كلّ شيء معطوب فالخراب عظيم

19 ابريل 2021
الصورة
لا شيء يُخفي الجُرم ومرتكبيه (باتريك باز/ فرانس برس)
+ الخط -

جملة واحدة تُثير نزاعاً آخر في بيروت المدمَّرة. محوها يزيد الأمر سوءاً. "دولتي فعلت هذا" مكتوبة على جدار على كورنيشٍ يُطلّ على مرفأ مسحوق، في مدينة مشوّهة. بعد أشهر طويلة، يمحوها شبابٌ برسومات ملوّنة، فتُعاد كتابتها، ويُثار نقاشٌ في "فيسبوك" ممزوجاً بسخرية وشتائم كثيرة وسجال قليل، مع صُورٍ تؤكّد المحو وإعادة الكتابة.

النزاعات كثيرة. المصائب أكثر. العنف يتغلغل سريعاً في مسام اجتماعٍ وعلاقات. التوتّر مُتسلّطٌ. الفقر غير مُحتَمَلٍ. الكذب والافتراء والتزوير عناوين تختزل سلطةً فاقدة معناها، وتعكس بطش قوى أعنف من غياب دولة. الجرائم تتناسل، وكشف الحقائق الخاصّة بها غير وارد، رغم معرفة كلّ شيء عنها (الجرائم). المجرم واضحٌ. تطوّر سلوكه مُثير لدهشةٍ وغضبٍ وخوف، لانتقاله من اكتفاءٍ بارتكاب الجُرم إلى التباهي بفعلته، وإنْ مواربة أحياناً. الآن مفقود. المقبل من الأيام يتخلّى عن أوهامٍ جميلة، فلا أوهام ولا جمال، ولا شيء.

أطراف جثّة مقطّعة يُعثر عليها في حقيبة أمام مصرف. يُفترض بهذا ألا يكون عابراً، لكنّ البلد قابلٌ لنسيان فظيعٍ. جرائم فردية، بعضها مرتبط بعنف ضد نساء وأطفال ومراهقات، منسيةٌ تماماً. نقابة فنانين تقمع فنانين، وهذا عاديّ، فالنظام الحاكم يفرض صمتاً أو قتلاً أو إقصاء أو تغييباً أو تهجيراً، لحاجته إلى تابعين فقط، والنقابة كغيرها تابعةٌ وهذا كافٍ لها. مواجهة النظام الحاكم نادرة، ومن يواجِه يُدرك أنْ لا نتيجة مرضية ولا خلاص ولا تحرّر. مع هذا، يُواجه فالمواجهة بالنسبة إليه خطوة أخيرة قبل الغياب.

آخرون يُقارعون أناساً، ذنبهم الوحيد أنّهم يواجهون وحدهم آلة قتل ونهبٍ وفساد، لاطمئنان المقارعين إلى حمايةٍ، يمنحها نظام حاكم، فبعض مقارعات كهذه تُفيده، بشكلٍ ما. مجموعة شبابية تظنّ أنّ النظافة دربٌ إلى انقلابٍ أو تمرّد أو ثورة، أو إلى خلاصٍ، أو إلى استعادة حقوق منهوبة. مجموعة شبابية تقول إنّ تشويه المدينة وصورتها ممنوع، متناسية أنّ ما تعتبره تشويهاً انعكاسٌ لواقع يرفضه النظام الحاكم. بالنسبة إليها، لا يُشوّهُ الجرمُ اليوميّ المدينةَ وصورتها، وناس المدينة وحقوقهم المنهوبة. مجموعة شبابية تعتقد أنّ الألوان للفرح، والوضوح ـ إنْ ينبع من صدقٍ في تعرية أفعال نظام حاكم ـ مرفوضٌ، والألوان تخفيه. يُقْبَلُ تلوينٌ على جدرانٍ، إنْ يُخفي التلوين كلاماً ورسماً يتحدّيان النظام الحاكم انتقاداً وشتماً واتّهاماً له بجُرم يرتكبه. لكنّ قولاً صريحاً يؤكّد المعروف والمتداول (النظام الحاكم ناهبٌ وفاسد، وبعضه قاتل بوسائل شتّى) ممنوع، ومن يمنع هم شبابٌ يظنّون أنّ الألوان تعني دائماً سلاماً وخلاصاً ومحبّة.

