الإعلام الرقمي يغري الحكومة الجزائرية

11 ابريل 2021
الصورة
الأزمات الاقتصادية تهدد الصحف الورقية (العربي الجديد)
+ الخط -

لا تخفي الحكومة الجزائرية اهتمامها بالإعلام الرقمي، معلنة "انتهاء" عهد الصحافة الورقية، إذ كشف وزير الاتصال عمار بلحيمر، نهاية مارس/آذار الماضي، أنّ "الدولة تعطي أولوية للصحافة الإلكترونية التي هي مستقبل الصحافة"، قائلاً إنّ "عهد الصحافة الورقية انتهى"، وإنّ "70 في المائة من الجزائريين يصلون إلى الأخبار بالوسائل الإلكترونية".

بلحيمر أفاد أيضاً بأنّ سحب الصحف في المطابع انخفض بنسبة 80 في المائة بين عامي 2010 و2018، مشيراً إلى أنّ "الأزمة الصحية الحالية دفعت صحفاً عدة إلى عدم توزيع أعدادها". واضطرت أكثر من 60 صحيفة إلى تعليق طباعتها، وتحوّل بعضها إلى مواقع إلكترونية، فيما حافظت كبريات الصحف، على غرار "الخبر" و"الشروق اليومي" و"ليبرتي" و"لوسوار" و"الوطن"، على طبع الحدّ الأدنى من أعدادها، لضمان الحضور في الأكشاك، طالما أنّ الإشهار (عائدات الإعلانات التي تمنحها الحكومة) الممنوح للنسخ الورقية ما زال متوفراً، مع تدعيم حضورها على الفضاءات الرقمية وتطوير المحتوى بالصوت والصورة، كجزء من التحضير للمرحلة المقبلة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الورق وكلفة الطبع.

وزير الاتصال في الجزائر عمار بلحيمر: عهد الصحافة الورقية انتهى

يعتقد الباحث في مجال الإعلام، زواغي عبد العالي، أنّ عهد الصحافة الورقية لم يأفل تماماً، متوقعاً قدرتها على الاستمرار في الجزائر لبعض الوقت. ويقول زواغي، لـ"العربي الجديد"، إنّ قدرة الصحافة الورقية على الصمود مرتبطة بالقارئ، لكنّه يشير أيضاً إلى معطى أجدر بالنقاش، يتعلق بالحرية الإعلامية عامة، وهو معطى "يجب تصحيحه في إطار من المسؤولية المجتمعية والاعتماد المتبادل بين السلطة والإعلام الذي يقود إلى صون الحقيقة وحماية المصالح الحيوية للبلاد".

تضم الجزائر أكثر من 150 موقعاً إعلامياً وإخبارياً إلكترونياً، حصل 45 منها على ترخيص رسمي من السلطات في إطار تنظيم القطاع. كما تعتبر السلطات أنّ كلّ هذا الحضور المكثف للمواقع الإخبارية ما زال قابلاً للارتفاع، وتشجع الحكومة الشباب، في مختلف الولايات، على إنشاء مواقع إلكترونية تغطي أنحاء الوطن كافة.

45 موقعاً إخبارياً جزائرياً حصل على ترخيص رسمي من السلطات أخيراً

يبقى الإشهار وطرق الحصول عليه وتوزيعه الهاجس الأكبر للصحافة الرقمية في الجزائر. حتى الآن، لا قانون ينظم الإشهار والإعلانات، فيما تعد الحكومة بإصداره قبل نهاية العام الحالي، وبأن "تكون الأولوية لمنح الإشهار للصحافة الإلكترونية بكلّ شفافية وتنافسية". كما تنتظر المواقع الإلكترونية الاستفادة من صندوق مساعدة الصحافة الذي قررت الحكومة إعادة تفعيله بعد 7 سنوات من تجميده في 2014، لمساعدة وسائل الإعلام في تجاوز صعوباتها المالية التي زادت من تعقيداتها أزمة كورونا.

يعدّ "سبق برس" من بين المواقع الإخبارية البارزة في الجزائر الذي لاحظ مبكراً التوجه نحو الصحافة الرقمية في البلاد، رغم إطلاقه في ظروف سياسية ملتبسة في علاقة السلطة بالصحافة. يعتقد مدير "سبق برس"، محمد رابح، أنّ المرسوم التنفيذي الذي يحدد كيفية ممارسة الإعلام عبر الإنترنت، يأتي استكمالاً لقانون الإعلام الصادر سنة 2012 الذي أبقى تنظيم الصحافة الإلكترونية لصدور المرسوم. ويقول لـ"العربي الجديد": "مبدئياً نحن أمام نصّ ينظم قطاعاً مهماً من الصحافة التي باتت تستحوذ على مساحات واسعة سواء في الجزائر أو غيرها، وهو ضرورة ملحّة تمليها ضرورة الاحتكام للقانون، ونصّ واضح في تأطير المهنة، وأيضاً لإنهاء الفوضى التي يعرفها الإعلام الرقمي منذ سنوات".

لكنّ صدور هذه القوانين والخطاب الرسمي المشجع للإعلام الرقمي كبديل للإعلام التقليدي والصحافة الورقية، لا يكفيان لتكريس القطاع وتنظيمه، ويرى رابح أنّ "الإرادة السياسية مهمة، إذا توفرت، للتقيد بمضمون المرسوم في منح شهادات التسجيل وتجسيد مبدأ تكافؤ الفرص. غير أنّ تنظيم هذا النوع من الصحافة بصورة عملية، سيكون في مرحلة لاحقة، لمنح الاعتمادات وتنصيب سلطة لضبط الصحافة الإلكترونية وإصدار قانون للإشهار، كما أنّ التنظيم الشامل لهذا القطاع بتجسيد القوانين المكتوبة وتشكيل الهيئات المرتبطة بها سيعطي جرعة حياة جديدة للإعلام الجزائري الذي بدأ يفقد كلّ المكاسب التي حققها بفضل نضالات المخلصين بعد الانفتاح، في ظلّ التمييع السائد وثقافة الريع التي استحوذت على المجال".

تعكس تصريحات رابح مخاوف جدية إزاء تمييع مشهد الإعلام الرقمي، على غرار تجربتين سابقتين للانفتاح الإعلامي الذي رافق انطلاقة تجربة الصحافة المكتوبة (المستقلة) بداية التسعينيات، والإعلام المرئي (المستقل) منذ عام 2012.

70 بالمائة من الجزائريين يستقون الأخبار عبر الوسائل الإلكترونية

وبالعودة إلى تجربة الصحافة الورقية بعد الانفتاح، وحتى تجربة السمعي البصري، نستخلص أنّ هناك إرادة للمهنيين ضرورية لبناء مؤسسات إعلامية تحترم أخلاقيات المهنة وتجسد المفهوم الحقيقي للإعلام، وتكون انعكاساً لتنوع المجتمع وتعبيراً عن التطورات الحاصلة داخله، غير أنّ غياب قانون الإشهار وأيضاً سلطة الضبط، أو ما يسمى "المجلس الوطني للإعلام" سيخلق قيوداً، بعضها مفروض وبعضها اصطفاف من الملّاك، وسيذهب الإعلام المستقل وأصحاب المشاريع الحقيقية، ضحية ذلك.

المساهمون