سيرة "سينمائيّ مؤجّل": سلاسة كتابة تنتقد حرباً وذاكرة وعلاقات

فادي توفيق يروي سيرة "سينمائيّ مؤجّل": سلاسة كتابة تنتقد حرباً وذاكرة وعلاقات

07 ديسمبر 2020
الصورة
الحرب اللبنانية: واقع سينمائي أو واقع بصورة صحافية؟ (بيتر تشارلزوورث /Getty)
+ الخط -

 

يستعين الكاتب اللبناني فادي توفيق بالسينما، ليقرأ حرباً وتاريخاً ومدينةً وحالاتٍ ومسائل معلّقة ومصائر مجهولة لأفرادٍ عديدين. يتّكئ على كتاباتٍ متفرّقة لشخصيةِ سينمائيٍّ لبناني، ليغوص في تأمّلاتٍ عن السينما وعلاقتها بالحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، وعن ذاكرة بيروت وارتباطها براهنٍ محطَّم، وعن مفقودين ونساءٍ وعنفٍ ومليشياويين وهجرة وارتباطٍ بجغرافيا وتحوّلات، وعن قنصٍ وكوريغرافيا نجاةٍ وبداوة عيشٍ. كتابات تتمثّل برسائل "السينمائيّ المؤجّل"، ستكون ركيزة "الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان" ("نوفل، دمغة الناشر هاشيت أنطوان"، بيروت، الطبعة الأولى، 2020).

لكنْ، من هو "السينمائيّ المؤجّل" (ص. 43)، كيفورك كساريان؟ ما علاقة السينمائيّ اللبناني الراحل كريستيان غازي (الرواية مُهداة إليه) بالنصّ والحكايات والفضاء العام، فبعض التفاصيل والمسارات والخيبات تسم سيرته المضطربة، وبعض التفكير النظريّ والتحليليّ الخاص بالسينما، وبعلاقتها بالواقع والفرد والمدينة، مرتبطٌ به، رغم أنّ غازي مولودٌ في أنطاكيا (تركيا) عام 1934، ومتوفّى في بيروت عام 2013؛ بينما كساريان مولود في فلسطين عام 1948 "لأبٍ فلسطيني من مدينة القدس وأم لبنانية فرنسية" (ص. 18)، ومُختفٍ في باريس منذ 6 فبراير/ شباط 1995 (ص. 91). يرد "خطأ" في تاريخ مغادرته بيروت، إذْ يقول الراوي في الصفحة 89 إنّ ذلك حاصلٌ في 6 فبراير/ شباط 1993، بينما يرد لاحقاً أنّ جان لوك ساباتييه، كبير المحقّقين الفرنسيين في اختفائه، يُشكِّك أصلاً في مجيئه إلى باريس، في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1993 (ص. 94)؟ ثم ساباتييه نفسه: أجنرالٌ هو أم كولونيل (في الفصل الـ20، تُذكر الرُتبتان مراراً)؟

بالتالي: لماذا إدراج اسم فادي أبو خليل (شاعر ومسرحي وممثل وكاتب لبناني) في نهاية الرواية (ص. 98)، التي تُشكِّل صفحاتها القليلة (8 صفحات)، بسلاسة كتابتها المنسحبة على النصّ برمّته، صدمة واختباراً يضعان قارئاً، مُهتمّاً ومُدركاً بعض تفاصيل مرويّة في الكتاب، أمام مرآة ذاتٍ وروحٍ في بلدٍ منهار، وحربٍ مُعلّقة، وأسئلة معطوبة، وملفات مفتوحة على مجهول وتزييف وإقصاء ونسيان؟

يطرح فادي توفيق أسئلة كثيرة في سرد مكثّف ونصّ صغير الحجم (104 صفحات)، قياساً إلى أهمية الأسئلة، وعمق دلالاتها ومضامينها وناسها وأهوال عيشهم. أسئلة تتوه، أحياناً، في غياب إجاباتٍ، وإنْ ينفضّ النصّ عن إجاباتٍ، فالأساسيّ فيه يتجاوز حسم الأمور، تماماً كعادة كيفورك كساريان، الذي "يستعرض بعض مظاهرها العامّة (الحرب اللبنانية)، من غير أنْ يتناولها بالتفصيل" (ص. 89)، مع أنّ هاجسه الأول "التقاط الأشياء والأحداث بسيرورة حصولها، لا بتسجيل حصولها وحسب" (ص. 77).