أيّ بؤسٍ هذا؟ أيّ قتل إضافيّ يُرتَكَب بحقّ أناسٍ ومدينة واجتماع وأحلامٍ ورغبات، وهذا كلّه قليلٌ ومتواضع وبسيط؟ أيّ جنون يُمارسه مجتمع مدنيّ، يُصبح متساوياً في الجريمة مع نظامٍ منبوذٍ في بعض الداخل، وفي خارجٍ أيضاً؟ ألوان مجتمع مدنيّ أبشع من جرمٍ تتتالى أنواعه في عيشٍ يوميّ، وبعض أنواعه يتفشّى في مواجهاتٍ بين فقراء يريدون مأكلاً ومشرباً ولا ثمن لهما إلا بالضرب والتعدّي، وبالقتل أحياناً. يوماً تلو آخر، يُصبح القتل عادياً. لحظة تلو أخرى، يتجسّد قولٌ لعمر أميرالاي، يجعله عنواناً لفيلمٍ له من أجمل الأفلام: "في يومٍ من أيام العنف العادي"، ولا داعي لبقية العنوان، فالعنف عاديّ في كلّ الأيام، وميشال سورا مقتولٌ ذات مرّة، لكنّ ناس البلد يُقتلون كلّ مرّة، وكُثرٌ بينهم يرضون بقتلٍ كهذا، وهذا بشعٌ. كُثرٌ يتقاتلون في ما بينهم للحصول على ما يُفترض به أنْ يكون حقّاً لهم، لكنّه حقّ ممنوع عليهم، وإنْ يُمنح الحقّ لأصحابه، يُلوَّث الحقّ ببصمات نظام حاكم.

 

 

لكنّ هؤلاء الكثر (ومنهم شبابٌ عديدون يفرحون بألوانٍ باهتة، يظنّون أنّها تعبيرٌ عن رقيّ في بلدِ المهانات) صامتون وخانعون وقابلون وراضخون أمام مُسبّبي خرابهم وموتهم، بدلاً من الانتفاض عليهم، ومواجهة أقدارهم بمقارعتها ومُقارعة صانعيها لهم.

كلّ النقابات في البلد ملعونة وموبوءة، لا نقابة فنانين وفنانات فقط. بعضُ حراكٍ لبعضها غير صانعٍ لها مجد نضالٍ مطلوب، لكنّه مفقود. لا عمل نقابياً، فالأحزاب أوّل قاتليه، والطوائف أوّل لاعنيه. حركة واحدة تبقى ناقصة وإنْ تكن مفيدة، فلا شيء يوحي بصدقٍ، ولا فعلَ يؤدّي إلى تغيير. نقابة المحامين نموذج على التخبّط بين رغبة في المواجهة، وإطلاق تحذيرات مبطّنة أحياناً، وتقاعس عن فعل المطلوب وبعض المطلوب أهمّ. العطب مُخيف. الانهيار ركيزة عيشٍ. كلّ النقابات ملعونة وموبوءة. كلّ الأحزاب والمؤسّسات والطوائف. كلّ الجمعيات والثقافات والمسالك، ومَنْ منها غير هذا، فمُحاصر ومخنوق وعاجز. هذا واقعٌ. هذه لعنة. هذا نتاج صمت وخنوع وقبول ورضوخ منذ زمن، وربما إلى أبدٍ.

