المقاومة الفلسطينية تنسف ما صنعه اقتصاد إسرائيل في 36 عاماً

المقاومة الفلسطينية تنسف في 129 يوماً ما صنعه اقتصاد إسرائيل في 36 عاماً

12 فبراير 2024
"موديز" تتوقع أفاقاً سلبية لمستقبل اقتصاد إسرائيل وسط تداعيات الحرب (Getty)
+ الخط -

نسفت المقاومة الفلسطينية في 129 يوماً ما صنعته إسرائيل على مدار 36 عاماً، من هالة حول قوة اقتصادها وماليتها العامة وجاذبيتها للاستثمار الأجنبي، إذ باتت دولة الاحتلال تواجه هذه المرة أزمة مالية وسياسية واجتماعية غير مسبوقة، رغم الحروب والأزمات التي تعرضت لها من قبل، ما دفع وكالة موديز للتصنيف الائتماني العالمية إلى خفض تصنيف إسرائيل لأول مرة في 50 عاماً، ما أصاب قادة الأعمال بالقلق حيال "تسونامي" من خفض التصنيف من قبل الشركات العالمية الأخرى.

وتخشى إسرائيل من سير وكالتي التصنيف "فيتش" و"ستاندرد آند بورز" في نفس اتجاه وكالة موديز، وتعلنان عن خفض تصنيفهما للاقتصاد الإسرائيلي وماليته العامة.

وتلقت إسرائيل ضربتين في قرار موديز، يوم الجمعة الماضي، الأولى تمثلت في خفض تصنيفها الائتماني إلى "A2" من "A1"، والثانية رسم التوقعات السلبية، ما يعني أن خفضاً آخر قد تعلنه الوكالة خلال العام الجاري 2024.

وتُعد الحرب على غزة والتصعيد مع حزب الله اللبناني دافعاً رئيسياً لخفض التصنيف مجددا. وحتى لو توقف القتال في غزة أو تراجعت حدته، فإن الندوب التي تسبب فيها ستستمر طويلاً، إذ لن يكون بمقدور حكومة الاحتلال إعادة التصنيف الائتماني إلى سابق عهده في عدة سنوات، وفق تحليل نشرته صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية، أمس الأحد.

وقد تواجه إسرائيل فترة من الاضطرابات السياسية الداخلية المتزايدة عندما يتم حل حكومة الحرب، وذلك بسبب عدم ثقة الإسرائيليين في حكومة نتنياهو، كما يظهر في استطلاعات الرأي، كما ستزيد المخاطر الاجتماعية والمالية.

وخفض التصنيف الائتماني يخلف أربع عواقب، بحسب "كالكاليست"، الأولى زيادة تكاليف الاقتراض، لأن إسرائيل أصبحت أكثر خطورة، وبالتالي سيطالب المستثمر بضمانات أعلى مقابل استثماره فيها، وهذا يعني أن الحكومة ستضطر إلى دفع أسعار فائدة أعلى بالنسبة للقروض الجديدة، ما يجعل الحصول على المال أكثر تكلفة.

وثانيا، قد يؤدي خفض التصنيف إلى صعوبة جمع رأس المال، لأن البلدان ذات التصنيف الائتماني المنخفض تصبح أقل جاذبية وأكثر خطورة، ولذلك فإن هناك كيانات أو مستثمرين لن يرغبوا أو لن يستطيعوا، مثل صناديق التقاعد ذات السياسات المحافظة أو الخاضعة لإشراف الحكومات، الاستثمار في إسرائيل، وبالتالي قد ينخفض الطلب على الأوراق المالية وأدوات الدين من سندات وأذون خزانة لدولة الاحتلال، مما يتسبب في انخفاض السعر، وبالتالي زيادة العائد.

وفي وقت الحرب، عندما تواجه إسرائيل تحديات هائلة فيما يتعلق بالميزانية، فإن هذه أخبار سيئة بشكل خاص. وسوف يذهب المزيد من أموال الضرائب هباء، بدلاً من استخدامها للصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والأمن.

والأمر الثالث والأكثر شيوعاً هو تضرر ثقة المستثمرين في إسرائيل، الأمر الذي قد يؤدي إلى صعوبة جذب المزيد من المستثمرين. هذه الحالة لا تتعلق فقط بالسندات الحكومية، فكل من المستثمرين في سندات الشركات والمستثمرين في القطاع الحقيقي، قد يترددون ويؤجلون الاستثمارات في إسرائيل، التي أصبحت الآن مكانًا أكثر خطورة وأقل جاذبية.

