"، تشبّعتُ بصُوَرٍ وقصص مُستَلهمة من تاريخ المدينة وأحيائها العتيقة، حيث طوّرت نظرتي إلى العالم، وكيف يمكن نقل تلك النظرة إلى عملٍ فنيّ. أول تجربة سينمائية لي حصلت في "المعهد العالي لمهن السمعيّ البصريّ والسينما الوثائقية"، تجسّد فيها الغنى المعماري للمدينة، مع الخوض في مقاربة دقيقة حول مدى صمود المدينة العتيقة أمام الزحف العمراني، تحت أنظار سيد إحدى جنائن المدينة ومعاناته. يمكن القول إنّ البداية وثائقية محضة، كبداية السينما منذ أكثر من قرن.
خُلقت السينما في البدء على شكلِ وثائقيٍّ. المقاطع الأولى، التي صوّرها الأخوان لوميير، كانت لقطات تصوّر مَشاهد من الحياة اليومية، كخروج عمّال من المصنع، أو دخول قطار إلى محطة. السينما بدأت وسيلةً لالتقاط الواقعيّ والحقيقيّ. العودة إلى العمل الوثائقي تزكية للرغبة في تثمين هواجس ورغبات ذاتية، ترتبط أساساً بتوثيق صادق، من زاوية نظر المخرج.

ما الدوافع التي كانت وراء هذا التحوّل البصري، بالنسبة إلى مخرج شاب اشتغل أعواماً على أعمال سينمائية قصيرة، واليوم يدخل عالم التلفزيون من خلال وثائقي عن المطرب المغربي سعيد الشرايبي؟
الدوافع فنية وذاتية، أساساً. كما قلتُ لك قبل قليل، الوثائقي يستهويني منذ بداية عملي السينمائي.
في الحقيقة، يختلف الوثائقي التلفزي كثيراً عن الوثائقي السينمائي. لكنهما يتقاطعان في نقاطٍ عدّة، تتمثّل في اعتمادهما على مخاطبة الجمهور باستعمال الأرشفة والبحث الميداني والتنقيب عن الحكايات ومعانيها، وعن المسارات وخواتمها، وعن المصائر وأفعال الزمن بها.
طبيعة الإنتاج التلفزي تعتمد على تفرّعات حديثة في طريقة صنع الفيلم الوثائقي، من ناحية السرد والمحتوى. انتقالي إلى عالم التلفزيون، من خلال وثائقيّ عن الموسيقار المغربي سعيد الشرايبي، خطوة أولى لتجارب مستقبلية، تمتلك حساسية سينمائية آسرة.

 ما الحدود الفنية والجمالية التي يُمكن نسجها بين السينمائي والتلفزيوني، انطلاقاً من عملك الوثائقي؟
انطلاقاً من خلفية سينمائية، العمل التلفزي بالنسبة إليّ لا يختلف كثيراً عن نظيره السينمائي، شرط الإيمان بالعمل كمشروع فني مستقلّ عن كلّ القيود المتحكمة في كل ما هو فني وجمالي. لكلّ منهما مهارات وقواعد ومبادئ ومسؤوليات ومهام مختلفة عن الآخر، ربما يشتركان في بعضها، لكنْ لكلّ واحد منهما مهامه.
بحكم التطوّر التكنولوجي والوسائل التقنية المتاحة، يكمن الفاصل بين عمل وآخر، شكلاً ومضموناً، في مدى قدرة المخرج على تحويل رغبته ونظرته الفنية إلى عمل متكامل. الأعمال التلفزية أصبحت تتأثّر كثيراً باللغة السينمائية، لكنّ الاختلاف واضحٌ من ناحية التنفيذ، وطبيعة المتلقّي، ووسائل العرض. هناك أعمالٌ سينمائية جيّدة وأخرى أقلّ جودة. الحال نفسها في التلفزيون.
السينما فنّ يتمتّع بالجمالية. إنّه أرقى نماذج الفن. لذا، تؤخذ بالاعتبار جودة العمل، أكان سينمائياً أم تلفزيونياً، بدلاً من البحث عن أيّهما أثّر في الآخر. وظيفة المخرج تشمل احترامه لكلّ أداة فنية، بغضّ النظر عن الفوارق، وعليه أنْ يجهد في العمل لإثبات أقصى إمكانياته الفنية والجمالية.

كيف بدأ التفكير بإعداد وثائقي عن سعيد الشرايبي؟ أو بتعبير آخر: لماذا الشرايبي، وليس عبد الوهاب الدكالي مثلاً؟
في السابعة من عمري، أي قبل نحو 18 عاماً، كنتُ عضواً في مجموعة غنائية، اسمها "أطفال الغيوان"، تتكوّن من أخي الأكبر وابن خالتي، وكانت تهتمّ أساساً بأغاني مجموعة "ناس الغيوان". عوض آلة "البانجو"، التي اشتهر بعزفها علال يعلى، أحد أعضاء المجموعة، كان ابن خالتي، محمد السويهل، يعزف على آلة العود. في الوقت نفسه، كانوا مولعين بموسيقى سعيد الشرايبي. تابعت تجربة السويهل، الذي أجرى تدريباً في ورشة للشرايبي في فرنسا. بعدها، ازداد اهتمامي بموسيقاه الرائعة والملهمة. كلّ هذه العوامل أزكت رغبتي في العمل على فيلم وثائقي، يؤرّخ تاريخ الفنان الموسيقي الشامل، الذي يُعدّ من أفضل عازفي آلة العود في العالم.

