انتخابات صحافيي مصر... الأمن الوطني يختار الفائزين

انتخابات صحافيي مصر... الأمن الوطني يختار الفائزين

03 ابريل 2021
الصورة
ارتدى صحافيون قمصاناً تحمل صورة الصحافي المصري الراحل محمد منير (العربي الجديد)
+ الخط -

اكتسحت القائمة التي أعدتها الأجهزة الأمنية، أو "قائمة السقالات" كما يسميها صحافيون، انتخابات نقابة الصحافيين في مصر التي أجريت يوم الجمعة في "نادي المعلمين"، وحضرها نحو 4 آلاف صحافي.

و"قائمة السقالات" مصطلح ظهر نسبة إلى السقالات أمام واجهة مقر النقابة منذ فترة طويلة بحجة تجديدها، إذ يرى بعض الصحافيين أنها منصوبة خصيصاً لمنعهم من الوجود في النقابة أو التظاهر على درجها كالسابق.

وفاز بمنصب النقيب رئيس "الهيئة العامة للاستعلامات" الحكومية التابعة لرئاسة الجمهورية النقيب ضياء رشوان بـ1965 صوتاً ليستمر في منصبه. وفي المجلس، فاز أيمن عبد المجيد بـ1864 صوتاً، ومحمد خراجة بـ1338 صوتاً، وإبراهيم أبو كيلة بـ1277 صوتاً، وحسين الزناتي بـ1201 صوت، ودعاء النجار بـ1078 صوتاً، ومحمد سعد عبد الحفيظ بـ1045 صوتاً.

فاز بمنصب النقيب رئيس "الهيئة العامة للاستعلامات" الحكومية التابعة لرئاسة الجمهورية النقيب ضياء رشوان

وأكد مندوبون لمرشحين على مقعد النقيب ومقاعد أعضاء المجلس ممن حضروا فرز الأصوات، لـ"العربي الجديد"، أنّهم كانوا يجدون أسماء أربعة مرشحين على مقاعد المجلس تتكرر بشكل لافت، ما يعني أنّ هناك التزاماً واضحاً بالتصويت لهم من قبل عدد كبير من الصحافيين. وأشارت المصادر إلى أنّ الأسماء الأربعة كانت: إبراهيم أبو كيلة، وحسين الزناتي، وأيمن عبد المجيد، ودعاء النجار.

وأكدت مصادر صحافية عدة أنّ هذه الأسماء، إلى جانب ضياء رشوان، اتُفق عليها في اجتماع أجراه أحد ضابط جهاز الأمن الوطني مع رؤساء تحرير صحف قومية وأخرى تابعة لجهاز المخابرات العامة، مع الإعلان عن تنظيم الانتخابات، في مطعم "غروبي" وسط القاهرة، منتصف فبراير/ شباط الماضي.

وقالت المصادر نفسها إنّ ضابط الأمن الوطني اقترح على رؤساء التحرير إضافة اسمين آخرين، وهما ممدوح الصغير وسامي عبد الراضي، أو ترك كلّ مؤسسة صحافية تختار اسماً آخر أو اسمين، حتى لا يغضب الصحافيون، معتمداً في ذلك على التأثير الكبير الذي يتمتع به رؤساء التحرير على صحافيي المؤسسات القومية، خصوصاً من أبناء الجيل الجديد الذي يخضع للإدارة، بالإضافة إلى الصحف "الخاصة" التي أصبحت في الغالبية العظمى منها الآن في قبضة الأجهزة الأمنية، وأيضاً على المراسلين في المحافظات المختلفة الذين حُشدوا في باصات بإشراف الأمن الوطني.

اتُفق على أسماء محددة في اجتماع أجراه أحد ضابط جهاز الأمن الوطني مع رؤساء تحرير صحف قومية وأخرى تابعة لجهاز المخابرات العامة، وفقاً لمصادر

وأشارت المصادر إلى أنّ رئيس تحرير وكالة "أنباء الشرق الأوسط" (الرسمية) علي حسن كان المسؤول عن إدارة عمل رؤساء التحرير، المتمثل في حشد الصحافيين التابعين لهم وتنسيق عملهم مع ضابط الأمن الوطني، الذي كان يجلس خارج "نادي المعلمين"، مقر إجراء الانتخابات. وأوضحت المصادر أنّ كلّ رئيس تحرير سلّم علي حسن عدد الصحافيين الذين استطاع أن يحضرهم إلى الجمعية العمومية، ثم سلّمهم الأخير إلى ضابط الأمن الوطني.

