"الفساد ليس ثقافة"... كيف حاصرت جورجيا الوباء؟

"الفساد ليس ثقافة"... كيف حاصرت جورجيا الوباء؟

15 يونيو 2021
باتومي جورجيا (فرانس برس)
+ الخط -

ظل الفساد في جورجيا أزمة معقدة خلال العقود التي تلت استقلالها عن الاتحاد السوفييتي في العام 1991، لكن في السنوات الأخيرة نجحت الدولة في إحراز تقدم كبير حولها من واحدة من أكثر الدول فسادا في العالم بعد الحقبة السوفييتية إلى واحدة من أقل الدول التي تشهد جرائم فساد، وذلك من خلال تنفيذ إصلاحات جوهرية في هذا المجال. 
قبل ثورة الزهور عام 2003، كانت جورجيا من بين أكثر الدول فسادًا في جميع بلدان أوراسيا. كان الفساد يسكن في كل ركن من أركان الدولة، كانت المصالح الحكومية تعج بالفاسدين والمرتشين، وكان المواطن لا يحصل على خدمة إلا بعد دفع الرشى.
كان الزعماء السياسيون يقدمون الرشاوى للحفاظ على مواقعهم المتقدمة في النظام السياسي الحاكم، كانت إدارة مهمة مثل المرور والتوثيق والكهرباء والمياه خدمات المواطنين تعوم على بحار من الفساد والرشى.
سيطر رجال الأعمال على وسائل الإعلام المختلفة، كان الفساد منتشرا في قطاع التعليم خاصة الجامعي، فقد كان الأساتذة يحصلون على رشى من الطلاب مقابل التعهد بنجاحهم ونقلهم إلى الصف التالي. 
كانت نفقات الوزارات السيادية مثل الدفاع والداخلية وغيرها من الهيئات الحكومية لا تخضع لأي نوع من الرقابة أو التدقيق الداخلي لمراكزها المالية.
كانت الرقابة على ميزانية الدولة والنفقات العامة ضعيفة وشبه معدومة، كانت الحكومة الممثلة في السلطة التنفيذية قوية مقابل السلطات الأخرى خاصة التشريعية والقضائية والإعلام والمجتمع المدني. الشفافية والإفصاح والمساءلة كانت أضعف في الحكومات المحلية والمحافظات.

في عام 2002، بدأت بوادر التغير ودارت عجلة مكافحة الفساد والكسب غير المشروع والجرائم المالية بقوة، ظهرت لدى النظام الحاكم إرادة سياسية قوية لوأد هذه الجرثومة التي أرهقت الدولة، اقتصاد ومواطن، وأكلت مواردها المحدودة، وأتت على الإيرادات العامة ورفعت معدلات الفقر والبطالة وتضخم الاسعار. 
عملت الحكومات المتعاقبة بعد ثورة الزهور في العام 2003 على وضع خطوات ملموسة لمكافحة الفساد والإصلاح الاقتصادي واعتبار ذلك أولوية للأجندة السياسية لكل الحكومات بغض النظر عن انتمائها السياسي والأيديولوجي.
تمّ حل جهاز شرطة المرور الفاسد بالكامل في عام 2004، وصاحب ذلك اعتقال كبار المجرمين وشن هجوم مباشر على أوكار الفساد وتجار المخدرات وناهبي المال العام، وفصل جميع أفراد الشرطة الفاسدين، واستخدام التكنولوجيا المتطورة في إنهاء الإجراءات الحكومية وتسخيرها لصالح المواطن.
استخدام المكننة في المدفوعات الحكومية، وتطوير القطاع المصرفي، وتبني أساليب غير تقليدية في الرقابة المالية، ووضع وزارة الداخلية ومراكز الشرطة في مكاتب زجاجية، وقد لمست ذلك بنفسي حينما زرت بيت العدل (House Justice)، في العاصمة تبليسي، وهو المؤسسة المسؤولة عن انهاء معاملات المواطنين من جوازات سفر واصدار وتوثيق الأوراق الحكومية.

