"جلال الدين" لحسن بنجلون: غلبة الحكاية على لغة السينما

"جلال الدين" لحسن بنجلون: غلبة الحكاية على لغة السينما

24 مارس 2023
حسن بنجلون وياسين أحجام تحضيراً لتصوير لقطة من "مولانا" (الملف الصحافي)
+ الخط -

 

انطلق المخرج المغربي حسن بنجلون، في فيلمه الجديد "جلال الدين" (2022)، إلى عوالم التصوّف والتسامح والاعتدال، وهذا نقيض التطرّف والعنف والتعصّب. قدّم قراءة حديثة، بناءً على واقع قديم، رابطاً إياه بمتغيّرات وأحداث تُفرض على شبابٍ، بعد تلقينهم معطيات التطرّف والعنف، المنبثقة من سرديات دينية مغلوطة وملغومة، موجّهة من أناسٍ لا يريدون خيراً، وتُحوَّر عبرها المدوّنة الدينية، ويُتلاعَب بها، وفقاً لسياقات تخدم أجندة ما.

لكسر هذا المُعطى، استدعى بنجلون شخصية صوفية مهمّة، شكّلت منعرجاً حاسماً في تاريخ الروحانيات، ورسمت أبعاداً عدّة للنفس البشرية، انطلاقاً من الجانب الروحي، مدعومة بأفكار الاعتدال الديني، الذي كانت الشخصية نفسها تنتهجه، داعيةً إلى علاقة خاصة بين العبد وربّه. لهذا، انخرطت تلك الشخصية في التصوّف والسماع، وقول الحكمة، والدعوة إليها. هذا كلّه متأتٍّ من معطيات دينية ومرجعية فقهية يمتلكها، فبات يوصف بـ"مولانا" بعد وفاته، وأصبح اسمه حاضراً في الزمان والمكان إلى اليوم، وله أتباع ومريدون في العالم، مسلمون ومنتمون إلى ديانات أخرى، استناداً إلى جوهر التسامح والسلام والمحبة، التي رفعها ونادى بها.

إنّه "مولانا" جلال الدين الرومي (1207 ـ 1273)، مرتدياً ثوب الحداثة والمعاصرة، واضعاً إياه في فيلمٍ يحمل اسمه: "جلال الدين". حافظ بنجلون على التسمية والسلوك وأفعال الرجل، ونقل أبعاد المنهج الديني المعتدل، ودعوته إلى خلق مساحة واسعة من التسامح، والابتعاد عن العنف والتطرّف، بالنظر إلى القلب، والمضي إلى الصفاء والسلام.

هذه المعطيات منحها المخرج لجلال الدين (ياسين أحجام): رجلٌ متوسّط العمر، ناجح في عمله ومجتمعه، يدير مزرعة لتربية الخيول وبيعها، ويتعامل مع كبار الشخصيات. لديه منزل جميل وحياة مثالية. لكنّ زوجته هيبة (فاطمة ناصر) تعاني مرضاً خطراً، جعل عالمه ينهار أمامه، خاصة أنّه يحبّها بجنون، والحب متبادل بينهما. رغم هذه المعاناة، طلبت منه أنْ يعيش حياته، ويلتقي أصدقاءه. هذا فعله، بذهابه إلى مركزٍ للتدليك تديره سيّدة متقدّمة في السنّ، تدعى فضيلة، ستُكلِّف ربيعة (فاطمة الزهراء بلدي)، التي ربّتها، الاعتناءَ به. شابّة جميلة ومغرية، ومعتدلة القوام، أغرته بجسدها وثيابها وشكلها.

بتحريضٍ من فضيلة وتدبيرها، سُجّلت العلاقة بكاميرا سرية، كما تفعل مع مرتادي ذاك المكان، وهم زبائن مهمّون. جلال الدين سيتفاجأ لاحقاً عند اكتشافه أنّ ربيعة مرتبطة بعلاقة غرامية مع ابنه عادل، الذي يريد الزواج بها. كذلك تذكّر غرامه بزوجته التونسية، التي تركت أهلها وحياتها من أجله، وسافرت معه إلى المغرب. حينها، ترك تلك الحياة، وهام في أماكن عدّة بحثاً عن الخلاص الروحي والصفاء الذهني.