أفلامٌ تقول شيئاً من وقائع، فتُحارَب من نظامٍ حاكمٍ، ومن مؤيدين له في الاجتماع والثقافة والفنون. مسرحيات تعكس خراباً أو بعضه، فينفضّ كثيرون عنها لأنّها، بالنسبة إليهم، تحول دون هناءٍ يريدونه، متناسين أنّه ممنوعٌ عليهم بقرار حاكمٍ أو أكثر. كتبٌ ومقالات واشتغالات يجهد مؤلّفوها وكاتبوها في كشف دمار وموت وعفنٍ ونهبٍ، لتنبيهٍ إلى مصائب وأعطاب، ولتعبيرٍ عن قسوةٍ وانهيار، تُنبَذ كما يُنبَذ مؤلّفوها وكاتبوها، وبعض هؤلاء يُقتَل كدرسٍ لآخرين عن مصير من ينتفض ويرفض ويواجِه من دون كلل. هؤلاء نادرون، يُهدرون تفكيرهم وتأمّلاتهم وأقوالهم وحياتهم من أجل لا شيء ولا أحد، وهذا بشعٌ وقاسٍ، فلا شيء ولا أحد يستحقّ تضحية كهذه، في بلدٍ ملعون ومعطوبٍ وموبوء، وغالبية ناسه ملعونة ومعطوبة وموبوءة أيضاً.

 

 

جمعيات تدّعي عملاً نافعاً وصادقاً، لكنّ الفعل منافٍ لكلّ منفعة وصدق. استغلالٌ مفضوح لمصائب تحلّ على أناسٍ يريدون عيشاً كريماً وهادئاً، ويطلبون حقّاً مشروعاً لهم، لا أكثر. أفرادٌ يتباهون بفنٍ وثقافةٍ من أجل بلدٍ وناس البلد، وكثيرون منهم يملكون ترف عيشٍ أفضل، ويجدون في مصائب آخرين فوائد لهم. لا اختلاف بين مجتمع مدني ومجتمع مخمليّ. هذا بلدٌ مُصابٌ بوباء تسميات وأفعالٍ أخطر من أوبئةٍ تولد من طبيعةٍ، أو من اشتغالات في مختبراتٍ وعلوم. هذان مجتمعان يتلذّذان برؤية فقراء يتصارعون مع فقراء من أجل لقمة خبزٍ أو نقطة ماء. بل إنّهما يفرحان لهذا، فهذا نبعٌ لهما غير ناضبٍ، لما فيه من أرباحٍ، والأرباح مالٌ أولاً، وجاه وسلطة أولاً أيضاً.

لكنّ "دولتي" لم "تفعل هذا"، فهذه ليست دولة أصلاً، والنظام الحاكم مسؤول عن جريمة مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب 2020)، وعن جرائم شتّى. هذا عطبٌ آخر، لأنّ للمفردات معانيَ، وعلى المعاني ألاّ تُشوَّه أو تُزوَّر. جريمة مرفأ بيروت، كجرائم مرتكبة منذ سنين مديدة، مصنوعة بأيدي جماعاتٍ تلتزم نظاماً حاكماً على حساب دولة، فالدولة مقتولة منذ تحكُّم اتفاقٍ شفهيّ بدستور وقوانين، والناس نيام، والمنبّهون قليلون، ولا أحد يستمع إليهم، أو يقرأ لهم، أو يهتمّ بهم. نظام حاكم غير مستحقّ أنْ يكون مافيا، فالمافيات الأصلية غير لاغية الدولة لحاجتها إليها، بشكلٍ ما.

لا مافيات في البلد. أو ربما هناك مافيات، لكنّها منقلبة على الأصل، وذاهبة إلى تفاهة معنى الأصل وصورته. المتحكّمون بالبلد وناسه يتحدّرون من ذرّية جُوِي زازا، لا من جذر آل كورليوني والعائلات الخمس. يفتقدون دهاء دون ألتوبيلّو، لتماثلهم بفيرجِل سولّوتزو، ولاعتمادهم حِيلاً تتعطّل لاحقاً، يصنعها سلفاتوري "سالي" تِسِّيو، المتباهي قُبيل مقتله بأنّ "هذا ليس أمراً شخصياً، بل مجرّد عمل".

أيُّ عملٍ يمارسه متحكّمون بالبلد وناسه، غير النهب والفساد والعفن والتزوير؟

أيُّ بلدٍ هذا؟ أيُّ اجتماع وشقاء وعفن؟

المساهمون