والتأثير الرابع هو أن خفض التصنيف يعبر عن الإضرار بسمعة الجهة التي عانت من خفض تصنيفها، وهي في هذه الحالة حكومة الاحتلال، وبالمعنى الأوسع، الاقتصاد الإسرائيلي، وفق الصحيفة الإسرائيلية التي ذكرت أنه "عندما تقرأ تقرير موديز تدرك أن الضرر الذي لحق بإسرائيل متعدد الجوانب، أمني وسياسي واجتماعي ومالي".

إسرائيل تنزل إلى تصنيف تشيلي

وبينما كان التصنيف الائتماني لإسرائيل، هو نفس تصنيف السعودية واليابان، انخفض بعد التقييم الأخير لوكالة موديز إلى مستوى لاتفيا وبولندا ومالطا وسلوفاكيا وتشيلي. ووفقاً للتحليل الذي نشرته "كالكاليست"، فإن الكارثة الاقتصادية التي جلبتها حكومة "نتنياهو ـ سموتريتش" على مواطني إسرائيل، والتي أدت إلى أول تخفيض للتصنيف الائتماني في التاريخ، كان من الممكن منعها.

وذكرت أنه "بعد أكبر فشل أمني في تاريخ البلاد (عملية طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023)، كانت جميع الأضواء الحمراء مضاءة، إذ كان من الواضح أن هناك حاجة إلى توخي المزيد من الحذر فيما يتعلق بإدارة الميزانية.. لكن كل التحذيرات والتوضيحات والإنذارات والتقارير والعروض لم تلق آذاناً صاغية، ولم يتجاهلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش فحسب، بل حذفاها بسبب مصالح سياسية وشخصية".

وأشارت إلى أنه منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، وضعت موديز التصنيف الائتماني لإسرائيل تحت "المراقبة السلبية"، بينما كانت يوم الجمعة الماضي أكثر صرامة على الإطلاق، ولم يقتصر الأمر على تخفيض التصنيف إلى (A2) من (A1) فحسب، بل النظرة المستقبلية "السلبية" التي رافقت التقرير، وهذا يعني أنها تدرس خفض التصنيف مرة أخرى على المدى القصير والمتوسط بين عام وعام ونصف، بينما عادة، تصدر وكالات التصنيف نظرة مستقبلية "مستقرة" بعد تحريك التصنيف.

ورغم أن تصنيف موديز كان متأخراً، ويرى محللون أن الوكالة ماطلت طوال الشهور الماضية في إصداره بالنظر إلى الأوضاع المالية والاقتصادية السلبية لإسرائيل، إلا أنه أحدث صدمة للإسرائيليين. إذ سبق أن لوّحت وكالة "ستاندرد آند بورز" ثلاث مرات في 1989 و2002 ونهاية 2023 بخفض تصنيف إسرائيل، لكنها لم تفعل ذلك قط.

وحتى لو توقفت الحرب في غزة أو تراجعت حدّتها، فالأوضاع لن تتحسن، فلا يوجد حالياً أي اتفاق لإنهاء الصراع أو اتفاق على خطط طويلة المدى لاستعادة وتعزيز أمن دولة إسرائيل، والرسالة التي بعثها تقرير موديز واضحة، فهي تخشى فشل الحكومة في إدارة الحدث الحرج، وهذا الفشل له ثمن.

وتتوقع موديز أن عبء الديون سيكون أعلى بكثير من التوقعات التي كانت موجودة قبل الصراع، لافتة إلى أن السياسة المالية الحالية ستؤدي إلى زيادة في العجز ومدفوعات الفائدة وبالتالي الدين، الذي سيبلغ ذروته عند 67% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وهذا على النقيض من توقعات 55% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقعة عشية الحرب.

ويقدّر بنك إسرائيل "البنك المركزي" تكلفة الحرب للأعوام 2023-2025 بنحو 255 مليار شيكل (69.2 مليار دولار) أو حوالي 13% من الناتج المحلي الإجمالي. وتضع التغييرات في الإنفاق بعد اندلاع الحرب، العجز الإسرائيلي عند معدل 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، وهو ثاني أكبر عجز في العالم الغربي بعد الولايات المتحدة الأميركية.