 

 

استعراض الأسئلة ومضامينها والتقاط الأشياء وحصولها أهمّ من الركون إلى إجاباتٍ وتفاصيل. ما يُنسب إلى كساريان من أفكار وتحليل ومعاينة واشتغال، مُستمدٌ (أو ربما يبدو كأنّه مُستمّد) من أحوال أناسٍ عديدين، ينشغلون بها إلى راهنٍ آنيّ، بعد 25 عاماً على اختفاء كيفورك في باريس، وبعد سنين غير محسوبة بدقّة على اختفاء فادي أبو خليل أيضاً.

لهذا، يتحوّل الفصل الأخير (20)، في كتاب فادي توفيق، إلى تكثيفٍ دراميّ، يستند إلى بعض التحقيق البوليسيّ، ليبلغ خلاصةً تُبدِّد وهم العلاقة الجميلة بكيفورك كساريان، وبسيرته المروية في رسائل يُرسلها إلى أصدقاء ومعارف (لا رسائل مُرسلة إليه، باستثناء واحدة مُرسلة من عبير النمر، فالنص له لا لأصدقائه ومعارفه)، تنتقل إلى كتابٍ يميل قليلاً إلى فنّ التحقيق الأدبيّ في مخطوطات متروكة منذ أزمنةٍ. هذا حاصلٌ مراراً في روايات وأفلامٍ توهم قارئاً ومُشاهداً بمناخٍ وأناسٍ وتفاصيل، قبل أنْ تُخبره النهاية بنقيضٍ أو اختلافٍ. هذا جزءٌ من متعة قراءة نصٍّ، يرويه سينمائيّ غير معروف بقلم كاتب معروف (أمْ أنّ الاثنين واحدٌ؟)، ليبوح فيه بقلق وتأمّل واضطرابٍ، يعيشه أحدهم في سيرة حربٍ أهلية، وفي إفرازاتها المختلفة، الدافعة إلى أسئلةٍ تُعلِّقها النهاية المزعومة للحرب نفسها، ويُزيد غليانها سلمٌ هشّ وناقص ومعطَّل.

شخصيات عدّة تُذكر أسماؤها في نصّ فادي توفيق. بعضها يُلمِّح إلى أناسٍ حقيقيين ومعروفين، وبعضها الآخر غير معنيّ بتلميح أو إشارة. لاحقاً، يُكشَف سرّ هذا التوليف الكتابيّ بين وقائع وتساؤلات وذاكرة، وأناسٍ تنعكس صُورهم وآراءهم وانفعالاتهم في نفوس شخصياتٍ ذات أسماء وهمية أو غير معروفة. الخطّ، الذي يُفترض به أنْ يفصل بين واقع ومتخيّل، يُصبح أساس اندماجٍ عميق بين الواقع والمتخيّل، إمّا لأنّ للواقع خراباً أعنف من قدرة كلّ متخيّل على ابتكاره، وإمّا لأنّ لعبة الكتابة وإيحاءاتها أجمل من أنْ تكون واضحة. والنهاية، بصُوَرها وانكشاف السابق عليها بحقيقته "غير المكتملة"، تقول بحدّةٍ وقائع عيشٍ واختفاءات وخراب ومصائر محطّمة، كقولها ـ بالحدّة نفسها ـ سيرة مدينة وحربٍ وسينما وأهوالٍ.

