طِيبَةُ إنكليزيةٍ وتفاؤلها وحبُّها: حياة وتحدّيات في فيلم مسلٍّ

طِيبَةُ إنكليزيةٍ وتفاؤلها وحبُّها: حياة وتحدّيات في فيلم مسلٍّ

25 اغسطس 2023
ليسلي مانفيل تُروّج للسيدة هاريس "الباريسية" قبل نحو عام (جف سبايسر/ Getty)
+ الخط -

كلّ شيءٍ في "السيدة هاريس تذهب إلى باريس" (2022، 116 دقيقة)، للبريطاني أنتوني فِبيان، يوحي بعيشٍ سلس، وصُدفٍ جميلة، وبساطةٍ تغلب وقاحةً وتعجرفاً، وابتسامةٍ تنتصر على سوء وقسوة. هذا كلّه حاصلٌ، رغم بداية مليئة بأسى تشعر به إيدا هاريس (ليسلي مانفيل)، ومصاعب يوميات تواجهها في لندن، في خمسينيات القرن الـ20، أي بعد أعوامٍ قليلة على نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، التي (الحرب) تصنع آثاراً قاهِرة ومُذلّة لملايين الناس، خاصة الفقراء بينهم.

إيدا عاملة منزل: تُنظِّف وتُرتِّب ببراعة، وتُحيك ملابس، ومعظم عملها حاصلٌ في منازل أثرياء، يرفضون دفع المتوجَّب عليهم إلى من يقوم بأعمالٍ منزلية، مع أنّ هناك من لا يتردّد عن دفع 500 جنيه إسترليني (مبلغ كبير في تلك الفترة، بالنسبة إلى أمثال إيدا تحديداً) ثمن فستانٍ رائع من صُنع الفرنسي كريستيان ديور. فستانٌ سيقلب حياة تلك المرأة، المنتظرة عودة زوجها الذي تُحبّ من تلك الحرب، قبل أنْ تُبلَّغ رسمياً بمقتله قبل أشهرٍ على نهايتها. فستانٌ يُثير في ذاتها ومشاعرها رهبةً وشغفاً، ويُطلق في مخيّلتها حلم الحصول على شبيهٍ له من المؤسّسة نفسها. هذا يعني أنّ عليها تدبير تكاليف السفر إلى باريس، وثمن الفستان.

تخسر رهاناً بـ100 جنيه إسترليني في سباق للكلاب. تفشل في نيل مستحقّاتها المالية. تُسلّم خاتماً ثميناً، تعثر عليه في ليلة ماطرة، إلى مكتب المفقودات. لكنّ حلمها قويّ، ورغبتها في تحقيقه أقوى. فجأة، تتبدّل أحوالها: صديقها آرتشي (جايسن آيزكس)، العامل في مكتب الرهونات (يحاول نهيها على المراهنة، من دون جدوى) "يحتال" على مديره، فيُراهن بمال إيدا ويربح (سيُعطيها المبلغ كلّه). صاحب الخاتم يُكلِّف مندوباً من مكتب المفقودات ليُسلّمها إياه (الخاتم). مُرسَل من الجيش الملكي يزورها، ليبلغها أنْ لها مستحقات مالية لقاء خدمات زوجها غير مدفوعة له.

إذاً، "الحياة وردية" كما يُقال. فجأة، تتغيّر ألوان المشاهد من الرمادي اللندني إلى المُشرق الباريسي. في العاصمة الفرنسية، التي تمتلئ شوارعها بالنفايات بسبب إضراب عمّال التنظيفات، لن تُصادف إيدا مشكلةً واحدة: كلُّ من تلتقيه يُساعدها، مع أنّ بعض السكارى "يسخرون" من "السيّدة ديور"، من دون أنْ يتخلّوا عن تعاطفهم معها ومساعدتها. طيبتها أقوى. ابتسامتها وتفاؤلها يُذلّلان العقبات. دخولها مؤسّسة ديور سلس للغاية، والماركي دو شاسّاني (لامبير ويلسون) يتدخّل في اللحظة المناسبة، فيُساعدها على حضور عرضٍ للأزياء، رغم قسوة مدام كلودين كولبير (إيزابيل أوبير)، المديرة المتعالية والمتعجرفة وحادة الطباع (فهذه أوصاف مطلوبة، ربما، لإدارة مؤسّسة كهذه). تختار فستاناً، لكنّ مدام أفالون (غلان لوندي)، ثرية فرنسية تحقد عليها لفقرها وعدم انتمائها إلى طبقة اجتماعية راقية مثلها، "تسرقه" منها. مرة أخرى، يتدخّل الحظ الجيّد، ويُوافَق على حياكة فستان آخر لها بأسرع وقتٍ ممكن.

 

 

بانتظار الانتهاء من تجهيز الفستان، تعيش إيدا أياماً جميلة وهادئة في باريس. تكتشف المدينة وناسها. تتعرّف إلى طباعٍ، وتستمع إلى حكايات. تهتمّ بمن يهتمّ بها، كالمحاسب أندره فوفال (لوكا برافو). تُساعد من تُساعدها، كعارضة الأزياء الشابة ناتاشا (ألبا باتيستا). قلبٌ طيّب ينزع قيوداً ويُلغي حواجز، ونظرة ثاقبة ـ من عينين تُشعّان حبّاً وتتوهّجان ذكاءً ـ كافيةٌ لفهم مخفيّ أو مبطّن، فتعمل على كشفه بهدوء وروية، لمصلحة أفراد حولها. تلتزم، بصرامة، أحوال الناس الفقراء وتدافع عن العاملين/العاملات في "ديور"، وتقودهم إلى صاحب المؤسّسة، الذي، بفضلها، سيوافق على خطة فوفال لإنقاذ المؤسّسة من أزمتها.

جديد أنتوني فِبيان، المُشارك في كتابة السيناريو مع كِرول كرترايت وكيث تمبسون وأوليفيا هَتْريد، والمُقتَبس من "السيدة آرّيس تذهب إلى باريس" (1958) للأميركي بول غاليكو، غير خالٍ من سخريةٍ، بعضها انتقاديّ، تُصيب أفراداً فرنسيين في التعامل مع آخرين/أخريات. لكنّه غير مكترث بمقارنة بين مدينتين، رغم أنّ كلاماً، يُقال بين الحوارات لا فيها، يحاول تبيان فروقات في مستويات مختلفة. قذارة باريس متأتية من فسادٍ، والطيّبة الإنكليزية (إيدا نفسها) تنقذ مؤسّسةً وأناساً، وتتسامح مع مُضطهِدة سابقة لها. تعاطف الماركي الفرنسي مع العاملة الكادحة الإنكليزية سببه تذكيرها إياه بعاملة فرنسية تهتمّ به طفلاً، وهذا يُسيء إليها فتتخلّى عنه سريعاً.

بعد عودتها إلى لندن، ولقاؤها صديقتها الوحيدة فيوليت (إلِن توماس)، تُساعد الشابّة باميلا بنْروز (روز ويليامس)، التي تعمل في منزلها. المُسَاعَدة غير مُقدَّرة بثمن: تمنحها "فستان ديور" لسهرةٍ تحتاج باميلا إليها. لكنّ ناراً تحرقه، فيحترق قلبها وحلمها وتعبها أيضاً. الطِيبة الإنكليزية تُقابلها طِيبة فرنسية: كريستيان ديور شخصياً يُشرف على تجهيز فستان آخر لها، وإرساله إليها، بعد قراءته الخبر في صحيفة.

فيلمٌ كهذا يُشاهَد، لقدرته على تسليةٍ مترافقةٍ وسلاسة سرد ومواقف وعلاقات، رغم أنّ المبطّن في المضمون الدرامي يقول إنّ البساطة والتفاؤل والابتسامة والصدق والطيبة أمورٌ ناجعةٌ ومطلوبة وضرورية، خاصةً في مرحلة لاحقة على حربٍ تصنع مآسٍ وانكساراتٍ وخيبات وأحقادٍ وآلامٍ.

المساهمون