وأرجع أحد رؤساء التحرير السابقين، مفضلاَ عدم نشر اسمه، القوة الكبيرة التي تتمتع بها الأجهزة الأمنية في الوقت الحالي إلى غياب الوعي عند الصحافيين في هذه المرحلة، نتيجة للهيمنة التي استسلم لها كثيرون، بالإضافة إلى الغياب التام للصوت الآخر في الصحافة، مؤكدة أنّ عضوية نقابة الصحافيين أصبحت في حد ذاتها مكافأة يمنحها رئيس التحرير للمرضيّ عنهم.

وأضافت المصادر أنّ الأجهزة الأمنية استطاعت في الفترة السابقة محاصرة المجموعة الصغيرة المحسوبة على المعارضة داخل مجلس النقابة، والمتمثلة في رئيس لجنة الحريات عمرو بدر ومحمد سعد عبد الحفيظ ومحمود كامل، وتعرقل أيّ جهود لهم لمساعدة الزملاء، لا سيما المعتقلين، وبذلك أفقدتهم تدريجياً شعبيتهم داخل الجماعة الصحافية. وأشارت إلى أنّ الدولة سخّرت جهودها لتوفير خدمات وصفها بـ"الوهمية" لأعضاء آخرين تابعين لها، على رأسهم النقيب ضياء رشوان، الذي وفرت له الحكومة زيادة في بدل التدريب والتكنولوجيا الذي تمنحه للصحافيين، ومدير مشروع العلاج في النقابة أيمن عبد المجيد، الذي قدم للصحافيين بعض الخدمات خلال أزمة وباء كورونا.

الأجهزة الأمنية استطاعت في الفترة السابقة محاصرة المجموعة الصغيرة المحسوبة على المعارضة داخل مجلس النقابة

من جهة ثانية، قال عضو مجلس نقابة الصحافيين السابق والمرشح الخاسر، خالد البلشي، إنّه لأول مرة لا يستطيع "تحديد ما إذا كانت نتيجة الانتخابات في نقابة الصحافيين حقيقية أو غير حقيقية". 

وقال في بيان عبر "فيسبوك" إنّ "الإجراءات التي شابت عملية الفرز لم تمنحني حتى فرصة الاعتراف بأنّ النتيجة المعلنة هي تعبير عن إرادة من صوّتوا، مهما شابت هذه الإرادة من ضغوط ومهما تخلل مسار الإعداد للانتخابات من خروقات اعتدناها، واخترت أن أخوض الانتخابات في إطارها، لكنّني لأول مرة أجدني لا أستطيع أن أعرف مدى صدق النتائج وتعبيرها حتى عن واقعنا بكلّ ملابسات تشوهه، وهو ما دفعني لتقديم طعن في إجراءات الفرز منذ بدايتها، مطالباً بوقف ما يحدث مع ثمانية من الزملاء، رغم أنّ بعض المؤشرات المسربة في هذه اللحظة كانت تقول إنّني في موقع متقدم للغاية، لدرجة أنّ زملاء في لجنة الانتخابات تعجبوا من أنّني سأضع توقيعي على الطعن وما حواه من طلبات، خصوصاً أنّها المرة الأولى التي أتقدم بها بمثل هذه الطلبات".

تابع: "تقدمنا بالطلب أثناء الفرز، وبعدما سجلت اعتراضاتي في بدايته على مشهد مخالف لكلّ القواعد الإجرائية للنزاهة لم تعتده نقابة الصحافيين، بعدما فتحت الصناديق في غياب من اخترناهم للمتابعة، وبعد رفض طلبات لنا بالدخول لمتابعة الفرز في البداية، إلى حدّ منعي من دخول عدد من اللجان رغم أنّي من ضمن المرشحين، وبعدما خلت لجان كثيرة من مندوبي المرشحين بحجة أنّ التعليمات تنص على حضور ثلاثة مندوبين فقط هم من حضروا وسجلوا قبل الثامنة، ما دفعني للاستعانة بأعضاء اللجنة لإقناع رؤساء اللجان أن من حقنا أن نحضر".