خارت قواه أمام زاوية دينية، استقبله من فيها وأحسنوا وفادته، فأصبح فرداً منهم. ثم توفّي شيخ الزاوية، مولاي عمر (عز العرب الكغاط)، وتفاجأ الجميع باختيار الشيخ له ليكون هو شيخ الزاوية بعده. قرار توجّب عليهم تطبيقه، فأصبح الشيخ الذي انتشر ذكره في كلّ مكان، لحلاوة حديثه ومواقفه واعتداله، وقوّة حجته بين الناس. تزوّج عادل بربيعة، وأنجبا طفلاً بدأ، حين كبر، طرح أسئلة كثيرة عن جدّه. ثم بدأت الفيديوهات المُصوّرة تظهر، مع ابتزاز فضيلة له بعد خروجها من السجن. عندها، اتّخذت قصّة الفيلم منحىً آخر تماماً، فتشابكت الأحداث، مُنتجة مشاهد درامية عدّة.

 

 

التركيز على القصّ والحكاية قَتَل اللغة السينمائية، خاصة أنّ حسن بنجلون استخدم عناصر كلاسيكية، انعكست بوضوح في طريقة البناء، التي اعتمد فيها على بداية وعرض وخاتمة، مع بعض الإثارة والتشويق. لكنّه تجاهل منطلقات الفيلم السينمائي التي تمنحه تميزه، ولم يخرج عن النمط العادي الذي رسمه، فباتت المَشاهد متوقّعة، في الحوار والحبكة التقليدية المنعكسة في أشرطة الفيديو والابتزاز، والخطابية التي غلبت الفنيّة والأشياء المضمرة، كاللقاءات التلفزيونية التي أجراها جلال الدين في الزاوية، ليحثّ الشباب على الابتعاد عن التطرّف، وعلى التمسك بالتسامح والمحبة. مشاهد كان يُمكن تحويلها إلى لغة سينمائية غير مباشرة، فيكون وقعها أقوى، وتلقّيها أجمل وأعمق.

لم يستطع بنجلون بلوغ هذا المعطى، فباتت المَشاهد متوقّعة عند المتلقّي الذكي، الذي لم يباغته ويصنع دهشته ويزرع فيه بذور التأويل، ولم يُفقده توقّعاته، بل منحه إحساس التفوّق الظرفي. بهذا، انتصر "جلال الدين" للتلفزيون أكثر من السينما. كذلك، هناك اختلال واضح في مبدأ القصّ، بسبب ثغرات كثيرة ظهرت في غياب الحكايا والمنطلقات الثانوية، فأرهِق المحور الأساسي، بتحميله ما لا يُحتَمل، وتمخض عنه حشو غير مبرّر، أتعب المُشاهد، وقتل إثارته.

لم تكن المعالجة السينمائية، وحدها، سبب إرهاق الفيلم، المعروض في مسابقة "آفاق السينما العربية"، في الدورة الـ44 (13 ـ 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022) لـ"مهرجان القاهرة السينمائي"؛ بل اختيار الممثلين أيضاً، الذين لم يعيشوا أدوارهم، ولم يفهموا أبعادها، كأيوب اليوسفي، الذي ظهر تشتّته وعدم تركيزه، وتداخلت لديه أحاسيس عدّة، كأنّه لم يقرأ السيناريو، ولم يتدرّب على الشخصية كما ينبغي؛ وفاطمة ناصر، المتكلّفة في دورها، التي أعطت الشخصية أكثر من حجمها، فسقطت في المبالغة، ما أدخل الفيلم في دوّامة التلقي العابر، الذي يقطع العلاقة بينه وبين الجمهور، أو يُشوّش عليه، ويدخله في متاهات.

رغم العثرات المتعدّدة، استطاع حسن بنجلون (كاتب السيناريو أيضاً) خلق مساحة تصوّف معقولة، أثّثها بمعزوفات موسيقية ورقصات ساحرة، عاكساً طقوس "المولوية" بحسّ التعبير الصوفي فيها، ما منحه بُعداً روحياً، وطرحَ أسئلةٍ عن المهمّ في حياة الإنسان، خصوصاً الأشياء المغيّبة في حياة المسلم. هذه أبعاد تُعبّد طرق التسامح والصفاء والمحبة، وتنبذ التطرّف والقتل والدم. كأنّ الفيلم يتبرّأ منها، ويعطي بديلاً لها: الخطّ الصوفي، الذي رسمه جلال الدين الرومي، وقبله شمس الدين التبريزي، كما الحلاج وابن عربي وغيرهم ممن رسموا خطوطاً مُشعّة للتصوّف، وطقوسه المختلفة.

المساهمون