الرواية العربية تودّع حنا مينة

21 اغسطس 2018
الصورة
(1924 - 2018)

يعدّ الروائي السوري حنّا مينة (1924 – 2018)، الذي رحل اليوم الثلاثاء أحد كتّاب السرد الأوائل في بلاده، حيث نشر قصصه القصيرة الأولى عام 1947 في الصحافة السورية، قبل أن ينتقل إلى كتابة الرواية فصدرت له "المصابيح الزرق" عام 1959.

ولد الراحل في إحدى قرى لواء الإسكندرون، ثم انتقل مع عائلته عام 1939 إلى مدينة اللاذقية على الساحل السوري. وعنيداً كما البحر، تنقّل صاحب "الشراع والعاصفة" بين مهن عدة ليحفظ أسرار العمّال وهمومهم ويوثقها حبراً وسرداً، فاشتغل حلاقاً وحمالاً وبحّاراً ومصلح درّاجات ومربي أطفال وموظفاً حكومياً.

التحق بصفوف المقاومة السورية ضد الاستعمار الفرنسي، وبوصفه "شيوعياً" ظلت تلاحقه سلطات بلاده في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، وحاول مع رفاقه تأسيس نقابة في مرفأ اللاذقية، ومن هذه الأحداث استمد في ما بعد روايته "نهاية رجل شجاع".

منح البحر صاحب "الرحيل عند الغروب" خبرةً وتجربةً استثنائية لم يعشها في المدرسة التي حرمه إياها الفقر، وكان مصدر إلهامه الأساسي لكتابة أكثر من ثلاثين عملاً روائياً قدّمته "أديب البحر"، وكان وراء شهرته الواسعة.

كتب وصيته منذ سنوات، حيث ورد فيها "أنا حنا بن سليم حنا مينة، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية عام 1924، أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرت طويلاً حتى صرت أخشى ألاّ أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه [لكل أجل كتاب]. ‏عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألاّ يذاع خبر موتي في أية وسيلة إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب في أن أكون بسيطاً في مماتي، وليس لي أهل، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية".

حديثه عن الموت تواصل منذ فترة ليست بالقصيرة، وربما كانت الصدفة أن خبر رحيله قد أشيع مرات عدّة، إذ كان يستذكر في مقابلاته الصحافية أصدقاءه الراحلين، ولأحاديث الموت صلة بإقامة مؤلف "بقايا صور" في الذكريات، خاصةً بعد أن غيّب الموت زوجته مريانا قبل حوالي عشرة أعوام. وخلافاً لموت ابنته الذي ألهمه إحدى أعماله الروائية المهمة وهي "حمامة زرقاء في السحب"، فإن رحيل "أم سعد" خلّف حزناً ورغبةً في التخلص من ذكرياته الممتدة 86 عاماً، ما دفعه إلى اتخاذ قرار ببيع بعض مقتنياته، التي تشكل متحفاً يمثّل مفاصل بارزة في حياته كما كتب في إعلان نشره في إحدى الصحف السورية.

حُوّلت بعض أعماله إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، منها: فيلم "بقايا صور" عن رواية بالعنوان نفسه، و"الشمس في يوم غائم" أيضاً عن رواية حملت العنوان ذاته، و"آه يا بحر" عن روايته "الدقل".

"ما الذي أريده من الحياة؟ لغاية الآن لا أعرف ماذا أريد؟ رغم بلوغي أرذل العمر"، بهذه المقولة تأمل صاحب "القطاف" رحلة وعرة وشائكة خاضها بشجاعة بحّار وتمنى النزول إلى أقرب ميناء بحثا عن راحة أبدية.