ماذا عن الأرشيف المكتوب، الخاص بالسيرة؟ كيف تعاملت معه بصرياً، خاصّة أنّ الشرايبي يُعدّ اليوم "سلطان العود"؟
"سلطان العود" كان ولا يزال سلطان العود فعلياً. ألّف ألحاناً وألبومات ستظلّ راسخة في أذهان عشّاق فنّه. لكنْ، رغم ثراء إبداعاته، واجهتني صعوبة في تكوين نظرة شاملة عنه، في مسألة "الأرشيف السِيَريّ المكتوب"، لقلّة المقالات والشهادات الخاصّة به، هو الذي استحقّ شهرةً أكبر من ذلك.
كلّ هذه العوامل دفعتنا، كفريق عمل، إلى التواصل الدائم والمباشر مع عائلة الشرايبي والمقرّبين إليه، للحصول على أرشيف سِيَري دقيق.
التعامل مع أرشيف سعيد الشرايبي يحتكم إلى دقّة وحذر كبيرين في الوقت نفسه، لأنّ العمل الوثائقي يهدف أساساً إلى محاكاة واقع، عبر بناء درامي، يسرد سيرة المبدع، ويرصد أهمّ مراحل حياته الغنية بقصص وأشخاص وأحداث مرتبطة به. جمّعنا كلّ المواد الأرشيفية، المكتوبة والمرئية، وحاولنا تزكيتها بمداخلاتٍ، ساعدتنا على تكوين رؤية خاصة وموحّدة للعمل.

أيّ أهميّة اكتسبتها سيرة سعيد الشرايبي لنقلها بصرياً؟
سعيد الشرايبي عازفٌ عصاميّ، طوّر العود من آلةٍ مُصاحِبةٍ للغناء إلى آلةِ عزفٍ منفرد. حصل على جوائز عدّة، وطنية ودولية، لعلّ أهمها "جائزة الريشة الذهبية" في بغداد، عام 1986، متفوّقاً بذلك على كبار العازفين، كالعراقيّ نصير شمّة. رحلة التألّق والتميّز تواصلت في محطات عدّة، أبرزها حصوله على "جائزة الاستحقاق" في القاهرة عام 1994، و"جائزة أحسن عازف عود" في السويد عام 2000، و"جائزة زرياب" عام 2002. كما يزخر الـ"ريبرتوار" الفني للشرايبي بأكثر من 500 مقطوعة موسيقية.
كلّ هذا التميّز لم يتّخذ بُعداً دعائياً ولم ينل التقدير. في أحد حواراته، على قلّتها، أشار الشرايبي إلى أنّه لم يكن يطمح إلى الشهرة. لكنْ، من الواجب علينا كصنّاع أفلام أنْ نردّ الاعتبار لمبدع مثله، ونعمل على إيصال موسيقاه إلى العالم. "الجزيرة الوثائقية" كانت لي الوسيلة الأمثل للعرض، لانفتاحها على العالم العربي والعالم.

ما هي الصعوبات التي اعترضت تنفيذ الوثائقيّ، منذ كتابته إلى تركيبه وعرضه؟
من دون البحث، سيكون مستحيلاً تصوّر ما سيقوله المتدخّل، وكيف يرتبط ذلك برسالتك. بمجرّد حصولك على كلّ الحقائق والمواد، يُمكنك كتابة النص. هذه الطريقة شائعة في العمل على كتابة فيلم وثائقي. لكنّ طبيعة الموضوع، خاصّة البورتريه، تختلف إلى حدّ كبير عن المنحى الكلاسيكي لكتابة الفيلم الوثائقي، وعمّا إذا كان الفيلم الوثائقي ينبني أساساً على كتابة "سيناريستيكية"، أم يتعامل مع الواقع والعالم الحقيقي حولنا. السيناريو التفصيلي يضع صانع الفيلم في إطار مغلق، لا يتماشى مع المنحى الإبداعي في الفيلم. فالصعوبة تكمن أساساً في التعامل مع الشخصيات المتدخّلة، التي تربطها علاقة حميمية بالشرايبي ومقرّبة منه. يصعب التحكّم الكلّي بالمداخلات والقصص والأحداث التي تُسرَد، لأنّ المتدخّلين يتذكّرون، في حواراتهم أمام الكاميرا، مواقف جديدة ومهمة. هذا المعطى جعل عملية التركيب أصعب.

نادرة وشحيحة الأسماء المغربيّة التي اشتغلت على تخييل سِيَر مُطربين وتشكيليين ومُصوّرين فوتوغرافيين وسينمائيين. برأيك، لماذا يغيب هذا النوع الفني في المغرب اليوم لصالح أعمال وثائقية أخرى، تأخذ طابعاً تراثياً واستقصائياً؟
حقيقةً، هناك غيابٌ لأفلامٍ وثائقية تؤرّخ سِيَر الفنانين المغاربة، عامة. لعلّ السبب كامن في صعوبة المهمّة أحياناً، في جوانب عدّة، أهمّها الجانب التوثيقي، الذي يتطلّب عملاً وجهداً كبيرين، والجانب المادي، الخاص بمصاريف الأرشيف.
العمل على البورتريه يتطلّب أولاً موافقة الشخصية المُراد التعريف بها، أو عائلتها في حال وفاتها. هذا العامل يحول أيضاً دون التمكّن من الغوص الحقيقي في عوالم المعني بالأمر، وفي حياته الشخصية، التي يتمّ التحفّظ عليها غالباً. هذا التحفّظ ربما يُفقِد العمل مصداقيته.
 

المساهمون