وأضاف: "لم نحصل على رقم موثق أو حتى تقديري يشمل جميع المرشحين وتوجهات التصويت في غالبية اللجان إلا بعد إعلان النتائج. كلّ المؤشرات كانت تقديرية وغير مكتملة، وهو ما امتد لأعضاء اللجنة أنفسهم بعد تسريب ورقة بنتائج الفائزين".

من جهة ثانية، كتب المرشح الخاسر المحسوب على تيار "الاستقلال النقابي"، وأحد أبرز المدافعين عن حرية الصحافة، كارم يحيى: "نخسر كأشخاص في معركة انتخابات يتكشف لنا ولغيرنا المزيد من جوانب ابتعادها عن النزاهة، لكننا نزداد مع كل جهد تمسكاً بالمبادئ التي نادينا بها من أجل حرية الصحافة، والصحافيين، وحقوق المواطن، واستقلال النقابات".

وأضاف كارم: "سعيد بكل صوت وقف إلى جانب هذه المبادئ، سواء كان لي أو لغيري من الزملاء الأعزاء. وسعيد بالشباب الذي خاض هذه الانتخابات من أجل هذه المبادئ، وقد تعرفت على بعضهم للمرة الأولى. وأقول للشباب: لنواصل الفكر والكتابة والعمل، لأن اليأس لا يقل خطراً عن الفاشية، وما يصاحبها من فساد ملموس ظهر في هذه الانتخابات".

وتابع: "سنواصل كافة أشكال العمل ضد العدوان على حرية الصحافة، وحقوق الصحافيين، واستقلال النقابات من السلطة التنفيذية، بما في ذلك متابعة الشق الموضوعي في القضية المتداولة أمام مجلس الدولة ضد جمع موظف حكومي (في إشارة لرشوان) بين وظيفته، وموقع منتخب في نقابة الصحافيين المصريين".

وخارج مبنى نقابتهم العريق، وفي أجواء معبرة حقيقة عن المناخ السياسي العام، أجريت انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحافيين المصريين الجمعة، لتكشف عن عزوف الصحافيين عن قضايا مهنتهم الملحة، ورضوخهم للبحث عن لقمة العيش في سلام، والسعي للحصول على خدمات تحت سقف حريات منخفض، واستثناءات محدودة بالإفراج عن زملائهم الصحافيين المحبوسين احتياطياً.

وشهدت الانتخابات انتهاكات عدة، بدأت بقرار اللجنة المشرفة على الانتخابات، برئاسة خالد ميري، مد التسجيل للجمعية العمومية للنقابة ساعة إضافية لثلاث مرات، بالمخالفة للقانون رقم 76 لسنة 1970 بإنشاء نقابة الصحافيين، استجابة من اللجنة لطلب رشوان، ما يُنذر بالطعن القضائي من جانب بعض المرشحين على النتائج، وهو ما أعلن عنه بالفعل المرشح الخاسر حسام السويفي.

وتطلب اكتمال النصاب القانوني لانعقاد الجمعية العمومية حضور نحو 2420 صحافياً، يمثلون نسبة الربع+1 من عدد المقيدين في جدول المشتغلين في النقابة. ويبلغ عدد أعضاء الجمعية العمومية للنقابة قرابة عشرة آلاف عضو، يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.

وشهدت العملية الانتخابية انتهاكات أخرى، تمثلت في رفض الأشخاص المنتدبين من هيئة قضايا الدولة للإشراف على انتخابات النقابة السماح لمندوبي المرشحين بحضور عملية فرز الأصوات، التي جرت داخل كل لجنة على حدة للمرة الأولى في تاريخ النقابة، ما دفع مرشحون للاشتباك معهم لفظياً.