وإذْ تكشف النهاية مصائر وتمنح ما يوحي بأنّه إجابات، وإنْ تبقى الإجابات مفتوحة على مدى أوسع من نصّ ورسائل وخبريات؛ فإنّ البداية تُحدِّد بعض وضوحٍ في مقاربة تساؤلات، تنكشف تدريجياً، وتتكاثر فيُثير تكاثرها قلقاً إزاء وفرتها، وإزاء ما يشي بعدم اكتمالها، وبحاجتها إلى مزيدٍ من التوغّل في تشعّباتها ومتاهاتها. لكنّ قراءة النصّ تعكس، بالتأمّلات والتساؤلات المبتورة بعدم اكتمالها، شيئاً كثيراً من ذات كيفورك كساريان وروحه وارتباكاته وتخبّطاته، ومن انصرافه المتطرّف إلى أقصى المواجهة والانزواء، وإنْ يكن هذا "السينمائيّ المؤجّل" وهماً أو خيالاً أو شخصاً حقيقياً، أو حالة تجمع هذا كلّه، أو تجمع أناساً كثيرين في واحدٍ. أو ربما لأنّ كلّ شيء مبتور في بلدٍ يُمنع من النهوض، ويُسرف في تناقضات عيشٍ وعلاقات، ويُسجن في أوهام حياةٍ وذاكرة، لشدّة تسطيحٍ يُمارسه كثيرون في علاقتهم به، أو يُمارسه البلد نفسه في علاقته بذاته وبهم.

 

 

كيفورك كساريان يُلخِّص أزمة ماضٍ وحاضرٍ، بتعبيره عن رعبٍ يُدركه عند اختياره مغادرة البلد، في لحظةٍ تشهد عودة كثيرين إليه بعد انتهاء تلك الحرب. يكتب الراوي أنّ أكثر ما أرعب كساريان "قدرة اللبنانيين على مغادرة الحرب بهذه السرعة الفائقة". فـ"السرعة القصوى التي خرجنا فيها من الحرب تقترح في الآن نفسه إمكانية دخولنا فيها من جديد بالسرعة نفسها، وهذا يُرعبني أكثر بكثير من فكرة استمرار الحرب" (ص. 90).

تحليله هذا يمتلك حدّة وخوفاً وارتباكاً وقلقاً، كحدّة تحليله مسائل سينمائية، يبدأ نصّ فادي توفيق بها، إذْ يروي أنّ كيفورك كساريان، عشية بدء تصوير أول فيلم له (1975) بعد عملٍ مديد مع سينمائيين آخرين مدير تصوير، يُهاجم تلك السينما اللبنانية، وينتقد بعنفٍ أفلام "صديقه" سمير خوري، المخرج اللبناني الذي له "سيدة الأقمار السوداء" (1971) و"ذئاب لا تأكل اللحم" (1973)، ولاحقاً "أماني تحت قوس قزح" (1985). كلامٌ يُثير غضب خوري، ويكشف جهوزية كيفورك كساريان في بدء رحلةٍ مستقلّة له، سيعطبها اندلاع الحرب الأهلية، التي (الحرب) تدفعه إلى عيش حياة مليئة بمشاريع لن تكتمل، وبأسئلة لن تعثر على إجابات، وباختبارات يعطبها إسراف "السينمائيّ المؤجّل" في طرح أسئلة، تتعلّق بالفرد والحرب والصورة والخطف والاختفاء والعلاقات والنساء والعري، وآليات عمل دور نشر أجنبية وصالات عرضٍ فنيّ زمن الحرب وبعده بقليل، وعلاقة السينما بالحرب والصحافة والواقع.

سلاسة الكتابة ضرورة لمنح القارئ حيّزاً لتفكيرٍ في المُفكَّر به، ولتأمّل المتأمَّل فيه. سلاسة لن تُخفي تبسيطاً في صوغ جملٍ، يُمكن تفاديه (التبسيط) في نصٍّ حاضرٍ بعالمه المكثَّف، وبأسئلته الكثيرة، وبشخصياته المرتبكة، وبفضائه المفتوح على المُعلَّق. هذا يُمكن تجاوزه، لما في النصّ من حيويةٍ، تضع القارئ المهتمّ أمام مرايا ذاته وروحه ومدينته وتاريخه.

المساهمون