سينما الحرب الأهلية اللبنانية.. حضور الأهل

سينما الحرب الأهلية اللبنانية.. حضور الأهل

21 ابريل 2015
الصورة
فيلم يامو لرامي نيحاوي
+ الخط -
لم تُحقّق المخرجة اللبنانية، رين متري، فيلمها الوثائقيّ الجديد "لي قبور في هذه الأرض" (2014) بمناسبة مرور 40 عاماً على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (13 أبريل/نيسان 1975). أصدفة هي أو لعبة قدر، أو تورّط سينمائيين لبنانيين شباب في البحث البصريّ في ذاكرة لا تزال حيّة، وفي أسئلة لا تزال معلّقة، وفي عناوين لا تزال عصيّة على الفهم والإدراك؟. لعلّ إطلاق الفيلم في المهرجانات بدءاً من الدورة الـ 11 (10 ـ 17 ديسمبر/كانون الأول 2014) لـ "مهرجان دبي السينمائي الدوليّ"، عشية ذكرى اندلاع تلك الحرب يشي بذلك. لكن رين متري ـ التي اختارت عناوين مترابطة عن التهجير الداخلي وتغيير الديموغرافيا اللبنانية و"الحروب الصغيرة" المتنقّلة في أرجاء البلد و"خارطة الخوف" كما تقول ـ عملت على فيلمها هذا منذ 2010، محاولة اكتشاف شيء من فظائع الأمور أثناء الحرب، وخلال الأعوام اللاحقة لنهايتها المزعومة في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990.
لن يكون فيلم متري أوّل فيلم يتناول مسائل متعلّقة بالحرب الأهلية اللبنانية، ولا أوّل فيلم "يدخل" الحرب عبر قصّة ذاتية بحتة، إذ إن المخرجة انطلقت من علاقتها بمنزل العائلة، إثر قرار والدتها بيعه، بعد أن قرّرت هي نفسها بيع "قطعة" أرض ورثتها من والدها الراحل، في منطقة "عين المير" الواقعة في الحدّ الفاصل أثناء الحرب بين أطراف متنازعة على طريق صيدا ـ جزين. ذلك لأن الأعوام القليلة الفائتة، كشفت عدداً من الأفلام الوثائقية الشبابية المنشغلة بهمّ الحرب وأسئلتها وتفاصيلها، إما عبر أحد أفراد العائلة (أب، أم، عمّ، وغيرهم)، وإما بشكل مباشر يتجرّد من الذاتي العائلي، كي ينفتح على الذاتي العام.
ومنذ بداية التسعينات غداة انتهاء العمليات العسكرية في لبنان، نجد أفلاماً مصنوعة بحماسة شباب يريدون قولاً أو بوحاً أو تعرية، بدءاً من سمير حبشي وفيلمه الروائي "الإعصار" (1992)؛ فيلم قاس بصُوَره الطالعة من كوابيس وانهيارات وبحث مضن عن خلاص مفقود. وهو مشغول برغبة صادقة في تعرية الذات وهواجسها، عبر قصص عن أناس يعانون ألم الحياة في مواجهة الموت. فيلم "بيروت الغربية" (1998) لزياد دويري أكثر نُضجاً، واشتغالاته التقنية والفنية والدرامية ذات مستوى راقٍ. يُطلّ جان شمعون بـ "طيف المدينة" (2000)، الممتدة أحداثه الدرامية بين عشية 1975 ونهاية التسعينيات، بمزيج التأريخي والتنظيري والسرديّ العاديّ. ثلاثة أفلام هي الأولى لمخرجيها، في لحظات مختلفة من التاريخ المشؤوم لسلم أهليّ منقوص وهشّ، تحاول رسم ملامح بيئة ومجتمع وتحوّلات، بمستويات مختلفة من التعبير السينمائيّ.
النتاج الوثائقي المُنجز منذ أعوام قليلة، يبقى الأهم والأقدر على اختراق المبطّن والـ "ممنوع"، عبر لغة سينمائية تُساهم في صناعة صورة واقعية عن البلد والناس وحكاياتهم، وأيضاً عن السينما اللبنانية الجديدة. الاستعانة بأحد أفراد العائلة طريقٌ مزدوجة الأهمية: مساجلة العلاقة القائمة بين جيلين، والذهاب عبر الجيل الأكبر سنّاً إلى الحكايات المروية شفهياً، لمن عاش واختبر أعوام الحرب. سينمائيون شباب يريدون الوثائقيّ نتاجاً إبداعياً، ويعودون إلى الماضي ليرسموا معالم الآنيّ عبر مقاربة الحدث من خلال معاصريه. أسئلتهم كثيرة، وأفلامهم تعبيرٌ صادقٌ عن بلاغة الارتباك في تفكيك الذاكرة لفهمها. مثل: "هيدا لبنان" (2008) لإليان الراهب و"سمعان بالضيعة" (2009) لسيمون الهبر. في عام 2009، قدّمت داليا فتح الله "بيروت كاوبوي"، ولحقت بها زينة صفير في العام التالي، منجزة "بيروت عالموس". في عام 2012، هناك فيلمان مهمّان: "القطاع صفر" لنديم مشلاوي، و"يامو" لرامي نيحاوي. هذه نماذج، ليست كلّها مفتوحة أمام أحد أفراد العائلة، إذ ينفرد مشلاوي عن الآخرين بتوجّهه مباشرة إلى لحظة آنية، كي يُفكّك تاريخاً وتحوّلات. يختار منطقة الكرنتينا، حيث كان مخيّم الفلسطينيين. مقبرة جماعية، وذاكرة مثقوبة بألف حكاية وحكاية، عن مسار مدينة وبيئة اجتماعية وثقافية وحياتية، وصولاً إلى لحظة راهنة متمثّلة ببناء ملهى ليليّ فوق المقبرة نفسها. الآخرون مرتبطون بأحد أفراد عائلاتهم: الأب في أفلام الراهب "هيدا لبنان" والهبر "الحوض الخامس" وفتح الله وصفير. العمّ في "سمعان بالضيعة"، والأم في فيلم نيحاوي، و"أبي ما زال شيوعياً" (2011) لأحمد غصين. شخصيات حقيقية تروي فصولاً عدّة من حروب البلد عبر اختبارات ذاتية، ولا تقف عند أعوام الحرب نفسها، بل تذهب إلى ما قبلها، راوية بعضاً من نفسيات وسلوكيات وأحوال أفضت كلّها إلى انشقاق كبير بين اللبنانيين أنفسهم، وبينهم وبين آخرين أيضاً.
إذا لم يختر نديم مشلاوي أحد أفراد عائلته لسرد حكايته في "القطاع صفر"، فإن تجربة إليان الراهب في "ليالٍ بلا نوم" 2013، تأخذها في رحلة قاسية داخل متاهات الحرب الأهلية. الشخصيتان الأساسيتان في الفيلم؛ المسؤول الأمني السابق في القوات اللبنانية أسعد شفتري (أوّل من أعلن اعتذاراً عاماً عن أهوال الحرب) ومريم السعيدي، والدة الشاب الشيوعي ماهر، الذي "اختفى" أثناء حرب الشويفات (كلية العلوم) بين القوات اللبنانية والقوات الوطنية، أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982). مأساة الفقدان والخطف طاغية (فقدان ناس وخطف بلد وسلام)، وأسئلة الحرب متشعّبة. لكن السينما حاضرةٌ بلغتها وأدواتها وأساليبها في الكشف والفضح والتنقيب.

المساهمون