متحف متروبوليتان: الملاذ لم يعد آمناً للآثار المنهوبة

متحف متروبوليتان: الملاذ لم يعد آمناً للآثار المنهوبة

28 مارس 2023
هناك مقتنيات في المتحف من دون سجلات توثّق كيفية حصوله عليها (فيسبوك)
+ الخط -

تمثل عمليات الاتجار غير المشروعة بالآثار، جانباً لا يُستهان به من الجريمة المنظمة حول العالم. تسهم هذه التجارة غير المشروعة في استنزاف التراث الثقافي للدول، من خلال أساليب تهريب وجرائم غسل أموال عابرة للحدود.

التحقيق المنشور أخيراً عن الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، يشير بأصابع الاتهام إلى واحد من أكبر المتاحف العالمية، بوصفه داعماً لهذه الجرائم، وهو متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك (The Metropolitan Museum of Art).
يكشف هذا التحقيق أن أكثر من ألف قطعة من القطع الأثرية في مجموعة المتحف، قد حُصِل عليها بوسائل غير مشروعة، وأن معظمها مرتبط بشخصيات لها علاقة مشبوهة بتجارة القطع الأثرية من دول مثل مصر والعراق وسورية وكمبوديا. يثير هذا التقرير عديداً من التساؤلات عن إجراءات التحقق الواجبة من قبل المتاحف في أصل القطع التي يُحصَل عليها، وانعدام الشفافية داخل هذه المؤسسات الكبرى التي تروج لنفسها كمؤسسات محافظة على التراث الإنساني.
للاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية الثقافية، تأثير مدمر على التراث الثقافي للدول. لا تحرم التجارة غير المشروعة في الآثار هذه الدول تراثها الثقافي فحسب، بل تسلبها هويتها أيضاً. لذا، كان من الضروري أن تتبع المؤسسات والمتاحف الدولية إجراءات صارمة للتحقق من مصدر القطع الأثرية التي يُحصَل عليها. تتضمن هذه الإجراءات التأكد من تاريخ هذه القطع والتحقق من عدم سرقتها أو الاتجار بها بشكل غير أخلاقي أو منافٍ للقوانين الدولية. فهل يتبع متحف متروبوليتان هذه الإجراءات؟
من الواضح أن الأمور لا تسير على هذا النحو، فقد حدد التقرير المنشور أخيراً عدداً من الأفراد والمنظمات التي يزعم تورطها في الاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية، ورُبط بعض هؤلاء الأفراد والمنظمات بالقطع الأثرية المنهوبة من عدة دول.

