الأرجنتين: التضخم يتغول ومخاوف من الرجوع لعصر المقايضة

الأرجنتين: التضخم يتغول ومخاوف من الرجوع لعصر المقايضة بسبب "سياسات الصدمة"

29 يناير 2024
متظاهرون يحملون دمية لميلي خلال أول إضراب وطني منذ توليه الرئاسة قبل شهر ونصف (فرانس برس)
+ الخط -

في خطاب تنصيبه في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قال الرئيس الأرجنتيني المحسوب على اليمين المتطرف خافيير ميلي: "اليوم سيبدأ عهد جديد من السلام والازدهار، ووعد بأن الركود الاقتصادي والتضخم الذي ترزح تحته البلاد حالياً سيكون القطرة التي ستفيض كأس ما سماها إعادة بناء الأرجنتين.

لكن سرعان ما أثارت سياسة الصدمة التي يتبناها ميلي وقرارات حكومته غضب الكثيرين، إذ خرجت تظاهرات حاشدة وشهدت البلاد إضراباً عاماً قبل أيام، احتجاجاً على نهجه الاقتصادي الشديد التحرّر، في تحرّك قد يمهّد الطريق لمسار احتجاجي أوسع نطاقاً وأطول أمداً، حيث تجمّع المتظاهرون في وسط بوينس أيرس، الأربعاء الماضي، فيما يشكّل واحدة من أكبر عمليات التعبئة منذ سنوات، بمبادرة من الاتحاد العمالي العام الذي يضم 7 ملايين منتسب.

ويعدّ الاتحاد العمالي العام الأرجنتيني مقرباً من الحكومة السابقة، وقد انضمّت إلى دعوته للإضراب نقابات أخرى وحركات تنتمي إلى اليسار المتطرّف ومنظمات اجتماعية. وجاءت التظاهرات في وقت فوجئ المواطنون بخفض قيمة العملة البيزو بنسبة 54% وفرض تدابير تقشّفية من كلّ حدب وصوب وطرح رزنامة واسعة من مشاريع القوانين لإزالة الضوابط الاقتصادية وتمهد لعمليات خصخصة واسعة.

ولعل الأثر الأول الملموس للسياسة الليبرالية المتطرفة للرئيس المنتخب حديثاً هو تفاقم التضخم على عكس ما يصبو إليه المواطنون، حيث قفز في 2023 برمّته بنسبة 211%، بينما لم يكن يتجاوز سنوياً من 147%، وذلك بسبب انتهاء السيطرة على الإيجارات وارتفاع أسعار السلع بشكل خيالي على ضوء خفض قيمة البيزو بنسبة 54% في الأيام الأولى من رئاسة ميلي.

وألغي مرسوم رئاسي نشرته حكومة ميلي في ديسمبر/ كانون الأول قانون الإيجار لعام 2020 والذي تم تعديله في عام 2023، لتصبح عقود الإيجار خاضعة لاتفاقية "محررة" بين الأطراف بشأن مدة الإيجار وآلية زيادة البدلات ووسائل الدفع.

ويمكن حتى لهذه العقود أن تُدفع بعملة البيتكوين أو أي عملة مشفّرة أخرى أو نقود مثل كيلوغرامات من لحم البقر أو لترات من الحليب"، حسبما قالت وزيرة الخارجية والتجارة الخارجية ديانا موندينو على حسابها على منصة "إكس" الشهر الماضي. وقوبل منشورها بالكثير من الانتقادات بشأن عودة "إقطاعية" إلى "زمن المقايضة". لكن حتى أسعار اللحوم والحليب أصبحت مرتفعة على غرار أسعار الفاكهة والخضار وكلّ السلع الأخرى.

وتحت وطأة الغضب المتسارع، سحبت حكومة ميلي ما وصفتها بإصلاحات ضريبية رئيسية من مشروع قانون واسع، بعد رفض المعارضة لها، وفق ما أعلن وزير الاقتصاد لويس كابوتو، نهاية الأسبوع الماضي. وستسحب الحكومة خصوصاً بنوداً تتعلق بتعديل الضريبة على الإرث وعلى العائدات المرتفعة.

ومشروع القانون هذا المعروف باسم "أومنيبوس" هو سلسلة واسعة من الأطاريح التي تحرر بعض القطاعات وتعتمد التقشف في أخرى ويضم 664 بنداً في صيغته الأساسية. وهو يشمل قطاعات كثيرة ومتنوعة من الخصخصة مروراً بنظام التقاعد. وحذرت المعارضة في مجلس النواب من أن ثلث بنوده تقريباً قد لا تقر.

ومن المقرر أن يبدأ مجلس النواب النظر في مشروع القانون، الثلاثاء المقبل، على أن يعرض بعدها على مجلس الشيوخ، بينما حزب ميلي هو القوة الثالثة في البرلمان ما يضطره إلى القيام بتنازلات.

بدا خطاب ميلي عاطفياً وفق صحيفة بوينس أيرس تايمز، التي أشارت في تقرير لها إلى تحديات كبيرة في ظل احتياطات نقد أجنبي سلبية، وغرق المالية العامة باللون الأحمر، وقنبلة الديون التي يهدد انفجارها بتحويل البلد إلى دولة مفلسة مرة أخرى.

