آمال إيرانية بإحياء ممر "الشمال - الجنوب" بعد أزمة قناة السويس

02 ابريل 2021
طهران تسعى للتحول إلى لاعب مهم في صناعة نقل التجارة العالمية (الأناضول)
+ الخط -

أعادت أزمة تعطل قناة السويس نحو أسبوع إثر جنوح سفينة الشحن العملاقة "إيفر غيفن" ممر "الشمال - الجنوب" للواجهة مرة أخرى، إذ دعا السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي، السبت الماضي، في تغريدة عبر "تويتر"، إلى تفعيله كخيار بديل عن قناة السويس.

و"ممر الشمال - الجنوب" مشروع نقل دولي عملاق، طُرح خلال قمة الاتحاد الأوروبي في هلسنكي سنة 1992 كالممر التاسع من ضمن عشرة ممرات، ثم وقعت الدول الثلاث، إيران والهند وروسيا، عام 2000 على الوثيقة الأولى لإنشائه في سانت بطرسبرغ الروسية. وعام 2016، التحقت دول أخرى بالمشروع، هي: سلطنة عمان، وتركيا، كازاخستان، أرمينيا، قرغيزستان، طاجيكستان، بيلاروسيا، أوكرانيا، سورية، وبلغاريا، إلى جانب الدول المؤسسة الثلاث.

مواصفات الممر

ويتكون "ممر الشمال - الجنوب" من شبكة خطوط بحرية وبرية وسكك حديدية يبلغ طولها 7200 كيلومتر، ويبدأ من بومباي بالهند ليربط المحيط الهندي ومنطقة الخليج مع بحر قزوين مروراً بإيران، ثم يتوجه إلى سان بطرسبرغ الروسية، ومنها إلى شمال أوروبا وصولا إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي.

ويعتبر هذا المشروع أحد أرخص الطرق الرابطة بين قارتي آسيا وأوروبا، وبذلك ينافس قناة السويس، حيث تتقلص تكاليف النقل عبره بمقدار 2500 دولار مقابل كل 15 طنًا، هذا فضلا عن أن ذلك يستغرق 14 يومًا فقط، في مقابل 40 يومًا عبر طريق قناة السويس، حسب البيانات الإيرانية.

 

وتقع إيران في قلب هذا الممر، ويمكّنها هذا المشروع في حال تدشينه من التحكم في حلقة وصل حيوية بين آسيا وأوروبا، وعليه توليه طهران أهمية كبيرة، علما أن أربعة ممرات دولية تتقاطع في إيران، هي ممر "الشمال - الجنوب"، والشرق - الغرب، وجنوب آسيا، وممر النقل تراسيكا (أوروبا - القوقاز وآسيا).

ويفترض أن يُنقل عبر ممر "الشمال الجنوب" في مراحله الأولى سنويا 6 ملايين طن من السلع، إلى أن يرتفع إلى 15 طنا حتى 20 مليونا بعد اكتمال المشروع بالكامل.

ويتفرع الممر بعد وصوله إلى داخل إيران إلى الفرعين الغربي والشرقي، يصلان جنوب إيران بالخليج وبحر عمان بشرقها وشمالها على بحر قزوين، فضلا عن أن شبكة كبيرة من الخطوط الحديدية والبرية الداخلية من المقرر أن تربط تقريبا جميع الحدود الإيرانية والمحافظات الإيرانية بشبكة مواصلات على طريق ممر الشمال الجنوب داخل إيران، ما يعني أن هذه الشبكة الداخلية الإيرانية تشكل حلقة وصل بين الدول الـ15 الجارة لإيران على حدودها الأربعة، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.

شبكة المواصلات

ومنذ خمس سنوات تقريبا، تسعى إيران، وفق المشروع الشامل للنقل، إلى إنشاء 10 ممرات داخلية رئيسية تمتد من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب والعكس، بطول 21 ألف كيلومتر لربطها بشبكة النقل الدولي، وخاصة ممر الشمال الجنوب. وحسب إعلان وزارة الطرق والمواصلات الإيرانية، خلال فبراير/ شباط الماضي، حقق المشروع تقدما بنسبة 70 في المائة.

إلى ذلك، أكملت إيران بناء الخط البري السريع على طريق ممر الشمال الجنوب والعكس بعد افتتاح خط مواصلات برية شرقي إصفهان. وهذا الخط يربط شمال إيران بجنوبها في شرق البلاد، فضلا عن خط بري آخر لربط الشمال والجنوب بغرب البلاد.

وتخطط إيران للاعتماد بشكل أساسي على شبكة الخطوط الحديدية في مشروع ممر الشمال الجنوب للنقل، فتعمل على ربط خطوط سكة الحديد بميناء بندر عباس المطل على الخليج بميناء بندر أنزلي على بحر قزوين، بطول نحو 1600 كيلومتر، بقي منه نحو 40 كيلومترا من المقرر أن يستكمل خلال هذا العام.

وخلال مارس/ آذار 2019، حققت إيران نقلة في بناء البنية التحتية لممر النقل الشمال الجنوب بعد إكمال مشروع السكة الحديدية بين مدينة قزوين (130 كيلومترا عن طهران)، ومدينة رشت على بحر قزوين بعد نحو 18 عاما، بطول 164 كيلومترا، حيث إن هذا المسار يمر من مناطق جبلية وعرة، واضطرت الحكومة الإيرانية إلى إنشاء 52 نفقا بطول 22 كيلومترا على امتداد هذا الخط الحديدي. وبعد إكمال هذا المشروع، بقي إنشاء السكة الحديدية بين رشت وميناء أنزلي ليربط نهائيا ميناء بندر عباس على الخليج ببحر قزوين.