تمّ حل جهاز شرطة المرور الفاسد بالكامل في 2004، واعتقال كبار المجرمين وشن هجوم مباشر على أوكار الفساد وناهبي المال العام، وفصل جميع أفراد الشرطة الفاسدين، ووضع موظفي وزارة الداخلية ومراكز الشرطة في مكاتب زجاجية

بات مكتب تدقيق الأموال الحكومي (SEO) مسؤولا عن مراجعة الإنفاق العام، تم العمل على تحسين أصول الدولة، تقرر نشر جميع العقود العامة عبر الإنترنت مع استثناء بعضها لأسباب أمنية، مثل عقود التسلح وسكك الحديد.

وجرى إقرار قانون تمويل الحملات الانتخابية، وتطبيق المعايير الدولية بمكافحة الفساد، خاصة المتعلقة بالحوكمة والحكم الرشيد، ومراقبة تحقيق التزامات الحكومة بذلك.
تم تطبيق قانون مكافحة الفساد بشدة منذ عام 2004، والذي كان له تأثير كبير على جهود المكافحة، أعقبه إنشاء مجلس مكافحة الفساد المشترك بين الوكالات في عام 2008، على أن تكون مهمته تنسيق المواجهة ضد الفساد ووضع استراتيجياته ومراقبته، وضم المجلس ممثلين من أعضاء مختلف الوكالات الحكومية ومجموعات المجتمع المدني وجمعيات رجال الأعمال.
تم جذب موظفين جدد للمصالح الحكومية، والحد من دور الدولة، والتنسيق بين جهات الدولة عن قرب. تم القضاء على العصابات ومافيا المال العام داخل الأجهزة الحكومية، وفي السنوات الأخيرة تم الحد من المستوى المنخفض للفساد بشكل فعلي.

موقف
التحديثات الحية

ببساطة تحولت مكافحة الفساد إلى خطة عمل طويلة الأمد للحكومات المتعاقبة بغض النظر عن الحكومة القائمة، وكانت النتيجة رائعة، حيث خفّ مستوى الفساد بشكل كبير بعد ثورة الزهور. 

ومنذ عام 2004، أحرزت جورجيا تقدمًا في الحملة ضد الفساد وإعادة الحكم الرشيد. وفي 2014 احتلت جورجيا المرتبة 11 من بين 197 دولة في مؤشر مخاطر الرشوة للأعمال، متقدمة بذلك على دول مثل النرويج وفرنسا وهولندا وسويسرا وبريطانيا والنمسا. 

وقبلها بسنوات قليلة وتحديدا في عام 2010، قالت منظمة الشفافية الدولية (تي آي)، إن جورجيا كانت "أفضل مُحارِبة للفساد في العالم". كما صنف مؤشر مدركات الفساد في منظمة الشفافية الدولية لعام 2017 جورجيا في المرتبة 46 من بين 180 دولة.

هل يمكن أن تكون جورجيا نموذجا لبلادنا في تحقيق المعادلة الصعبة، بلد محدود الموارد، ورغم ذلك يتمتع المواطن فيه بأسعار سلع وخدمات رخيصة؟

ووفقًا لدراسة للبنك الدولي، كان لجورجيا أفضل أداء في مكافحة الفساد وفعالية الحكومة والتنظيم خلال 2019، حيث احتلت المرتبة الأولى بين الدول الـ14 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
السؤال: هل يمكن تكرار تجربة جورجيا العملية داخل دول المنطقة، وأعني هنا تجربتها في مجال مكافحة الفساد وتوفير مستوى أمن عال لمواطنيها وأسعار في متناول اليد وتناسب القدرة الشرائية للمواطن؟ 
وهل يمكن أن تكون جورجيا نموذجا حيا لبلادنا في تحقيق المعادلة الصعبة، بلد محدود الموارد، ورغم ذلك يتمتع المواطن فيه بأسعار سلع وخدمات رخيصة ومتطورة، وفساد أقل، وإجراءات حكومية سريعة وحديثة؟

المساهمون