رزق محفوف بالمخاطر في اليمن... صيادو الحديدة في شباك الألغام وتجار الديزل

07 مارس 2021
الصورة
صياد يُظهر جزءاً من الأسماك التي ظفر بها قبالة سواحل الحديدة (فرانس برس)
+ الخط -

على شاطئ ساحل الحديدة غربيّ اليمن، وبالقرب من سوق السمك الكبير في المحافظة الأكثر إنتاجاً للأسماك بمختلف أنواعها، يتجول الصياد حوشب الزبيدي برفقة طفله، وسط مرتادي الشاطئ لبيع ما ظفرا به من رحلة صيد محفوفة بالمخاطر، فضلاً عن ارتفاع كلفة البحث عن الرزق، في ظل أزمة مادة الديزل وارتفاع أسعارها.

يشكو الزبيدي البالغ من العمر 55 عاماً في حديث لـ"العربي الجديد"، ما فعلته الحرب في مدينته، ووضعه وفئة كبيرة من الصيادين ممن يتخذون من السواحل وجهتهم الرئيسية في العمل والرزق في ظروف معيشية صعبة، إذ حولته من صياد كبير إلى بائع متجول على شواطئ الحديدة.

يؤكد هذا الصياد أن الإبحار لممارسة عمله في الصيد غدا مكلفاً للغاية بسبب أزمة الديزل، الذي يكلفه يومياً نحو 13 ألف ريال (21 دولاراً)، وهو مبلغ يفوق قدرة الصيادين الذين يذوقون الأمرَّين في الوصول إلى مناطق الاصطياد، الذي يتطلب أياماً تزيد لدى بعض القوارب الكبيرة على أكثر من 30 يوماً.

تشير البيانات إلى تدمير 249 قارباً في سواحل اليمن الغربية، فيما بلغ عدد القوارب التي أوقفت نشاطها نحو 5 آلاف و86 قارباً، ووصل فاقد إنتاجها إلى حوالى مليار دولار.

وتسود توترات عديدة مدينة الحديدة، بعد مرور عامين من اتفاق استوكهولم، الذي أوقف أعنف اشتباكات ومواجهات عسكرية شهدها الساحل الغربي لليمن بين القوات الحكومية المعززة بتشكيلات عسكرية مدعومة من التحالف العربي من جهة والحوثيين من جهة أخرى، ما ساهم في خلق أزمة كبيرة في أوساط السكان في المحافظة المقسمة بين طرفي الحرب.

وحولت الحرب والمواجهات العسكرية مناطق الاصطياد إلى أماكن خطرة، يتحمل الصيادون مشاق الوصول إليها، بينما الحصاد الضئيل لا يغطي تكاليف الصيد الباهظة.

وأدى الصراع إلى تدمير الكثير من القوارب والسفن ومراكز الاصطياد وتحويل أكبر سوق لتجمع الصيادين وبيع ما بحوزتهم، الذي يعرف في الحديدة باسم "المحوات" إلى مكان شبه مهجور تتكدس بجانبه عشرات القوارب المدمرة والمتوقفة عن العمل.

ويشير قيس معوضه، مشرف مركز اصطياد سمكي، إلى عدد من الصعوبات والمعوقات التي يعاني منها الصيادون في الحديدة، منها إلى جانب أزمة الوقود، الألغام البحرية التي خلفتها الحرب والصراع الدائر، الأمر الذي أدى وفق حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى تدمير مناطق الاصطياد وتفخيخها وتهجير الأسماك وتحويل عمليات الاصطياد اليومية إلى رحلات محفوفة بالمخاطر والمحظورات التي يضعها طرفا الصراع اللذين يتقاسمان السيطرة على مناطق غربيّ اليمن.

ويؤكد صيادون ومختصون في الشؤون البحرية، أن الألغام البحرية وتمركز السفن العسكرية استقطعت نسبة كبيرة من مواقع الاصطياد السمكية في هذا الجزء من المياه اليمنية، وحرم الصيادين الوصول إلى الكثير من أماكن الاصطياد التقليدية المتاحة التي تشكل مصادر رزق رئيسية لفئة سكانية كبيرة في هذه المناطق.

نتيجة لذلك، يتعرض الصيادون لاعتداءات متواصلة في عرض البحر من اختطاف واحتجاز ومصادرة قواربهم التي تشترك فيها إلى جانب طرفي الصراع والتحالف دول مجاورة، مثل أريتريا، التي تعمل من وقت لآخر على اختطاف قوارب صيد يمنية واحتجازها دون أسباب واضحة، وفق صيادين يمنيين.

كذلك يعاني ميناء الحديدة الذي يُعَدّ مركزاً رئيسياً في صناعة الصيد في اليمن مشكلات عديدة على المستويات كافة، وخصوصاً البيئية، وافتقاره إلى مراكز ومنشآت آمنة لتخزين الأسماك، بينما يحتل القطاع أهمية كبيرة في البنيان الاقتصادي اليمني ولدى فئة عمالية كبيرة في المجتمعات الساحلية.

ويقول زياد ردمان، أستاذ علوم البحار في جامعة الحديدة، إن الحرب دمرت البيئة البحرية وقضت على المساحات المخصصة للصيادين اليمنيين، حيث لم تُضحِ مناطق اصطيادهم معزولة ومحفوفة بالمخاطر فقط، بل تعدى الأمر إلى استباحة ما بقي من مواقع الاصطياد من قبل سفن صيد قادمة من دول أخرى، إضافة إلى تباعد نقاط الاصطياد، حيث يعاني الصيادون من طول الوقت الذي تستغرقه قواربهم في الانتظار حتى تصل إلى الجزء المحدد لها في ميناء الحديدة.

ويؤكد ردمان في حديث مع "العربي الجديد"، أن مشكلة الألغام البحرية وتمركز البوارج والسفن العسكرية، حرم الصيادين الوصول إلى عمق البحر، الذي يعتبر من أهم المواقع المتاحة للاصطياد نتيجة لتوافر الثروة السمكية ذات المردود الاقتصادي.

يشهد اليمن حرباً منذ نحو 7 سنوات، أودت بحياة 233 ألف شخص، وبات 80% من السكان، البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعتمدون على الدعم والمساعدات.

وبلغ عدد الصيادين الذين تأثروا أو فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب وصعوبات العمل، وفق بيانات رسمية اطلعت عليها "العربي الجديد"، نحو 100 ألف صياد وعامل. وتشير البيانات إلى تدمير 249 قارباً في سواحل اليمن الغربية، فيما بلغ عدد القوارب التي أوقفت نشاطها نحو 5 آلاف و86 قارباً، ووصل فاقد إنتاجها إلى حوالى مليار دولار.

كان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أعلن في فبراير/ شباط الماضي إطلاق مشروع لدعم الصيادين، ولكن في مناطق جنوب اليمن، يستمر 18 شهراً، ويتوقع أن يستفيد منه 7 آلاف شخص.

وقال البرنامج، في بيان له، إنه أطلق المشروع مع حكومة اليابان، "لبناء قدرة مجتمعات الصيادين المحلية، في مدينتي عدن والمكلا الساحليتين"، دون تقديم تفاصيل بشأن قيمة المشروع.

وسبّبت الأضرار التي تعرّض لها قطاع الثروة السمكية تدني نسبة متوسط الاستهلاك من الأسماك سنوياً للفرد الواحد على مستوى اليمن بنسبة 80%، حيث كان متوسط ما يحصل عليه الفرد حوالى 14 كيلوغراماً سنوياً، حسب بيانات رسمية.

وأطلقت منظمات أممية تحذيرات من تردي الأوضاع المعيشية وانعدام الخدمات وتفاقم معدلات الجوع بصورة كارثية تطاول جميع المناطق اليمنية. وتتزايد الأزمات مع المستويات القياسية المسجلة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

ويشهد اليمن حرباً منذ نحو 7 سنوات، أودت بحياة 233 ألف شخص، وبات 80% من السكان، البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعتمدون على الدعم والمساعدات، في أسوأ أزمة إنسانية بالعالم، وفق الأمم المتحدة. ويعيش الاقتصاد انهياراً غير مسبوق، رغم تشكيل حكومة الشراكة الجديدة بموجب اتفاق الرياض، التي أعلنت أن العام الجاري سيكون للتعافي، بعد طرح برنامجها العام في الأسبوعين الماضيين.

وعجزت الحكومة عن معالجة أزمة الوقود التي تلقي بظلال سلبية على مختلف القطاعات وكبح انهيار العملة المحلية، وذلك بعد أن تعددت أسعار الصرف في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في المدن الجنوبية والشرقية، للمرة الأولى خلال الأسابيع الأخيرة، بعد أن كان الانقسام محصوراً بمناطق نفوذ الحكومة الشرعية والحوثيين فقط.

ووصل سعر صرف الدولار في السوق الحرة بمناطق سيطرة الحكومة من 890 ريالاً، بينما بلغ في مناطق الحوثيين نحو 602 ريال.

المساهمون