كشف التحقيق أيضاً أن عديداً من القطع الأثرية في مجموعة المتحف ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهؤلاء الأفراد المنخرطين في جرائم نهب وتهريب، وأن كثيراً من هذه القطع غير موثق بدقة لإخفاء طرق الحصول عليها. حدد التقرير عدد 1109 قطع أثرية، بينها 309 قطع تُعرض بشكل دائم في المتحف، وحُصِل عليها من أشخاص متهمين أو مدانين بجرائم تهريب الآثار. وأظهر التقرير كذلك أن أقل من نصف هذه القطع المذكورة تحمل سجلات منشأ تبين الطريقة التي تم الحصول عليها أو خروجها من بلدانها الأصلية.
افتُتح متحف متروبوليتان في عام 1880، وبلغت مقتنياته عند الافتتاح 174 قطعة أثرية. عمل أمناء المتحف خلال السنوات اللاحقة على زيادة مقتنيات المتحف الأثرية لمنافسة المجموعات الأخرى الأقدم في باريس ولندن. بين هؤلاء الأمناء، يبرز توماس هوفينغ (Thomas Hoving) الذي حمل على عاتقه هذه المهمة، فأطلق خلال الستينيات حملة شراء واسعة لجلب عديد من القطع الأثرية المهمة إلى المتحف من جميع أنحاء العالم. سلّط التقرير الضوء على ما كتبه هوفينغ نفسه في مذكراته الصادرة عام 1994، من أن دفتر عناوينه الخاص كان مليئاً بأسماء المهربين والوسطاء أكثر من أي شخص آخر في عالم الفن. كتب هوفينغ في مذكراته معقباً بأن رأيه قد تغير لاحقاً بشأن التعاون مع المهربين، غير أن الوقائع التي ذكرها التقرير تثبت أن سياسة المتحف لم تتغير.
تفجرت إحدى هذه القضايا في عام 2018، إثر انتشار صور لكيم كارديشيان، وهي تقف إلى جانب تابوت فرعوني مذهب. واتضح في ما بعد أن هذه القطعة الأثرية قد نُهبت خلال الأحداث التي أعقبت ثورة 2011 في مصر، ونقلت إلى خارج البلاد بأوراق مزورة. حظيت هذه القضية باهتمام إعلامي بسبب ارتباطها بكيم كارديشيان. ولم يكن أمام المتحف خيار آخر سوى إعادة هذه القطعة. في الحقيقة، لم تكن هذه هي القضية الوحيدة، فاستناداً إلى الصور الأرشيفية للمعابد النيبالية، أثبت التقرير أن هناك ثلاث قطع أثرية مهمة ضمن مقتنيات المتحف، نُهبت من نيبال من دون أي ذكر لطريقة الحصول عليها.
يذكر التقرير أن قرابة 15 في المائة من مجموعة المتحف النيبالية، وما يقرب النصف من المقتنيات الكشميرية، يعود أصلها إلى مصدر واحد، وهو شخص يدعى صموئيل إلينبرغ. يثبت التقرير أن إلينبرغ كانت تربطه علاقات وطيدة بتاجري آثار مشبوهين اتهما من قبل في قضايا تهريب. يذكر التقرير أيضاً أن المتحف قد أعاد مزهرية يونانية إلى إيطاليا، كان قد اشتراها في عام 2008 مقابل مليون دولار، غير أن مقتنيات المتحف ما زالت تضم سبع مزهريات أخرى لا تحمل أي سجلات حول كيفية الحصول عليها. سوباش كابور، هو اسم آخر يظهر في سجلات المتحف، وهو تاجر آثار هندي أدين العام الماضي بالسجن لمدة عشر سنوات بتهمة تهريب الآثار. أظهر التقرير أن المتحف يضم 85 قطعة أثرية مرتبطة بهذا التاجر الهندي. اللافت هنا، كما يذكر التقرير، أن بعد الحكم على كابور، أزال المتحف المعلومات المتعلقة به من أرشيفه، مكتفياً بوصف مقتضب للأعمال. يذكر التقرير أنه خلال السنوات الأخيرة، أعاد المتحف طواعية العديد من القطع الأثرية المنهوبة إلى بلدانها الأصلية، لكنه يذكر أيضاً أن هناك عديداً من القطع التي صودرت بعد بلاغات من الحكومات عن عمليات نهبها وخروجها بطرق غير مشروعة.

علوم وآثار
التحديثات الحية

بين هذه القطع التي يذكرها التقرير، هناك خمس قطع مصرية صودرت في يونيو/ حزيران الماضي، كذلك صودرت في سبتمبر/ أيلول الماضي 27 قطعة أثرية أخرى. وفي عام 2021، صودرت أكثر من 100 قطعة أثرية من مجموعة المتبرع الشهير مايكل شتاينهارت، الذي خصصت له قاعة كاملة باسمه داخل المتحف، إذ اتضح أن معظم هذه القطع التي تبرع بها حصل عليها بطرق غير مشروعة. في الوقت الذي يمثل فيه هذا التقرير فضيحة مدوية لواحد من أبرز متاحف العالم، إلا أنه يلفت الانتباه إلى أهمية العناية الواجبة بالتحقق من أصل القطع الأثرية داخل المتاحف الكبرى حول العالم، حتى لا تظل ملاذات آمنة للثروات والأموال المنهوبة، ما يعني الحاجة إلى مزيد من الشفافية والالتزام الأخلاقي.

المساهمون