أزمة السيولة تدفع الجزائر لخصخصة البنوك بدل إصلاحها

أزمة السيولة تدفع الجزائر لخصخصة البنوك بدل إصلاحها

26 اغسطس 2021
مشاكل عديدة تواجه القطاع المصرفي (Getty)
+ الخط -

تحت ضغط تهاوي تراجع عائدات النفط ونقص السيولة، تتجه الجزائر إلى مراجعة سياساتها الاقتصادية وثوابتها المالية، عبر خطوة كانت في الأمس القريب من المستحيلات، وذلك بفتح باب خصخصة البنوك العمومية، على أن تكون البداية ببيع 3 بنوك هي: التنمية المحلية، والقرض الشعبي الجزائري، والفلاحة والتنمية الريفية وفق تعليمات رئاسية.
القطاع ظلت الحكومات المتعاقبة تراه استراتيجيا غير مباحة ملكيته لغير الدولة الجزائرية، بالرغم من قبول فروع لبنوك عربية وفرنسية، في خطوة تنتظر منها الحكومة، امتصاص كتل مالية تغطي بها عجز السيولة في البنوك التي هوت تحت الخطوط الحمراء، بالرغم من مصاحبة هذه الخطوة، للكثير من التساؤلات والمخاوف من ولادتها ميتة.

انهيار متسارع
يضيق هامش تحرك المؤسسات المالية الجزائرية شهرياً، فالمصارف دخلت في نفق أزمة نقص السيولة، رغم تدخلات البنك المركزي لإنقاذها، وشح الموارد دفع غالبية المصارف إلى اللجوء للاحتياطات الإجبارية، وبالتالي دخلت في أزمة غير مسبوقة، لم تعتدها المنظومة المصرفية في البلاد.

خلال أشهر تهاوت سيولة المصارف من 8 مليارات دولار منتصف 2020، إلى 4.8 مليارات دولار نهاية ديسمبر 2020، ثم إلى 3.7 مليارات دولار، مطلع 2021

خلال أشهر قليلة تهاوت سيولة المصارف من 8 مليارات دولار منتصف 2020، إلى 4.8 مليارات دولار نهاية ديسمبر/كانون الأول 2020، ليتواصل التهاوي إلى 3.7 مليارات دولار، مطلع 2021، حسب آخر تقرير للبنك المركزي الجزائري، وذلك لأول مرة منذ أكثر من 20 سنة.

وباتت أزمة السيولة الحادة تهدّد النظام المصرفي، في وقت تحتاج الجزائر إلى موارد مالية لدعم الاقتصاد المتعثر بسبب تراجع عائدات النفط.

من جهة أخرى، تمعن جائحة كورونا في ضرب الآلاف من الشركات، لتضعها على حافة الإفلاس. الوضعية الصعبة التي تواجهها المصارف تنعكس أيضاً ارتفاعاً لعدد القروض المتعثرة، التي استفاد منها رجال الأعمال، خاصة المقربين من نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. يضاف إلى هذه القائمة، تواصل تهاوي قيمة الدينار، الذي فقد بريقه أمام العملات الأجنبية.
وكشف عضو جمعية البنوك الجزائرية، بغداد عمار، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "نسبة العجز في السيولة قفزت من 55 في المائة نهاية مايو/أيار 2020، إلى 80 في المائة نهاية 2020، ثم 88 بالمائة نهاية فبراير/شباط المنصرم، علما أنها كانت عند 20 في المائة مطلع سنة 2019".

البنوك خسرت أكثر من 300 مليار دينار خلال الأشهر الأخيرة وهذه خسارة كبيرة تضع حجم السيولة بمستويات تاريخية متدنية وفق عضو جمعية البنوك

وحسب عمار، فإن تقرير المركزي الجزائري، يكشف أن البنوك خسرت أكثر من 300 مليار دينار خلال الأشهر الأخيرة وهذه خسارة كبيرة تضع حجم السيولة بمستويات تاريخية متدنية.

وعزا عمار ارتفاع العجز في السيولة إلى "سحب الودائع المالية من طرف المدخرين والمتعاملين الاقتصاديين لمواجهة تداعيات كورونا، بالإضافة لارتفاع حجم القروض المتعثرة بشكل مستمر خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث بلغت 10 في المائة عام 2015، لتزيد إلى 13 في المائة في العام التالي، و17 في المائة في 2017، ثم 20 في المائة في العام اللاحق، قبل أن تقفز إلى 25.2 في المائة خلال العام 2019".

يضاف إلى ذلك لجوء الحكومة في النصف الثاني من سنة 2020 إلى منح قروض للشركات العمومية والخاصة المتعثرة بسبب الجائحة، حسب عمار.

واضطر البنك المركزي إلى التدخل لإنقاذ القطاع المصرفي، إذ سمح للمصارف والمؤسسات المالية المعتمدة في البلاد باللجوء إلى تخفيض احتياطاتها الإلزامية إلى 2.5% من إجمالي موجوداتها بعدما كانت عند 12% مطلع 2020.

كما شدد "المركزي" في يونيو/ حزيران 2021، القيود على منح القروض، حيث جرى خفض نسبة منح القروض الاستثمارية والعقارية لأكبر درجة ممكنة.

إلا أن هذه القرارات لم تكن كافية وفق محللين اقتصاديين، ما دعا الحكومة إلى الإعلان عن اعتزامها طرح حصص من البنوك العمومية في البورصة وهو أحد أشكال الخصخصة للحصول على موارد مالية إضافية.