اضطرابات اجتماعية وتغيرات ديموغرافية

ولفتت الصحيفة إلى أن الفشل الرئيسي للحكومة، يتجسد في زيادة المخاطر الأمنية، ما يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، تتمثل في عدم المساواة في الدخل واضطرابات في سوق العمل وتغيرات ديموغرافية.

في عموم الأمر، فإن تقرير موديز مليء بالإشارات التي توحي بأن إسرائيل أصبحت مكاناً أقل أماناً، ليس فقط على المدى القريب، بل أيضاً على المدى الطويل. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية، حتى أكثر من خفض التصنيف بحد ذاته، لأن الهاجس الرئيسي اليوم بالنسبة للاقتصاد في إسرائيل هو كيفية التعافي والعودة إلى النمو بوتيرة سريعة من أجل الحد من البطالة وزيادة عائدات الضرائب وخفض الديون، وفق "كالكاليست".

وأشارت إلى أنه بينما ينظر إلى أن مفتاح الانتعاش السريع يكمن في محرك النمو الرئيسي للاقتصاد وهو التكنولوجيا الفائقة، التي تمثل 17% من الناتج المحلي الإجمالي، و56% من الصادرات، وتوفر ربع مدفوعات ضريبة الدخل، وهي مسؤولة عن 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي للشركات، فإن 80% من رأس المال الذي يحرك التكنولوجيا الفائقة يأتي من الخارج، وتقرير موديز يدفع لإبعاد المستثمرين.

وأضافت "سيكون من الصعب للغاية، في ظل هذه الحكومة، تحقيق إعادة التصنيف.. الآن ليس هناك احتمال حقيقي لزيادة التصنيف في المستقبل القريب.. بينما استغرقت البلاد 36 عاما للوصول إلى التصنيف الذي سجلته".

في السياق، قال الخبير الاقتصادي الإسرائيلي يارون زيليتشا لصحيفة "معاريف" إن وكالتي التصنيف المتبقيتين "فيتش" و"ستاندرد آند بورز" ستتبعان وكالة موديز، مضيفا أنه "لا توجد فرصة لارتفاع التصنيف الائتماني.. لن يحدث ذلك بالتأكيد في العام المقبل، وربما في السنوات التالية أيضا".

لكن نتنياهو، ووزير المالية، اعتبرا أن الاقتصاد الإسرائيلي "قوي". كما قال أمير يارون محافظ بنك إسرائيل المركزي، وفق ما نقلت صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية، إن "اقتصاد إسرائيل قوي وسيتعافى من تأثير الحرب"، لكنه دعا الحكومة إلى معالجة القضايا التي أثارتها وكالة موديز.

وأوضح يارون "من أجل تعزيز ثقة الأسواق وشركات التصنيف في الاقتصاد الإسرائيلي، من المهم أن تعمل الحكومة والكنيست على معالجة القضايا الاقتصادية التي أثيرت في التقرير"، مضيفا أن الاقتصاد "قائم على أسس اقتصادية متينة وجيدة، ويتصدر العالم في مجال الابتكار والتكنولوجيا".

وتابع "عرفنا كيفية التعافي من الأوقات العصيبة في الماضي والعودة بسرعة إلى الازدهار، واقتصاد إسرائيل لديه القدرة لضمان حدوث ذلك هذه المرة أيضا".

غير أن هذه الرواية تبدو غير مقنعة لقادة الأعمال في إسرائيل، إذ حذر منتدى الأعمال الإسرائيلي، الذي يمثل مجموعة من أكبر 200 شركة في البلاد، من أن خفض التصنيف والنظرة الائتمانية السلبية "تطورات خطيرة لم نشهد مثلها منذ 36 عاما، حتى خلال الحروب والتحديات السابقة التي تعاملنا معها".

وقال المنتدى في بيان أوردته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إن تخفيض موديز كان "دليلا آخر على أن مقترح الميزانية لعام 2024 ليس متوازناً ولا يركز بشكل كاف على التدابير التي تدعم النمو وإعادة تأهيل الاقتصاد وانتعاشه في اليوم التالي (لما بعد الحرب)".

المساهمون