شعاراته الانتخابية التي أوصلته إلى الرئاسة قامت بالأساس على خطاب "إعادة إعمار الأرجنتين"، وبأن ذلك يقوم على ثلاث قيم: الدولة المحدودة (السلطة) واحترام الملكية الخاصة، والتجارة الحرة.

لكن تلك الشعارات، التي يعد من خلالها بالتغيير الجذري، تذهب بصورة مركزية إلى دولرة اقتصاد بلده وخفض الإنفاق على الصحة والتعليم والبحث. وهو ما يعني أن الطبقات الفقيرة والأقل حظاً في ظل أوضاع متردية خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل ليست سعيدة بما يخطط له الرجل تحت مسمى "ثورة ليبرالية" في البلد الذي كان من أفضل رهانات أميركا اللاتينية على مفهوم دولة الرفاهية.

يؤمن ميلي الذي يوصف في أوساط صحافية غربية بأنه "ترامب الأرجنتيني" بأن على حكومته "تخفيض الإنفاق العام" الذي اعتبره في حملته الانتخابية أساس المشكلة الاقتصادية والعجز الضخم في الميزانية، لكن ذلك يعني مساً بمصالح ملايين الناس الذين يعتمدون على الدولة، بما في ذلك العديد من موظفي القطاع العام، والفقراء الذين يحصلون على إعانات البطالة، وأولئك الذين يستفيدون من إعانات دعم الطاقة، والنقل، والغذاء، وغير ذلك من الأمور.

ويبدو أن سياسات ميلي تروق لصندوق النقد الدولي، الذي أبدى في وقت سابق من يناير/ كانون الثاني الجاري موافقته على استعراض البرنامج المقدم للأرجنتين البالغة قيمته 44 مليار دولار، والذي سيتيح على الأرجح صرف قرض قيمته أكبر من المتوقع.

وقال صندوق النقد الدولي، في بيان له، إن الاتفاق سيمكن الأرجنتين من الحصول على 4.7 مليارات دولار، إذا حظي بتأييد المجلس التنفيذي للصندوق.

وهذا أكثر من المبلغ المتوقع في البداية والذي يقدر بـ3.3 مليارات دولار، كما أنه يوفر لميلي مهلة زمنية للامتثال لسداد ديون بلاده للصندوق قبل أن يقرر ما إذا كان سيستمر في البرنامج الحالي الذي أبرمه سلفه ماوريسيو ماكرى أو التفاوض على برنامج جديد.

لكنّ الكثيرين يرون أن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لم يحمل سوى المزيد من المتاعب للدولة، إذ قفزت نسبة الدين العام إلى 69 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الرئيس السابق ماكري، بعدما أبرمت حكومته اتفاقية مع صندوق النقد في 2018 بقيمة إجمالية تبلغ 57 مليار دولار.

وأدت الاتفاقية واشتراطاتها إلى ركود وانكماش أكبر، وزادت نسبة الفقر بنحو 50%، بينما ارتفع معدل التضخم في 2019 بنسبة 54%، وفقاً لمركز أبحاث السياسات الاقتصادية " سي إي بي آر" (CEPR). وسارت الأمور على نحو متدحرج من البؤس المقترن بهروب رؤوس الأموال ودوامة تضخمية ضغطت نحو انخفاض قيمة العملة الوطنية وقدرة الناس الشرائية.

نقطة أخرى مفصلية، ذات دلالات في توجهات شعبوية يمينية عند ميلي، تتمثل في إبداء رغبة قوية بألّا يكون بلده عضواً في تحالف بريكس (يضم البرازيل أيضاً في أميركا الجنوبية، إلى جانب الصين وروسيا وجنوب أفريقيا والهند) إذ جرت دعوة الأرجنتين ومصر والسعودية وإثيوبيا وإيران إلى عضوية التحالف في أغسطس/ آب الماضي.

ومثل هذا الموقف الذي قال فيه ميلي: "لا نفهم ما هي ميزة الانضمام إلى بريكس في الوقت الحالي" يشير إلى رغبته بأن يكون في المعسكر الأميركي، لتكون فرصه أقوى إذا ما عاد الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

بالطبع لا يمكن لميلي القفز عن حقيقة أن بكين أصبحت متغلغلة في السوق الأرجنتيني، وهي إلى جانب البرازيل تعدان أكبر الشركاء لبوينس أيرس، ما يعيق تطبيق فلسفته "الابتعاد عن الصين والاقتراب من الغرب".

كانت الأرجنتين في سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى من أغنى دول العالم، وجذبت ملايين المهاجرين. وعاصمتها بوينس أيرس تضاهي في الأناقة مدن القارة الأوروبية بشوارعها الواسعة وحدائقها وساحاتها وقصورها وأحيائها الجميلة.

لكنّ الدولة تعرضت للإفلاس عدة مرات، آخرها في 2014، ويعول الدائنون على إعادة هيكلة الديون، فيما يتزايد الضغط على ماليتها بسبب الجفاف، إذ إن معظم صادراتها زراعية، ما يخفض عائدات البلد من النقد الأجنبي. وأهم منتجات التصدير هي الذرة وفول الصويا، فضلاً عن لحم البقر، ومنتجات الألبان والنبيذ.

المساهمون