ورصد "العربي الجديد" توزيع مرشحين محسوبين على قائمة الأمن وداعميهم من رؤساء تحرير الصحف الحكومية وجبات ساخنة من مطاعم مشهورة، على سبيل الرشوة الانتخابية لأعضاء الجمعية العمومية، وفي مقدمتهم رئيس مجلس إدارة وتحرير "وكالة أنباء الشرق الأوسط" الرسمية علي حسن، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة "الأهرام" عبد المحسن سلامة، فضلاً عن المرشح الفائز أيمن عبد المجيد.

النقابة لم تعد تتسع لاحتواء الانقسام السياسي داخل مجلسها، وباتت مهمتها خدمية في المقام الأول

ولأول مرة تجرى انتخابات نقابة الصحافيين بإشراف مستشاري هيئة قضايا الدولة، وهم موظفون حكوميون، إذ في السابق كانت تجرى تحت إشراف قضاة مجلس الدولة، وقبلها كانت بإشراف الجمعية العمومية.

وإجراء الانتخابات خارج مبنى نقابة الصحافيين العريق، وسط القاهرة، ليس فيه دلالة رمزية فقط على أنّ النقابة لم تعد قلعة للحريات كما كانت من قبل، لكنّه مؤشر فعلي أيضاً على خروج النقابة عن المشهد العام، إذ لم تعد تتسع لاحتواء الانقسام السياسي داخل مجلسها، وباتت مهمتها خدمية في المقام الأول.

وأُغلق مبنى نقابة الصحافيين المصريين في وجه أعضائها، لإصلاح واجهته التي ستكلف نحو 6 ملايين جنيه (381 ألف دولار أميركي) وفق مصادر داخل مجلس النقابة، وبدعوى ضيق المبنى لاستقبال هذه الحشود في ظلّ الموجة الثالثة لانتشار فيروس كورونا الجديد. وعقدت الجمعية العمومية للصحافيين انتخابات التجديد النصفي داخل مبنى نقابة المعلمين المصريين، في محافظة الجيزة، بناءً على الخطاب المرسل لنقيب الصحافيين من وكيل النقابة ورئيس اللجنة المشرفة على عقد الجمعية العمومية خالد ميري.

وانشغل الصحافيون بزيادة بدلات التدريب والتكنولوجيا الأخيرة التي أعلنتها الحكومة قبل أيام من انعقاد الانتخابات لمصلحة ضياء رشوان، ورضوا بالإفراج عن ثلاثة فقط من 29 صحافياً، على الأقل، محبوسين احتياطاً على ذمة قضايا سياسية طبقاً لتقديرات حقوقية دولية، قبل أيام من الانتخابات أيضاً، بتدخل مباشر من رشوان. وكشفت توجهاتهم التصويتية عن ميلهم للمرشحين الذين يقدمون خدمات في الإسكان والصحة والمرور والداخلية، بعيداً عن المرشحين الذين يسعون إلى رفع سقف الحريات وملاحقة قضايا المحبوسين في النيابات والمحاكم، والدفاع عن استقلال النقابة.

تقديرات دولية بوجود 29 صحافياً على الأقل في السجون المصرية

وفي زاوية صغيرة، لكن واضحة في مقر انعقاد الانتخابات، حرص عدد من الصحافيين المصريين على التذكير بقضية سجناء الصحافة والرأي في مصر، برفع لافتة بيضاء كبيرة مكتوب عليها "الحرية لسجناء الرأي" و"الصحافة مش جريمة"، فضلًا عن ارتداء قمصان تحمل صورة الصحافي المصري الراحل محمد منير، ضحية الإهمال الطبي في السجون، الذي توفي متأثراً بإصابته بفيروس كورونا الجديد.

ووفقاً للتقديرات الدولية، يقبع على الأقل 29 صحافياً في السجون المصرية. وأظهر أحدث تصنيف لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، بشأن حرية الصحافة في 2020، تراجع مصر للمرتبة 166 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة من أصل 180 بلداً. وقالت المنظمة إنّ مصر تعد واحداً من أكبر سجون الصحافيين في المنطقة، إلا أنّ قضيتهم كانت على هامش الانتخابات فقط في تلك الزاوية الصغيرة، التي حضر لها عدد من الصحافيين المصريين من "تيار الاستقلال" وحملة دعم ترشح الكاتب الصحافي خالد البلشي الذي خسر معركة الانتخابات.

المساهمون