شماعة الحروب وموسم هروب الحكومات

شماعة الحروب وموسم هروب الحكومات

12 ديسمبر 2023
المواطن لا يعرف موعدا لوقف تهاوي الأسعار/ فرانس برس
+ الخط -

مثلت الحرب الإسرائيلية الإجرامية على غزة، وقبلها حرب روسيا على أوكرانيا، طوق نجاة للعديد من الحكومات العربية التي تعاني دولها من أزمات اقتصادية حادة ومعيشية طاحنة، وقفزات متواصلة في أسعار السلع والخدمات لا ترحم أحداً، وتخفيضات متواصلة للعملة المحلية، وعجز مزمن في الموازنة العامة للدولة، رغم الزيادات القياسية في الضرائب والرسوم الحكومية.

وباتت تلك الحروب، ومعها الأزمات الصحية، مثل كوفيد 19، شماعة واهية ومبرراً قوياً لتهرّب الحكومات من المسؤولية المباشرة عن تلك الأزمات المتواصلة التي أفقرت المواطن وأذلته وقذفت بالأغلبية في أتون الفقر والبطالة والغلاء والحرمان والعشوائيات.

وقبلها مبرراً لفرض مزيد من القرارات التقشفية الحادة وتعميق سياسات التفقير بحق المواطن، ورهن مقدرات الدولة وأصولها للدائنين الخارجيين، سواء دول أو مؤسسات مالية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليان.

الحرب باتت مبرراً لفرض مزيد من القرارات التقشفية الحادة وتعميق سياسات التفقير بحق المواطن، ورهن مقدرات الدولة وأصولها للدائنين

ومع اندلاع حرب تلو أخرى، وظهور أزمات خارجية، رفعت تلك الحكومات شعار "لا وقت للمحاسبة، وليس من حق أحد أن يحاسبنا أصلاً على أزمات تعود لأسباب خارجية"، رغم أن الجميع يعرف أن تلك الأزمات بدأت بقوة قبل حرب غزة والجائحة بسنوات.

وأن السبب الرئيسي لها هو الفشل الذريع لتلك الحكومات في إدارة شؤون الدولة، وإهدار المال العام، وتفضيل سياسة الاقتراض والاستيراد على الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات، والتركيز على مشروعات لا تمثل أولوية للمواطن والاقتصاد، والجري وراء مشروعات "اللقطة".

ومن هنا، ووفق تلك الرؤية المتعالية على المواطن، ليس من حق أحد أن يحاسب الحكومات حتى على سياساتها الكارثية وخططها المدمرة التي ألحقت أزمات متلاحقة بالاقتصاد والمواطن، وقبلهما الدولة.

وليس من حق أحد أن يسأل تلك الحكومات عن خططها واستراتيجياتها في إخراج الاقتصاد من تلك الحُفَر العميقة التي وقع بها.

وليس من حقه أن يسأل عن موعد انتهاء موجة الغلاء غير المسبوقة، رغم تراجع الأسعار في الأسواق الدولية وهدوء موجة التضخم على مستوى العالم، وعن مصير حقول النفط والغاز الضخمة، وجبال الذهب التي تحدث عنها الإعلام قبل سنوات.

في ظل الحرب، ليس من حق المواطن أن يسأل كبار المسؤولين في الدولة عن كيفية التعامل مع تلال الديون، والقروض القياسية

في ظل الحرب، ليس من حق المواطن أن يسأل كبار المسؤولين في الدولة عن كيفية التعامل مع تلال الديون الخارجية والداخلية، والقروض القياسية التي لا يزال يجري اغترافها من الخارج رغم مخاطرها وصعوبة القدرة على السداد، وعن خطط السداد، وقبلها أعباء تلك القروض على الموازنة العامة والمستهلك.

وفي ظل الأزمات الخارجية، ليس من حق المواطن أن يسأل عن حقوقه في ثروات بلاده كما ترى وجهة النظر المتعالية، أو عن مدى تحقق مبدأ العدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع لعائدات الدولة.

موقف
التحديثات الحية

وكيف تحول الفقراء، وليس الأثرياء، إلى لقمة سائغة ومصيدة للحكومات في الاعتماد عليهم، ليس في سداد العجز المزمن في الموازنة العامة، بل في تمويل مشروعات كبرى لا يعرف المواطن تفاصيلها، ولن تعود عليه بالنفع الكبير، فعملاؤها والمستفيدون منها هم علية القوم والأثرياء وتجار الحروب والأزمات.

لا صوت عند الحكومات الفاشلة يعلو فوق الحديث عن شماعة تأثيرات الحرب المزمنة، سواء على العملة المحلية وتراجع إيرادات الدولة من أنشطة حيوية مثل السياحة وتحويلات المغتربين.

ما أسعد الحكومات بالحرب على غزة، وقبلها أوكرانيا، فهي فرصة ذهبية للتهرب من كل المسؤوليات، وما أسعدها أكثر باندلاع حروب جديدة وأزمات خارجية.

ما أسعد الحكومات بالحرب على غزة، وقبلها أوكرانيا، فهي فرصة ذهبية للتهرب من كل المسؤوليات، وما أسعدها أكثر باندلاع حروب جديدة

ففي ظل الحرب تُمرَّر تشريعات وقوانين تستهدف الفقراء والطبقة الوسطى المطحونة، وفي ظل الحرب تُزاد أسعار السلع الرئيسية والتموينية والضرائب والرسوم وفواتير الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي.

وفي ظل الحروب تُعوَّم العملة المحلية عدة مرات في غضون سنوات قليلة، ويُقترَض من كل حدب وصوب وبتكاليف فلكية ودون خطة محددة للسداد، أو معرفة الغرض من الاقتراض أصلاً.

وعندما يهمّ مواطن بالاعتراض على حجج الحكومات الواهية وشماعتها التي هي أشبه ببيت العنكبوت، يخرج علينا مسؤول أو حتى وسيلة إعلام تأخذ التعليمات منه، قائلة: "اصمت... إنها الحرب يا مواطن"، هل تريد تهديد الأمن القومي؟

وليس من المعروف ماذا يقصد المسؤول هنا بلفظ الحرب، هل يقصد الحرب على المواطن الذي يُعَدّ عدواً مباشراً من وجهة نظر تلك الحكومات، رغم أنه لا يزعجها كثيرا بمطالبه ويرضى بالقليل، أم الحروب الخارجية التي استفادت منها بعض الحكومات بالفعل، وقد تستفد مستقبلا، والأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت والأسرار.

المساهمون