الجزائريون: عين على الانتخابات وأخرى على الاقتصاد

الجزائريون: عين على الانتخابات وأخرى على الاقتصاد

11 يونيو 2021
الصورة
يترقب الجزائريون بنتيجة الانتخابات أسرع طريقة لتحسين الوضع الاقتصادي (الأناضول)
+ الخط -

ستكون الجزائر على موعد أول مع الانتخابات البرلمانية، السبت، تحت إشراف هيئة مستقلّة للانتخابات بعد الحراك الشعبي الذي أطاح قبل عامين بنظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، فهل ستحتشد الجموع الغفيرة أمام صناديق الاقتراع؟

ومع ما تشير إليه التوقُّعات من انخفاض نسبة المشاركة في هذه الانتخابات كما حدث في الاستفتاء الدستوري السابق، تحوَّلت مواقع التواصل إلى فضاء لاستمالة الناخبين للمشاركة في هذه الانتخابات لا سيَّما في ظلّ عمق حالة العزوف السياسي لدى فئة الشباب نتيجة عدم معرفة المترشِّحين وغياب المنافسة الحزبية وتسلُّل مشاعر الإحباط وانعدام الثقة إلى نفوس الطامحين للتغيير.

يُحبّ الجزائريون الحديث عن السياسة في حياتهم اليومية، لكن يبقى التصويت خطوة لم يتَّخذها الكثيرون بعد، خصوصاً أولئك الذين يرون أنّ أغلب الانتخابات السابقة لم تتمخَّض عن إحداث تغيير ايجابي وفعّال في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ولم تكن إلّا وسيلة لبقاء المسؤولين في السلطة.

المطلوب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وإرضاء أهمّ مطالب الحركات الاحتجاجية لا سيَّما تلك المتعلِّقة باجتثاث الفساد من جذوره وتحسين الظروف المعيشية للمواطن

تتسابق 1483 قائمة، من بينها 837 قائمة مستقلّة أو حرّة، نحو قبة البرلمان وفي انتظارها كثير من التحدِّيات التي ينبغي مواجهتها وليس الالتفاف حولها، وخاصّة تلك المهمّة الشاقّة المتعلّقة بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الجزائري وإرضاء أهمّ مطالب الحركات الاحتجاجية لا سيَّما تلك المتعلِّقة باجتثاث الفساد من جذوره وتحسين الظروف المعيشية للمواطن، فالسبيل الوحيد لولادة التغيير ولو بعد حين هو ذلك الذي يُبنى على انتخابات شفافة ونزيهة وذات مصداقية ومشاركة واسعة للجزائريين في هذه الانتخابات.

شتّان بين الجهود المبذولة من طرف المترشِّحين قبل وبعد انتقالهم للساحة السياسية، حيث تتميَّز تلك الحملات الانتخابية في الفترة التي تسبق الانتخابات بكثافة الخرجات الميدانية إلى مناطق الظلّ، لا سيَّما تلك المناطق المعزولة والنائية والمهمَّشة والمحرومة من التنمية، بهدف الإصغاء إلى انشغالات سكّانها وتحسُّس مشكلاتهم والتفاعل معهم.

كما يطرح المرشحون البرامج ذات الشعارات الطنَّانة والوعود الرنَّانة بتوفير فرص العمل، والتصدِّي لمشكلة غلاء المعيشة، وتوفير مسكن لائق لكلّ مواطن، وإجراء إصلاح اقتصادي جذريّ، وتنويع الاقتصاد الوطني، وتعزيز قطاعات الزراعة والسياحة والصناعة والخدمات، وإيجاد مؤسسات اقتصادية، ودعم أنشطة المقاولات، وتحسين مناخ الأعمال، وتحقيق الأمن الغذائي، واسترجاع الأموال المنهوبة، ومراجعة نظام الدعم الحكومي.

وبعد انتهاء الانتخابات، تتلاشى حماسة المترشِّحين الملتحقين بمقاعدهم البرلمانية لرفع أصواتهم بشأن القضايا التي روَّجوا لها سابقاً، ليدخلوا بعد ذلك مرحلة ضرورة التكيُّف مع معطياتهم الجديدة ومصالحهم الشخصية الضيِّقة، وليس مستبعداً تصويرهم وهُم نيام.

