فيلم "آية"... توثيق يهيمن على الخيال

فيلم "آية"... توثيق يهيمن على الخيال

28 نوفمبر 2021
شارك الفيلم في "المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا" (فيسبوك)
+ الخط -

بعد انحسار وباء كورونا، انعقدت حضورياً دورة جديدة لأحد أكبر المهرجانات المغربية: الدورة الـ 14 لـ "المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا"، المُقامة بين 8 و13 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي. كثافة الحضور والأنشطة المبرمجة دليلٌ على محاولة تعويض الزمن السينمائي الذي أهدره الوباء.

حرص المهرجان على أنْ تكون المرأة في قلب الفعل السينمائي، وفي قلب الحياة. تضمّن البرنامج مسابقة رسمية للأفلام الروائية الطويلة، عن تيمة المرأة؛ ومسابقة رسمية لأفلام وثائقية، تتطرّق إلى نضال المرأة من أجل المساواة، وضد كلّ أشكال التمييز. هناك أيضاً نافذة على الفيلم القصير المغربي، لمواهب نسائية شابة، وأخرى على الفيلم الروائي الطويل المغربي. بالإضافة إلى تكريم السينما السويسرية "ضيف شرف" هذه الدورة، وتكريم الممثلتين المغربيتين سامية أقريو في حفلة الافتتاح، وثريا العلوي في حفلة الختام.

أفلام المهرجان تروي حكايات من جغرافيات مختلفة، من وسط آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، منها "آية" (ساحل العاج، 2021)، للبلجيكي سيمون كوليبالي جيار، مُقدّماً نظرة عن حياة النساء في جنوب الصحراء، بين رملها الساخن وماء البحر المالح الذي يفترس ذلك الرمل من أطرافه.

تقضي المُراهقة آية كلّ وقتها في تدبير الطعام وتحضيره، في بيئة عدوانية شحيحة، من دون أنْ تشبع. هذا يُسبّب إنهاكاً بدنياً هائلاً، يجعل النوم مسيطراً على الجفون. في أجواء كهذه، ينتقل ملل الحياة الواقعية إلى إيقاع الفيلم. هكذا، يصير الفيلم التخييلي توثيقياً في جوانب كثيرة منه. هذه خاصية فنية، تحبّها المهرجانات السينمائية، ولا يطيقها شباك التذاكر.

يتآكل الساحل. يتقدّم البحر، ويمحو البلد. مراهقة تتأمّل تبدّد أطلال موطنها. قبور مثقوبة ومنازل منهارة. في الفيلم، وحدة حدث، وزمن، ومكان. جزيرة تتآكل من أطرافها، وسيبتلعها المحيط. ماذا سيفعل السكّان؟ لا بُدّ من رحيل إجباري. أطلال الجزيرة وأطلال القبور. هذا كلّ ما بقي من حياة آفلة. يشبه هذا مطلع قصائد قديمة. يعيش البشر حكايات تتشابه في خطوطها العامة. حيث يحلّ الخراب، يجب الرحيل. هذا يغذّي الحنين. ما الذي ستُعلمه آية للمتفرّجين؟ سيتعلّمون أنّه يصعب قطع الصلة بالأمكنة التي وُلدوا وتربّوا فيها.

آية اسم مسلم في مجتمع مسيحي. جزيرة تتآكل من أطرافها، بينما تمثال مريم العذراء يتفرّج على البؤس. ما كان مشاهد رومانسية تبدّد بسبب التعرية البحرية. يجري نقل القبور للحفاظ على الأجداد. السكّان يُرحِّلون الأموات أولاً. تعرية بحرية تجرف القبور. فجأة، تُفهم وقائع متباعدة. تظهر الصلة بين التحوّلات المناخية ونمط العيش. هناك وضوح في تحوّل الوضعيات في الفيلم. رحل الجميع، وبقيت المراهقة وحيدة في الجزيرة. لا تستطيع التكيف مع أمكنة جديدة، كأنّ لديها خياراً. هي وفية لبيئتها. هذا يميّزها عن الهاربين.

بُني الفيلم على واقعة حقيقية، معروفة إعلامياً باسم جزيرة لاهو كباندا (Lahou Kpanda). تُقدَّم وقائع بسيطة. تتطوّر الأحداث، ويكتشف المتفرّج أنّها تتراكم تدريجياً، لتصير أكثر تعقيداً. في السيناريو وحدة في المادة والموضوع والطريقة. جزيرة من النساء تقريباً. لم يكن هناك أب أو أخ أكبر ليقمع آية أو يرغمها على شيء. دراما مبنية على تنافر غايات الشخصيات، غاية الأم وغاية المُراهقة آية.

سينما ودراما
التحديثات الحية

سألتها أمها: آية، هل سترحلين؟ أجابت: لا. رحلت الأم، وبقيت آية وحدها. عزل المخرج بطلته في الجزيرة ليعصرها أمام الكاميرا. صارت نسخة مصغَّرة، ماواغلي (فتى الأدغال). عزلها ليختبر معدنها. ضحّت آية، وبقيت وحدها. صارت تحاور الحيوانات. تسأل السلطعون هل سيرحل.

فيلم يغلب عليه الطابع الاجتماعي التوثيقي. يبدو أنّ آية ابنة الجزيرة، وليست ممثلة. يهيمن توثيق الحقائق الطبيعية على تطوير التخييل. يشتدّ هذا حين يكون المخرج قادماً من بيئة ثقافية مختلفة، ويريد التقاط حقيقة عيّنة من المجتمع الأصلي بنظرة استشراقية مُتحيّزة. مخرج يفترض أنّ البطولةَ صمودٌ وبقاء، بينما الشبّان يفرّون من بلدتهم.

لم يمنح المخرج بطلته الأفريقية ظروف عيشه البلجيكي. أعارها فقط وعيه البيئي الأوروبي الأخضر. فجأة، تغيّرت المُراهقة، ولم يبق إلاّ أنْ تُلقي خطاباً في مؤتمر غلاسكو للتغير المناخي عام 2021، لتدافع عن التنوّع البيولوجي، وتناضل من أجل المناخ والبقاء في الجزيرة التي تغرق، هي التي لم تكن تشبع. 

المساهمون