معاداة الرواية

04 ديسمبر 2020
الصورة
(عمل فوتوغرافي لـ عباس كيورستامي)
+ الخط -

كان السؤال الذي يشغل معظم الذين أرّخوا لنشوء الرواية العربية هو التالي: لماذا واجهت الرواية في زمن نشوئها حالة من العداء من قبل الثقافة السائدة، وخاصة الثقافة المجتمعية؟ إذ لم نشهد في ذلك الوقت موقفاً عدائياً قوياً من قبل النظم الحاكمة مضاداً للرواية؟ أمّا السؤال التالي لهذا فهو: هل عارضت الثقافة التقليدية فن الرواية أم خطابها الجديد؟

قال إيان واط، في كتابه "نشوء الرواية"، إنّ الرواية في التاريخ العالمي كلّه إنما نشأت فكرتها على نبذ التقاليد القديمة. نبذت التقاليد الأدبية القديمة التي كانت تسود في الأدب قبل ظهورها، مثل الملحمة التي كانت تبني وجودها على الجانب البطولي الأسطوري الذي يمجّد الشخصيات الكبيرة كالملوك والأمراء وغيرهم، كما نبذت القواعد الأساسية في المسرح، وخاصّةً قاعدة الوحدات الثلاث، ومن بينها القاعدة الأخطر وهي وحدة الزمان والمكان التي كانت تقوم، كما يذكُر، على إنكار دور الزمن في الحياة اليومية للبشر.

كسرت الرواية في نشأتها كل تلك التقاليد، واجتازتها لتخلق النوع الأدبي الجديد الذي نترجمه إلى العربية باسم الرواية. غير أن هذا كلّه لم يشكّل خطراً على الثقافة التقليدية العربية حين وصل هذا الفن إلى أراضيها، وإنما ذلك التدخُّل المباغت في الشؤون الاجتماعية، إذ نبذت الرواية منذ نشأتها أيضاً كثيراً من التقاليد الاجتماعية والفكرية السائدة. والراجح أنّ هذا المنحى كان أحد الأسباب التي أوجدت عداءً بين الثقافة العربية السائدة، في زمن نشأة الرواية، والرواية.

أكّدت على خصائص الأفراد ورفضت النموذج الذي يعلن أنهم متشابهون

ليس فن الرواية كفن هو الذي تسبّب بهذا الموقف العدواني من الرواية إذاً، بل هذا الفن الجديد الذي يطاول البنية الفكرية الراسخة في المجتمع. الفن الذي أخذ يبدّل في قواعد الشخصيات والأحداث التي يتناولها في حكايته. إذ على الرغم من أن النصوص العربية الأولى كانت تفتقر لبنية فّنية متماسكة، وتلك هي سمة الولادة بالطبع، فإنها كانت شديدة الوضوح في التأكيد على رسالتها الفكرية المختلفة تماماً عن الواقع الثقافي السائد، وتلك حالة خاصّة من علاقة المجتمع بالرواية.

بدأت الرواية تؤكّد على خصائص الأفراد والنزوع الفردي، تشيد بما يميّز هذا الفرد عن غيره. ترفض النمط أو النموذج الذي يعلن أننا متشابهون. وهي بذلك تؤكّد فرديتها بقدر ما تؤكّد انتصارها للروح الفردية عند البشر. ولهذا فقد كان ابتكار الحبكات الجديدة لدى الروائيّين المؤسّسين هو العلامة الفارقة التي ميزت الرواية، بل هي سمة كل روائي فنّان وكل رواية جديدة. وربما كان هذا النزوع أساساً في تحفُّظ الأنظمة الشمولية على النصوص الروائية. فمثل تلك الأنظمة لا ترغب في الشخصية الفردية المستقلّة، وتحبّذ الشعار الذي يشيد بالجماعة وبالتضحية والشهادة من أجلها.

والهام في الأمر، على الرغم من استمرار المراقبة والرغبة في المعاقبة، أن هذا كلّه لم يُعرقل حركة تطوُّرها التقنية أو الفنية، فقد حقّقت الرواية العربية في القرن العشرين تطوُّرات شديدة الأهمية في مجال فن الكتابة. هل كان العداء للرواية سبباً أنها لا تزال تبحث عن جمهور قارئ؟ وهل استسلمت الثقافة التقليدية أم تنتظر فرصة أُخرى؟


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون