حفتر والإصرار على تجويع الليبيين

26 سبتمبر 2020
الصورة
خسائر فادحة للاقتصاد الليبي من توقف تصدير النفط (فرانس برس)
+ الخط -

يصرّ اللواء المتقاعد خليفة حفتر على تحويل الليبيين إلى شعب من الفقراء والمعدمين والبؤساء، الذين يعانون من الفقر والبطالة والأمراض وزيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية، وتلاحقهم أوجاع الدول الفقيرة من تدهور في خدمات التعليم والصحة، وتردٍّ في البنية التحتية، وخاصة المرتبطة مباشرة بالمواطن، مثل شبكات الطرق والمياه والصرف الصحي وإنتاج الكهرباء وغيرها، رغم امتلاك ليبيا ثروات نفطية وطبيعية هائلة تدرّ عليها مليارات الدولارات سنوياً، وتؤهلها لأن تكون سويسرا العرب، وربما أغنى دولة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع قلة عدد السكان.

هذا الإصرار يأتي عبر خنق الموانئ والحقول النفطية الرئيسية في شرق ليبيا طيلة الشهور الماضية، وتحديداً منطقة الهلال النفطي الاستراتيجية الواقع معظم أجزائها في إقليم برقة، وتعتبر من أبرز المناطق التي تضم حقول النفط الرئيسية على الإطلاق، ويمثل إنتاجها ما يراوح بين 60 و80% من صادرات البلاد النفطية، وتضم الحقول المعروفة (السدرة، راس لانوف، البريقة، الزويتينة)، إضافة إلى ميناء الحريقة في مدينة طبرق أقصى الشرق.

ومع إصرار حفتر على خنق حقول النفط والموانئ النفطية، حتى الأسبوع الماضي، فإنه يحجب بذلك النفط الليبي عن الأسواق الدولية، ويمنع تصديره إلى أسواق أوروبا وغيرها، رغم أنه المورد الأساسي للنقد الأجنبي الذي تعتمد عليه البلاد في تمويل الخزانة العامة، وإعادة بناء الاحتياطي الأجنبي المنهار، وسداد الرواتب والأجور للعاملين في الدولة، وتمويل واردات الأغذية والقمح والأدوية وغيرها من السلع الرئيسية، وكذلك تمويل استيراد الوقود من بنزين وسولار، إضافة إلى تمويل مستلزمات الإنتاج والمواد الوسيطة وغيرها من مدخلات قطاع الصناعة.

وبحسب تقديرات مؤسسة النفط الليبية التابعة للدولة، الصادرة مؤخراً، فإنّ إجمالي خسائر إغلاق الموانئ والحقول النفطية بلغت نحو 8.2 مليارات دولار، بعد نحو 9 أشهر على الإغلاق القسري لتلك الموانئ، وبدءاً من يوم 17 يناير/ كانون الثاني 2020، وهو ما دفع المؤسسة إلى إعلان حالة "القوة القاهرة"، ليتراجع إجمالي إنتاج النفط الخام إلى متوسط 90 ألف برميل يومياً، مقابل 1.2 مليون في الوضع الطبيعي.

ورفع مصرف ليبيا المركزي الرقم لأكثر من ذلك، إذ أظهرت بيانات صادرة عنه، قبل أيام، أن خسائر البلاد جراء توقف إنتاج النفط الخام وتصديره بلغت 9 مليارات دولار خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الجاري.

 

وعلى الرغم من هدوء الأوضاع الأمنية والجيوسياسية على الأرض والتدخّلات الدولية لمنع نشوب حربٍ بين قوات الوفاق الوطني في طرابلس المعترف بها من الأمم المتحدة وقوات شرق ليبيا، يصرّ حفتر على بسط نفوذه على الموانئ والحقول النفطية بشرق ليبيا، وهو ما اعترف به المتحدث باسم قوات شرق ليبيا، أحمد المسماري، يوم 12 يوليو/ تموز الماضي.

وكان حجب تصدير النفط الليبي، يهدد بتجفيف موارد ليبيا من النقد الأجنبي، وهو ما يؤدي بدوره إلى عدم توافر السيولة التي تضمن لليبيين الحد الأدنى من الخدمات.

فاستمرار غلق الموانئ والحقول النفطية لفترة أطول، يزيد أزمات السيولة في البنوك ورواتب الموظفين، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتردي الخدمات العامة ستتعمق.

وفي هذه الحالة لا نستبعد تكرار النموذج اللبناني في ليبيا، الذي من أبرز مظاهره تهاوي قيمة العملة الوطنية الدينار، وحدوث قفزات في أسعار السلع والخدمات، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، وانتحار بعض المواطنين بسبب تردي الأوضاع المعيشية والمالية، وربما تفجير مطار طرابلس، كما حدث في مرفأ بيروت قبل أيام.

وما رأيناه خلال الفترة الماضية من اندلاع التظاهرات لتردي الأوضاع المعيشية والغلاء والفساد في العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي بشرق ليبيا وسبها في الجنوب وللمرة الأولى في المرج معقل قوات خليفة حفتر، ما هو إلا بداية لتظاهرات قد تطول مدتها وتتسع رقعتها.