في بداية الأزمة النفطية، منتصف 2014، كان سعر العملة الجزائرية يساوي 83 دينارا لكل دولار. وحالياً تبلغ 136 دينارا

ويأتي ذلك في ظل التراجع المتواصل للدينار أمام العملات الأجنبية، ويرجع ذلك إلى تبنّي البنك المركزي سياسة تعويم الدينار، عند الضرورة، إذ سبق أن فقد الدينار جزءاً كبيراً من قيمته خلال العام الماضي، لمواجهة تبعات تراجع عائدات النفط وكبح فاتورة الواردات.

وفي بداية الأزمة النفطية، منتصف 2014، كان سعر صرف العملة المحلية الجزائرية يساوي 83 دينارا لكل دولار واحد. وحالياً تبلغ قيمة صرف العملة المحلية 136 دينارا، مقابل العملة الأميركية.

ملاذ الخصخصة
أمام هذه الوضعية، أمر الرئيس عبد المجيد تبون، الحكومة في 8 أغسطس/ آب الحالي، ببيع حصص في الشركات والبنوك الحكومية، في إطار إصلاحات اقتصادية تتضمن تسريع إصدار النصوص القانونية الجديدة حول الاستثمار، تحفيزا للشراكة وخلق فرص عمل، في خطوة لم تُتبعها الحكومة بتوضيحات إلى يومنا هذا.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي جمال نور الدين، أن "فتح رأس مال البنوك العمومية، يدخل ضمن الإصلاحات المالية والمصرفية التي تريد وزارة المالية إطلاقها، من أجل إضفاء الشفافية على المعاملات المالية، والقضاء على التسيير التقليدي للمؤسسات المالية والبنوك".
وقال نور الدين لـ"العربي الجديد": "يجب أن يرافق عمليةَ خصخصة البنوك، فتحُ فروع لها في الخارج عن طريق وكالات، أو عن طريق فتح فروع إلكترونية في عدة دول، على الأقل لرفع نسبة تدفق أموال الجالية الجزائرية في بلاد المهجر على الأقل".

أمر الرئيس عبد المجيد تبون، الحكومة في 8 أغسطس/ آب، ببيع حصص في الشركات والبنوك الحكومية، في إطار إصلاحات اقتصادية

لكن الخبير المالي والمستشار لدى بنك الجزائر نبيل جمعة، قال في المقابل: "حتى لو كان خيار فتح رأس المال مثيرا للاهتمام، فإن الوضع الاقتصادي غير مناسب حالياً، فالصدمة الاقتصادية التي أحدثتها الأزمة الصحية أدت إلى وضع العديد من المجموعات المصرفية الدولية على طرق إعادة التموضع وإعادة الهيكلة بدلاً من إعادة شراء الأصول أو الاستثمار في الأسهم".
وأضاف جمعة لـ"العربي الجديد" أن "بورصة الجزائر بدورها تعتبر عائقا كبيرا أمام نجاح هذه الخطوة، فأخيرا انسحبت 3 شركات من البورصة بسبب ركودها منذ إطلاقها سنة 1998، وحاليا توجد أقل من 8 شركات متداولة في البورصة، ما يترجم ضعفها، وبالتالي ربما كان الأجدر بالحكومة أن تتحلى بالجرأة السياسية والاقتصادية وتفتح رأسمال البنوك العمومية مباشرة أمام الشراكة الأجنبية أو المحلية إذا وُجدت عوض فتحه في البورصة".

خطيئة "الخليفة"
وبالرغم من وجود بنوك خاصة في الجزائر، هي في الأصل فروع لبنوك أجنبية برأسمالٍ مشترك مع الجزائر، إلا أن السلطات الجزائرية لا تزال تتخوف من تكرار سيناريو "بنك الخليفة"، الذي كان بطل ما تُعرَف في الجزائر بـ"فضيحة القرن".

بعدما تحول البنك الذي فتحه رجل الأعمال عبد المؤمن خليفة (حكم عليه في 2015 بالسحن 17 سنة)، إلى آلية لتبييض الأموال ونهب المال العام، مستفيدا من قربه من محيط الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وأصبح "خطيئة" كما وصفه وزير المالية آنذاك مراد مدلسي، جعلت الحكومة الجزائرية تضع قطاع البنوك في خانة "غير قابلة للمس".

وحسب الخبير الاقتصادي، عبد الرحمن مبتول، فإن "تجارب الجزائر مع خصخصة البنوك جعلتها تتخوف من الخوض في الخصخصة المباشرة، للبنوك العمومية أو حتى إنشاء بنوك جزائرية خاصة، وتفضل البورصة، وهذا ما يضيع على البلاد فرصا لاستمالة الاستثمارات المباشرة، لأن البورصة متعثرة وليست نشطة لدرجة تسمح بفتح رأسمال البنوك العمومية فيها للاكتتاب".
وأضاف الخبير الجزائري في حديث مع "العربي الجديد" أنه "يجب على الحكومة السماح للقطاع الخاص الوطني والأجنبي بفتح بنوك جديدة، دون بيع بنوك القطاع العام مع التركيز على إصلاحها بشكل جاد، وتكون هناك منافسة بين القطاعين العام والخاص لصالح المواطن والاقتصاد الجزائري".

ويأتي ذلك مع إدراج قطاعات أخرى في المجال الإنتاجي أو الخدمي للخصخصة، ما يسمح بإنشاء مؤسسات جديدة، تخلق فرصة للقطاع المصرفي في الجزائر ليوسع من عملياته، بل قد يلجأ لزيادة رؤوس أمواله لمواجهة المتطلبات الجديدة للقطاع الخاص في المجالات الإنتاجية والخدمية، حسب مبتول.

المساهمون