فضلا عن ذلك، تسعى إيران إلى ربط الخطوط الحديدية الممتدة من بندر عباس بشبكة روسيا وأذربيجان الحديدية.

 

إلى ذلك، يكتسي ربط ميناء جابهار الاستراتيجي على بحر عمان بممر النقل الشمال الجنوب أهمية كبيرة بالنسبة لإيران والهند، فضلا عن دول آسيا الوسطى.

وتعمل إيران حاليا على إنشاء شبكة سكة حديدية تربط ميناء جابهار على بحر عمان بمدينة سرخس، شمال شرقي البلاد، عبر خط حديدي بطول 1350 كيلومترا.

عوائد مالية

بالإضافة إلى أن إنشاء ممر نقل الشمال الجنوب يمنح إيران قدرات جيوسياسية وتنافسية كبيرة في مواجهة التحديات السياسية والأمنية المحيطة بها، إلا أن الممر أيضا يعود بمنافع اقتصادية كبيرة عليها.

وفي السياق، يقول مدير قسم دراسات النقل بمركز الدراسات الاقتصادية بجامعة "العلم والصناعة" الإيرانية ميثم لاجوردي، في حديث لصحيفة "الشرق"، إن العوائد المباشرة وغير المباشرة التي يمكن أن تجنيها طهران من عبور السلع عبر أراضيها من خلال ممر الشمال الجنوب تبلغ 300 دولار لكل طن.

وإذا أخذنا بالاعتبار أن حجم التبادل التجاري للدول الواقعة على طريق ممر الشمال الجنوب بلغ عام 2017 نحو 77 مليون طن، فمردود عبور هذه الكمية الكبيرة من السلع عبر إيران سيكون نحو 23 مليار دولار لها سنويا، ما يمكن أن يغنيها عن عوائد النفط المحظور أميركيا.

عقبات وتحديات

رغم أهمية ممر الشمال الجنوب وكونه أقصر الممرات زمنيا وأرخصها ماليا، لكن بعد مضي أكثر من عقدين على التوقيع على اتفاقية بشأن إنشائه بين إيران والهند وروسيا، لم يستكمل بعد، ما أدى إلى ظهور ممرات بديلة جديدة، مثل طريق الحرير، مع أن هذه الممرات تبقى الأكثر كلفة ماليا وزمنيا بالمقارنة مع ممر الشمال الجنوب.

وخلال يناير/ كانون الثاني لعام 2018، بعد 18 عاما من إقرار مشروع (INSTC)، اتجهت أول شحنة من بومباي الهندية إلى سان بطرسبورغ الروسية عبر ممر النقل بين الشمال والجنوب، لكن عقبات كبيرة حالت دون أن يدخل المشروع حيز التنفيذ بالكامل.

وتتنوع هذه التحديات والعقبات، بين السياسية والاقتصادية والتقنية والإدارية، فالأزمة المستمرة بين إيران والغرب وبالذات مع الولايات المتحدة والعقوبات الأميركية على طهران خلال العقدين الأخيرين، بسبب أزمة الملف النووي، أضعفت قدرات إيران المالية في إكمال المشاريع الداخلية المرتبطة بممر النقل بين الشمال والجنوب.

 

مع ذلك، منح الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى بما فيها الولايات المتحدة الأميركية والذي رفعت بموجبه العقوبات عن طهران، فسحة للأخيرة لإنجاز بعض المشاريع العالقة المرتبطة بالممر، لكن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات بشكل أكثر شمولا من قبل، طاولت جميع مفاصل الاقتصاد الإيراني، حرما إيران من مصادر مالية هائلة، لاستكمال هذه المشاريع وبناء البنية التحتية اللازمة.

إلى ذلك، لا يخفى أن الضغوط السياسية التي تمارسها الإدارة الأميركية على بعض الدول الواقعة على طريق ممر النقل بين الشمال والجنوب، والتي تربط بينها علاقات تحالف أدت إلى عدم إبداء هذه الدول الجدية الكافية في ربط شبكة نقلها بالممر، كما أن الهند رغم استثناء ميناء جابهار الإيراني من العقوبات الأميركية تأخرت كثيرا في إكمال مشاريع تطوير وتنمية هذا الميناء.

وإلى جانب عقبة عدم اكتمال البنية التحتية الإيرانية لتفعيل ممر الشمال الجنوب، فتركيز السلطات الإيرانية على الاعتماد على شبكة الخطوط الحديدية في هذا الصدد لا يحقق النتيجة المرجوة، إذ يقول رئيس لجنة النقل بغرفة التجارة الإيرانية مسعود دانشمند، لأسبوعية "النقل" الإيرانية، إن "الخطوط الحديدية لكونها في اتجاه واحد ولعدم تعيير محطات التفريغ والشحن في هذا النقل، تحمّل التجار زيادة في التكاليف وفترة النقل"، مضيفا أن "أولوية هذه الخطوط هي نقل المسافرين وثم نقل السلع، وهذا ما يبطئ حركة قطارات الشحن في المحطات".

والتحدي الآخر أن الشحنات التي تصل إلى إيران لنقلها عبر ممر الشمال الجنوب يتم تفريغها وشحنها عدة مرات، وهذا قد لا تفضّله الدول لنقل سلعها.

كما أن ممر النقل بين الشمال والجنوب لا يمكنه منافسة قناة السويس على نقل كميات كبيرة من السلع في آن واحد، حيث يقول مدير الممرات بوزارة الطرق الإيرانية: "لا يمكننا حتما نقل كل الكميات التي تمر عبر البحر (قناة السويس) إلى الأراضي الإيرانية، فالسفن العملاقة العابرة للمحيطات يمكنها نقل أكثر من 20 ألف طن من السلع، لكن قطار شحن لا يستطيع نقل أكثر من 6 آلاف طن".

المساهمون