شعارات طنَّانة ووعود رنَّانة بتوفير فرص العمل، والتصدِّي لغلاء المعيشة، وتوفير مسكن لائق للمواطن، وإجراء إصلاح اقتصادي جذريّ، وتعزيز قطاعات الزراعة والسياحة والصناعة، ودعم المقاولات، وتحسين مناخ الأعمال، وتحقيق الأمن الغذائي، واسترجاع الأموال المنهوبة

من المفترض أن تقود القوائم، التي ستكسب الرهان الانتخابي، قاطرة التغيير السياسي الذي يخدم مصالح الشعب ويضع حجر الأساس للإقلاع الاقتصادي، وأن تُشكِّل قطيعة مع ممارسات النظام السابق الذي هيمن على البرلمان ووجَّهه لإفساد الحياة السياسية والاقتصادية وتفصيل النسيج المؤسساتي على مقاس الحسابات والمصالح الخاصّة، لكن لا ينبغي رفع سقف التوقُّعات كثيراً، لا سيَّما عند وجود بعض التكتيكات كتلك التي أدَّت إلى زيادة عدد القوائم الحرّة، التي عادة ما تفتقر إلى الإمكانات المادية والقدرات التنظيمية مقارنة بالأحزاب، بغية إبعاد البرلمان عن متناول العديد من الأحزاب التي قد تتعارض مساعيها مع أهداف النظام الجديد.

ومن منظور آخر تنمّ هذه الاستراتيجية عن محدوديتها، لأنّ محاولات تغطية الشمس بالغربال والتصدِّي لكلّ ما هو معارض وتحاشي الحوار لن تجدي نفعاً، حيث ينبغي على النظام الحالي إحضار شخصيات بارزة من الحراك، لا سيَّما تلك المتعنِّتة والمتمسِّكة بفكرة كلّ شيء أو لا شيء، إلى طاولة الحوار والتفاوض لإقناعها بأنّ التسوية وتقريب وجهات النظر في هذه المرحلة هما السبيل الوحيد للمضي قُدماً في مسار الإصلاح والتنمية وسدّ الثغرات والفراغات السياسية التي تسمح بتغلغل المُقتاتين على الصراعات والنزاعات.

وعلى كلا الطرفين أن يُجريا حوارات مبنية على أساس أنّ فبراير/ شباط 2019 هو خطوة إضافية وإيجابية وفعّالة في البناء السياسي للجزائر والتي ستكتمل بالتعاون والتفاهم والثقة المتبادلة وشنّ حرب على إرث الفساد تُشارك فيها أطياف المجتمع كافة، وكلّ مؤسسات الدولة، على أن تتوفَّر القناعة بوجود هذا المشترك وإلّا تحوَّل الحوار إلى سجال أو حوار بلا معنى.

يعكس عزوف المواطنين عن المشاركة في الانتخابات فقدانهم للأمل في التغيير عبر صناديق الاقتراع، وهي ظاهرة رصدتها استطلاعات الرأي للباروميتر العربي، في دورتها الخامسة، التي شملت الفترة الممتدّة من 2018 إلى 2019، إذ أفاد 74.2 بالمائة من المستجوبين بعدم تصويتهم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، مقابل نسبة 23 بالمائة فقط من المستجوبين الذين أكَّدوا مشاركتهم في تلك الانتخابات.

كما صرَّح 62.1 بالمائة من المستجوبين بأنّ تلك الانتخابات الأخيرة لم تكن حرّة ولا نزيهة، وتمثَّلت النسبة الصادمة في أنّ 50.6 بالمائة من المستجوبين أعربوا عن غياب أيّ حزب يُمثِّل طموحاتهم مقابل 26.4 بالمائة من المستجوبين الذين أشاروا إلى أنّ حزب جبهة التحرير الوطني (FLN)، هو الذي يعكس طموحاتهم والأقرب إلى آمالهم.

بغض النظر عن نتيجة انتخابات 12 يونيو/ حزيران، سيظلّ التحدِّي الرئيسي للنظام الحالي هو ترميم جدار الثقة المتصدِّع، وتتمثَّل أسرع طريقة للقيام بذلك في تحسين الوضع الاقتصادي للجزائريين ورفع دخلهم وتعزيز نوعية الخدمات العمومية المُقدَّمة لهم وتنشيط سوق العمل خصوصاً بعد أزمة كورونا التي أوصدت الأبواب في وجه الباحثين عن عمل، وهي مهمّة شبه مستحيلة بسبب الصعوبات المالية التي تكتنف تحقيقها في المدى القصير على الأقل، خاصّة في ظلّ تبعيّة الاقتصاد الجزائري للريع النفطي وعدم انتعاش سعر البترول الجزائري الذي لا يتجاوز الـ70 دولارا للبرميل الواحد، وهو سعر غير كافٍ لسدّ العجز الكبير المُتوقَّع في الميزانية، وتخفيف العجز في الخزينة العمومية الأكبر. 

خلاصة القول إنّ مقعد البرلمان هو تكليف لا تشريف ومسؤولية وطنية لا مهمّة عبثية، فالبرلمان هو المكان الذي من المُفترض أن يشعر من خلاله المواطن بأنّ هناك من ينطق باسمه ويناقش قضاياه ليوصل رسالته ويصوِّت لصالح مشاريع القوانين التي تصب في مصلحته.

لذلك، ينبغي بمن يخوضون غمار الانتخابات الالتزام بوعودهم من خلال تحويل الكلام الإنشائي الخالي من لغة الأرقام إلى أفعال وإجراءات وخطوات محدَّدة وملموسة وقابلة للتنفيذ.

المساهمون