فلسطين بنجلون: فَقر المعالجة الفنية

20 يناير 2020
الصورة
جولي دراي ورمزي مقدسي: انعدام الكيمياء بينهما (من الفيلم)
يُعرض حالياً، في قاعات السينما المغربية، الفيلم الجديد للمغربيّ حسن بنجلون، "من أجل القضية"، الذي يروي، بلمسةٍ تحاول المزج بين الدراما والكوميديا، قصّة لقاء شخصين وسفرهما: سيرين، المغنية الفرنسية اليهودية، وكريم، عازف العود الفلسطيني. يهدف السفر إلى إحياء عرض موسيقيّ في وهران، وينطلق من برشلونة، مروراً بفاس، فيعلقان على الحدود المغربية الجزائرية بسبب تعقيدات الجمارك. "من أجل القضية" هو الفيلم الـ12 لحسن بنجلون، ما يعزّز مرتبته كأغزر المغاربة إخراجاً للأفلام على الإطلاق.

بالكاد نتعرّف إلى سيرين (جولي دراي) في حانة في برشلونة، حتى يُسابق الفيلمُ الزمنَ ليجمعها بكريم (رمزي مقدسي)، في مشهد افتتاحي مرتبك ومتسرّع. بمجرد أنْ تعرض عليه المشاركة في الحفل الموسيقيّ، حتى يوافق بشكل يصعب تصديقه، كأنّ الهمّ الوحيد للسيناريو أنْ يضعهما في أقرب وقت على طرقات المغرب، ضارباً عُرض الحائط بمصداقية وضعية البدء، وأحد أهم أدوار مقدّمات الأفلام: تأثيث الحكي، وخلق نوع من الألفة بين المُشاهد والشخصيات، قبل خوضها غمار التحدّيات. لعلّ النفور الذي نحسّ به طوال الفيلم إزاء الشخصيات الرئيسية متأتٍّ من هذه الجزئية المهمّة.

يحلّ البطلان في فاس، من دون الشعور بالسحر الخاص بهذه المدينة ووقعها، لغياب أيّ تصوّر فنّي يؤطّر الاشتغال على الفضاء. وبالتالي، استحالة القبض على إيقاع عيش الناس فيه. ثم تصل سيرين وكريم إلى نقطة العبور، ولا تفلح بعض فلتات خفّة الدم لدى حسن بديدة وعبد الغني الصناك، اللذين يؤدّيان دورَي موظّفي الجمارك المغربية، في إخفاء سماجة الطرح، وفقر الدراماتورجيا المدقع، الذي يطبع مَشَاهد النقاش والتوتر، خصوصاً أنّ ضعف أداء دراي ومقدسي، وغياب أية كيمياء خلّاقة بينهما، يزيد الطين بلّة.

أدّى الاقتصار على ذريعة التعقيدات الإدارية، وإنْ بدت مقبولة كحاجز أولي في وجه تقدّم البطلين، إلى تبديد مخزونها الدرامي حَدّ الاستنزاف، وبالتالي تمييع رهان الفيلم برمّته. كذلك لا يخلو الفيلم من طابع المُباشرة والتسطير على المغازي حَدّ إفراغها من أيّ وقع على المتفرّج. ولعلّ أبلغ مثلٍ على هذا هو المشهد الذي يُقرّر فيه البطلان أنْ يتّخذا من الفن وسيلة لفتح الحدود، بدلاً من أنْ ينهج المخرج مقاربة فنية، تترك للمُشاهد مساحةً داخل المشهد: مفاجأة، واقتصاد، وإيحائية. يُفصح البطلان، بموجب حوار فجّ، عن نيّتهما عزف الموسيقى، ثم يعود كريم بذاكرته (فلاش باك) إلى طفولته، مسترجعاً نجاح جوقة موسيقية في التأثير بقائد كوموندوس إسرائيلي، فيأمر بوقف مُداهمة منزل فلسطيني. ثم يأتي مشهد عزف أغنية للتأثير في موظّف الجمارك، عاشق جاك بريل، بارداً وباهتاً ومفتعلاً، خصوصاً أنّ مآله (كمعظم أحداث الفيلم) متوقّع، حيث ينصاع الموظّف بسهولة، قائلاً إنّ مَردّ سماحه لهما بالمرور، هو أن "القضية الفلسطينية عزيزة على قلوب المغاربة" (!). ضرب مُدهش من الاستسهال والغلاظة، والخلط بين الخفّة والاستخفاف.

مقاربة الـ"فلاش باك" نحو ماضي كريم لم تقدّم، بصفة عامة، أيّ إضافة، لأنّها فقط محاولة فاشلة لإضفاء عمق وبعد سيكولوجيّ مُفتَقد في شخصيّته، ولتعضيد الحاضر وتفسيره بدلاً من تحقيق تفاعل معه أكثر إثارة للاهتمام، وإحالة على التفكير. بالإضافة إلى ذلك، لم يجرِ الاهتمام بجماليتها وتناسقها الداخلي، كمَشَاهد قائمة بحدّ ذاتها.

مع توالي المَشَاهد، تتفاقم الضحالة بحكم افتقار الحكي إلى رهانٍ دراميّ حقيقيّ، يربط ما نشاهده بمصير الشخصيتين الرئيسيتين، وطبيعة العلاقة المبهمة التي تربط إحداهما بالأخرى من جهة، والتسطيح، نظراً إلى غياب أيّ اشتغال فنّي يُذكر على جمالية الإطار أو التشكيل، وندرة الاعتماد على خارج الحقل، من جهة أخرى. إمعانٌ في إظهار وقول كلّ شيء، والتسطير عليه حَدّ النفور والتقزّز أحياناً (مشهد صالون الحلاقة، وكلّ ما يحيط به من إسفاف). حوارٌ مسترسلٌ، ولا صمت هناك يُتيح مهلةً لهضم المَشَاهد، ويُتيح للشخصيات فرصة للتفكير في شرطها وتبعات قراراتها.

ينبغي اللجوء مجدّداً إلى "نو مانز لاند" (2001) لدانيس تانوفيتش، أو إلى ثلاثية الحدود لتيو أنغولوبوس، المؤلّفة من "خطوة اللقلاق المعلّقة" (1991) و"نظرة عوليس" (1995) و"الأبدية ويوم" (1998)، من أجل جرعات من الإحساس بقسوة الحدود وعبثيتها، وتأثير الجمود وانعدام الحيلة الذي تتركه على دواخل البشر.

أما العرس، في المشهد الختامي، فليس سوى تحصيل حاصل يتأكّد ويتكثّف ـ في وحدة مكانه ـ السقوط في كل ما سبق من مكامن الضعف والتواضع. فلا غرابة في أنْ يخرج بصورة تُجهز على ما بقي من صبر في نفسِ من قادته الأقدار إلى مشاهدة "من أجل القضيّة".

يُنادَى كثيراً بضرورة تلافي مُباشَرة الطرح والبكائيات، عند التطرّق إلى مواضيع كالقضية الفلسطينية. توضِح حالة "من أجل القضية" أنّ نيّة الانزياح وطرق الموضوع من باب السخرية ليست كافيةً إذا غاب التصوّر الجمالي المُناسب، وأخفق حسن بنجلون تقريباً في المعالجة الفنية لفيلمه الأخير هذا.
تعليق: